اللوبي الإسرائيلي في مصر عينه على الماء

بقلم: عادل الجوهري

لو سمح القراء الأعزاء أن أذكرهم بجزء من صرخة شاعر النيل العظيم حافظ إبراهيم بقصيدته الشهيرة بعنوان: "مصر تتحدث عن نفسها" حين شدا قائلاً:
وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي
وبناة الأهرام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحــــدي
أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودراته فرائد عقــــــــــــدي
أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعـــدي
فلا أحد يستطيع أن يتجرأ بالقول بأن مصر على مر العصور لم تكن مرغوباً فيها وبشدة من كل قوى الشر الاستعمارية، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الخوف عليها من الضياع ومن بعدها الأمة العربية بالضرورة، لم يكن هاجس الشاعر وحده، بل هو هاجس كل المخلصين من الرجال العظام، ليس الرجال الذين يتناسلون بكفاءة واقتدار، بل هؤلاء الذين تسري في عروقهم الأوطان وتبقى وتسكن الروح ما بقيت الأعمار، الذين يقدسون الأمة ويعملون لصالحها وهاجسهم الخوف عليها من تقلب الأقدار، ولكن هذه فئة اندثرت، وحل مكانها من يبيعون كل شيء، الأرض والعرض، والماضي والحاضر والمستقبل، بأرخص الأسعار.
وإلى فترة قريبة من الزمن كنت كغيري من المواطنين العاديين لا نؤمن بنظرية المؤامرة إيماناً بأن القوة الضرورية لأي فعل لا يمكن لها أن تنبع إلا من الذات، فإن تعرضنا للفشل فلا يجب أن نلقي بتبعة هذا الفشل إلا عليها، فهي التي فرطت، وهي التي قصرت، وهي التي تخلت عن تثبيت مكانتها التي تستحقها وتؤهلها لها جميع المقومات التي إن تم استعمالها وفقاً لطبيعة الأشياء ومقتضياتها، لكانت مكانتها غير تلك التي حصلت عليها.
ولكن هذا كان في زمن الرجال العظام، أما اليوم في زمن رجال التناسل، وبقليلٍ من التفكير وبشيء من الربط بين المعطيات والتصرفات لابد أن يصل المواطن البسيط إلى قناعة بأن الوضع الغريب الذي انزلقت إليه مصر والأمة العربية من ورائها من تخلف في جميع المجالات لا يمكن أن يحدث إلا أن كان مطلوباً ومقصوداً ومُخططاً له، فإن ما تمتلكه مصر وحدها من الموارد البشرية والطبيعية، وما وهبته لها الجغرافيا ببالغ الكرم من تضاريس سهلة، وبحار متعددة مفتوحة، ومياه عذبة متدفقة، وموقع متميز يتوسط قارات الدنيا، لا يمكن أن يؤهلها لهذا الفشل الظاهر جلياً وسط نجاح الناجحين، ولا يقول أحد بغير ذلك إلا المشاركين في إحداث هذا الأثر المدمر بالوطن وأمثالهم ممن يطالبون بلا خجل بإطلاق الرصاص الحي على الشعب في سابقة هي الأولى من نوعها. أمد الله في عمر الرئيس مبارك ليرى اللوحات البديعة لوطنه التي ترسمها كل يوم أيادي من اختارهم ووضعهم ورفعهم، ولكنه نسي في خضم مشاغل الحياة محاسبتهم.
هذا الفشل لابد أن يكون نتيجة منطقية ومؤكدة لسياسات تنطق بعالٍ من الصوت أنها لا تخدم مصر ولا أمتها العربية ولا تريد، وهذه السياسات إن كانت نابعة من فرد واحد، وبإيحاءٍ من ذاته، ومستخلصة من أفكاره فتلك المصيبة بعينها، وإن كانت تلك السياسات المريعة والفاتكة بمصر والجاذبة أمتها العربية معها إلى طريق بلا قضبان بقاطرة لا يقودها ربان، مملاة ومُخطط لها من قوى أكبر من هذا الفرد ورغماً عنه فالمصيبة هنا من القسوة بحيث لا يمكن قياس جسامتها.
وسواءً كان الفشل جراء اختيار شخصي عنيد، أو تنفيذ لأمر خارجي عتيد، فالنتيجة النهائية لصالح العدو الوحيد لمصر والعرب وهي إسرائيل التي حققت أهدافها القريبة بما احتلته من أراضٍ، وما استأثرت به من مكان حصين في قلب وفكر وثروات مصر الرسمية ومن ورائها بعض حكام العرب، وبقي لها الوثوب إلى أهدافها البعيدة انطلاقاً من خريطتها الرسمية، ومن الجلي أن لا أحد سيحاول منعها، لأنه لا أحد يريد رغم الاستطاعة، وهنا مكمن الحيرة.
قد يكون عزل مصر أحد أهم النجاحات التي حققتها إسرائيل بمساعدة أميركية، وإن كانت اتفاقيات كامب ديفيد هي إحدى وسائل هذا العزل إلا أنها لم تكن بقادرةٍ على إحداث ذلك بمفردها، فاتفاقيات الصلح مهما كانت صعوبة شروطها وما يتم تقديمه فيها من تنازلات لا يمكن لها أن تصمد أمام الإرادة الوطنية المخلصة، إلا إذا تضافرت الجهود العكسية، وتوفرت المساعدات الداخلية السخية لوأد الرغبات الشعبية، وإحداث الأثر المطلوب والمُخطط له، وهو أن تكون هذه الاتفاقيات برداً وأمناً وسلاماً على طرف وبؤساً وتشريداً وركاماً على الطرف الآخر، ومع شديد الأسف كانت مصر الشعبية وأمتها العربية هي هذا الطرف الآخر، رغم أن هذا النوع من الاتفاقيات لا يرضخ لها إلا المهزومين في الحروب، ونحن لم نكن منهم مع شديد العجب.
وهناك أسئلة تثير نفسها بنفسها وتلح على من يجد في نفسه الكفاءة والجرأة أن يجيب عنها، وهي: ما هو مبرر تلك العلاقات الحميمية بين مصر الرسمية وإسرائيل دون مراعاة لمشاعر الشعب والأمة العربية؟ ولماذا وجد جنود مصر الأبطال أنفسهم ساهرون على حراسة حدود إسرائيل ويقتلون بلا رحمة كل من يحاول العبور إليها، لم يحدث هذا على أي حدود في العالم بين دولتين، أقصى ما يمكن هو القبض على المتسلل وإعادته فلماذا القتل؟ ولماذا يطلق جنود إسرائيل النار على الجنود المصريين بين الحين والآخر ويقتلون منهم ما يطيب لهم، ولا يحاسبهم أحد ولا حتى يعتذرون؟ ولماذا تُساعد مصر في حصار غزة حتى الموت أو الانتحار أيهما أقرب؟ هل ذلك لصالح مصر والأمة العربية؟.
ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل تخطاه إلى تخريب الاقتصاد الوطني بدءاً من الزراعة التي تم تشويه جميع مقوماتها بأبحاث أحالت أهم محاصيلها وهو الذهب الأبيض المصري الذي كان شهيراً بطويل التيلة إلى مُجرد قزم من ألياف لا هي بيضاء ولا سوداء يتوارى من الخجل أمام القطن الصيني وغيره من أقطان الهواة، وحتى تكون الضربة قاضية تم الانقضاض على صناعة النسيج العتيقة لتسميمها بالمكون الإسرائيلي بواسطة اتفاقية الكويز، بحجة منح المنسوجات المصرية جواز الدخول إلى جنة العالم أميركا ويا ليتها ما دخلتها، فسوف تجني الأجيال القادمة آثار هذا المكون الغامض فتكاً بصناعة النسيج حتى الموت، فهل اغتيال المحصول الزراعي الأول في مصر وهو القطن، واغتصاب صناعة النسيج الطاهرة العفيفة عمل تعود نتيجته خيراً على مصر ولصالح شعبها؟ فإذا كانت الإجابة بالقطع نفياً، فمن المسؤول عن ذلك؟ وهل أعماله مجرد أخطاء في التقدير ونقص في الخبرة، أم أن هناك لوبي إسرائيلي يدير كل هذا العبث بالاقتصاد المصري، سواءً بعلم المسؤول أو بغفلة منه؟
واستمراراً للتخريب المتعمد للاقتصاد، واستمراءً لسرقة مقدرات الوطن بلا حسيب، ولحرمان الشعب من خيرات وطنه بلا رقيب، ورغم شدة الاحتياج الوطني للطاقة والعجز الشديد فيها، يتم استخراج الغاز من أحشاء مصر الصابرة وإهدائه لإسرائيل بأسعار يا ليتها تفضيلية، ولكنها أسعار فضائحية ليتحمل شعب مصر جزءاً من رفاهية الشعب الإسرائيلي في الحصول على الغاز الرخيص، في الوقت الذي يموت فيه بعض المواطنين خلال رحلتهم في البحث عن اسطوانة غاز يطهون بلهيبها المغشوش أرجل الدجاج ومؤخراته المكتنزة مرضاً حصولاً على ما يقتات به أطفالهم البؤساء، فهل التفريط في ثروات مصر الطبيعية بهذه السهولة والقسوة هو عمل لصالح مصر وشعبها؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فمن الذي يقف وراء ذلك؟ إلا إذا كان اللوبي الإسرائيلي قد تمكن تماماً من مفاصل اتخاذ القرار في مصر .
بالنسبة لإسرائيل ومهما أبرمت من اتفاقيات، فستبقى الأمة العربية عدوها الأوحد الذي يجب القضاء عليه، وفي سبيل ذلك تشن حرباً شرسة على شعب مصر في جميع المجالات، ويعينها على ذلك فئة من بائعي الضمائر والأوطان، الذين سهلوا لها تنفيذ مخططها الخطير الرامي إلى الاستيلاء على شريان الحياة في مصر وهو نهر النيل، فأداروا الظهر لدول أفريقيا عمداً، وعملوا على تقطيع أواصر القربى والتعاون مع دول الحوض جهراً، ومكنوا لإسرائيل بالغفلة المتعمدة أو بالرغبة المشجعة أن تتوغل عند مصب النهر، وتغاضوا عن مشروعاتها المشبوهة في إثيوبيا، وتقاعسوا عن التفاوض مع دول الحوض بجدية، إلى أن وصل الأمر إلى أن تنادي إحدى الدول وهي كينيا بأن تدفع مصر ثمن ما تحصل عليه من مياه، وتعمل إسرائيل على تأجيج الخلاف المفتعل بين مصر ودول حوض النيل وتنتظر اللحظة المناسبة لتقوم بالوثبة الأخيرة على النهر من خلال مطالبتها بحصة رسمية مقابل الأموال التي أنفقتها عند المصب، ولعدم استطاعة مصر أن تشن حرباً على دول الحوض جميعها أو إحداها لصعوبة ذلك عملياً، فسوف تلجأ إلى الأمم المتحدة وتلك المنظمة هل ملكاً خالصاً لأميركا وربيبتها إسرائيل، وسيتم فرض الحل المعروف سلفاً على مصر بمنحها حصة معقولة من المياه ستقل بالطبع عن احتياجاتها، شريطة أن تحصل إسرائيل على حصة من المياه بصفة رسمية ودولية وتسير هذه الحصة جنباً إلى جنب مع الغاز الطبيعي المنهوب، ويتم تعديل الاتفاقيات وتُصبح إسرائيل بقدرة قادر إحدى دول حوض النيل فرضاً وقهراً، ويتم تمرير الخديعة الكبرى على الشعب المصري كما سبق تمرير خديعة السلام والرخاء عليه من قبل.
إن كان هذا المخطط خيالاً فهو ليس ببعيد عن الواقع على كل حال، فقد أعتاد المواطن المصري على شتى ألوان المآسي والنكبات، كما أنه أصبح على ثقة كبيرة من أن كل ما يمر به الوطن من أزمات ونكبات سياسية واقتصادية واجتماعية هي بفعل فاعل، والشعب على قناعة كبيرة أن ذلك ليس محض صدفة، ولكنه مُخطط مدروس يتم تنفيذه مرحلة بعد أخرى، فالمؤامرة قائمة ولم يعد ممكنا إنكار بصمات إسرائيل فيها، ولكنها وحدها لا تستطيع أن تقوم بكل الأدوار، فخطرها إن كان كامناً في الجوار إلا أن الخطر الأكبر لا يحقق أثره إلا بمساعدة من داخل الدار. عادل الجوهري