متخصصون يناقشون الوسطية ونهج استقرار الشرق الأوسط

بيروت ـ من د. إبراهيم خليل العلاف
فرصة طيبة للحوار

افتتح صباح الثلاثاء 20 أبريل/نيسان الجاري المؤتمر الدولي الثالث للوسطية في لبنان بعنوان "الوسطية ونهج الاستقرار في الشرق الأوسط" بدعوة من "منتدى الوسطية في لبنان" و"منتدى استشراف الشرق الأوسط" وذلك تحت رعاية نجيب ميقاتي رئيس الوزراء اللبناني الأسبق.
وتتلخص أهداف المؤتمر بالعمل على تطوير إستراتيجية إقليمية بين جميع الأطراف، ترتكز على الحوار السياسي، الشراكة، التعاون، الأمن المشترك، والاستقلال الاقتصادي، بناء أرضية مشتركة لحماية شاملة، وسلام عادل عبر تكثيف التعاون وتطوير بدائل جديدة لتأمين الاستقرار بين دول المنطقة".
كما يهدف المؤتمر إلى بحث سبل معالجة استمرار التفاوت بين مؤسسات القرن العشرين وتحديات القرن الحادي والعشرين، ورفض توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خلال العمل على تطبيق "حق العودة" لهم بموجب القرارات الدولية، وتنويع الاقتصاديات الإقليمية لمعالجة نقاط الضعف في القطاع المالي، والتصدي لمشكلة انعدام فرص العمل، وضعف البنى التحتية، وانعدام فرص التعليم التي تعزز الأمن الاجتماعي. وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية في القطاعات الاجتماعية. فضلا عن الاستثمار وتهيئة البنية التحتية (كالطاقة والطرق والسكك الحديدية، والتعليم والصحة) لزيادة التكامل الاقتصادي".
ومن أبرز أهداف المؤتمر تعزيز دور "الوسطية" كجسر عبور نحو استقرار العالم العربي والشرق الأوسط.
وفي بداية المؤتمر ألقى رئيس "منتدى استشراف الشرق الأوسط" جو عيسى الخوري كلمة قال فيها: "إن الرئيس ميقاتي أراد من خلال دعم المنتدى، أن يؤسس واحة تلاق لجميع الأفكار من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة، تشكل ركنا لإطلاق إستراتيجيات سياسية وإقتصادية واجتماعية تهدف إلى تطوير حياة الإنسان".
وأوضح أن الرئيس نجيب ميقاتي قال إن "الوسطية غدت النهج الذي من خلاله نستطيع مواجهة ظاهرة التشدد والعنف التي اقتحمت منطقتنا العربية"، معتبرا أن استعادة السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان "جاءت بعد تسليمنا بأن الوسطية هي الناظم الحقيقي لمعادلات العيش الواحد وتوازنات الحكم".
ثم ألقيت كلمة وزير خارجية تركيا أحمد داود اوغلو من قبل ممثله شكري كوميتو، وجاء فيها: "تربط تركيا بلبنان علاقات سنظل نحافظ عليها عبر المشاركة في القوة الدولية في الجنوب، وإعادة الإعمار."
وأضاف "نشهد مرحلة حساسة في الشرق الأوسط، مليئة بالتحديات"، مبديا ثقته "بأننا قادرون على اعتماد معايير بغية إرساء الاستقرار وإقامة الحوار السياسي، وتدعيم الحوار، وخصوصا المستقل من أجل أن يبلغ أهدافه المرجوة".
وأشار إلى "مبادرة تركيا لاعتماد آلية إستراتيجية لتسوية الصراع العربي - الإسرائيلي والسعي لإقامة دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس ...".
وأكد أن "معوقات السلام تعود إلى التعنت الإسرائيلي"، داعيا إلى "وقف النشاطات الإسرائيلية، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ومعالجة الوضع الإنساني غير المقبول في غزة".
وتحدث رئيس "المنتدى العالمي للوسطية" رئيس وزراء السودان الأسبق الإمام الصادق المهدي قائلا: "إن الاستقرار الاجتماعي لا يكون بلا سلام، والسلام يقوم على العدل. إنها قيم من أهم فرائض الإسلام التي تقوم على الخماسية الذهبية: الكرامة، الحرية، العدل، المساواة والسلام".
ولفت الانتباه إلى أن "هنالك خمسة عوامل تتعارض مع هذه المبادئ وتطيح الاستقرار في منطقتنا. اثنان داخليان هما: الاستبداد، والظلم الاجتماعي، وثلاثة خارجية هي: الاستيطان الصهيوني الغاصب، الاحتلال الأجنبي والهيمنة الثقافية الغربية، والغلو والتشدد الذي هو ظاهرة سياسية استمدت من إخفاق الأطروحات المختلفة في رفع المظالم، ومن العدوان الإسرائيلي، ومن الاحتلال السوفيتي ثم الأميركي. أراد رواد الهيمنة الدولية إملاء سياساتهم على العالم، ويرون أن الغلبة العسكرية عن طريق الأحادية والاستباقية كافية لذلك. وفي كل الحالات، من أفغانستان، إلى العراق، إلى الصومال، حققت هذه السياسة عكس مقاصدها. لذا فإن الوسطية تمثل المخرج من هذه الدوامة المقيتة".
ووجه رئيس مؤسسة "ثقافة السلام" في مدريد فريديريكو مايور زاراغوزا كلمة متلفزة إلى المؤتمر، رأى فيها أن "المبادرة أتت في وقتها. إذ لدينا الآن التشخيص الحقيقي، وقد حان الوقت للتحرك".
أما منسق مجموعة "الرؤية الإستراتيجية لروسيا والعالم الإسلامي" السفير فوق العادة فينيامين بابوف فدعا إلى استخلاص أمثولة مناسبة من تجربة لبنان وليس لمثل لبنان الإيجابي أبعاد وطنية وإقليمية فحسب، بل له أيضا أبعاد إنسانية أوسع لأنه يؤكد أن النيات الحسنة، وقوة الإرادة، والثقة المتبادلة والحكمة الطبيعية يمكن أن تحقق معجزات وتؤدي إلى انتصار مفيد للجميع. وبديهي أن الاستقرار في لبنان هو ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة".
وأضاف أن "الأحداث الأخيرة التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا في النزاع العربي – الإسرائيلي، تؤكد أن الوضع يزداد حدة ويقترب من خط الخطر، وحتى من شفير الحرب تقريبا".
وقال: "حان الوقت لنفكر بطريقة عملية في مشاريع إستراتيجية مشتركة مع البلدان الإسلامية والعربية مثل خطّ أنابيب للمياه، وإنتاج الحبوب، ومشاريع بيئية، وفي مجال الطاقة المتجددة، والمحافظة على الطبيعة والنظرة المستقبلية الجيدة قد تشمل مبادرة شراكة الحضارات التي يمكن أن يعرضها مفكرون روس بالتعاون مع مفكرين عرب، على أن يرتكز هذا التحرك على مبدأي المساواة والتسامح".
وأشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الاسكوا) بدر عمر، إلى أن "النهج الوسطي يرتكز على النقد البناء ومراجعة الذات من أجل التفاعل بطريقة سليمة مع مصالحنا السياسية والاقتصادية ومع الظروف المحيطة بنا. وفي هذا الإطار، علينا السعي إلى بناء السلام مع أنفسنا وفي ما بيننا حتى نتمكن من تقرير مصيرنا بأيدينا وبناء السلام مع الآخرين على أساس الحلول العادلة والشاملة".
ولفت إلى أن "القرارات المصيرية التي اتخذتها الأمم المتحدة على مدى الأعوام العشرة الأخيرة، وعلى رأسها الأهداف الإنمائية للألفية، تنبع من مبدأ الوسطية. وحكومات المنطقة مدعوة، أكثر من أي وقت مضى، إلى القيام بجهود حثيثة نحو تحقيق هذه الأهداف. وبذلك تتراجع أسباب التطرف النابع من الحرمان والفقر والقمع".
ودعا إلى إعطاء الشباب اهتماما خاصا من "خلال إرساء سياسات شبابية متكاملة. وقد قررت الأمانة التنفيذية للاسكوا التركيز على موضوع الشباب في مجلسها الوزاري الـ 26 الذي يفتتح في 19 مايو/آيار المقبل". كما طالب بتعزيز دور القطاع الخاص.
ووقف الرئيس ميقاتي موجها كلامه لأعضاء المؤتمر قائلا: "تمر المنطقة العربية في حالة عدم استقرار مما يجعل دولها تعيش حالا من الصراع الوجودي للدفاع عن استمراريتها ودورها. ومن البديهي أن يتركز البحث على إيجاد الطرق السلمية لمعالجة مشاكلنا، الأمر الذي يفرض اعتماد منهجية علمية وواقعية تكون فيها الحقيقة المرتكز الأساس".
وقال: "الكثير من المواجهات والحروب كانت تجد نهاية لها من خلال اعتماد حلول وسطية يلتقي حولها فرقاء النزاعات. وإذا كنا في لبنان استعدنا السلم الأهلي والاستقرار الداخلي فلأننا سلمنا كلبنانيين بأن الوسطية هي الناظم الحقيقي لمعادلات العيش الواحد وتوازنات الحكم في الدولة، وهي الضامن الحقيقي للوحدة الوطنية ومقياس لعلاقات لبنان بدول محيطه العربي والعالم اجمع.
لقد اقتنع الفرقاء بان الحق المطلق ليس مع أي طرف منهم، والخطأ في المطلق ليس سمة مواقف الطرف الآخر. فعادت لغة المنطق والاعتدال لتسود في ما بينهم. فكان اتفاق الطائف الذي طوى حقبة أليمة من تاريخ لبنان، وأرسى صيغة حكم تحفظ ثوابت الكيان وتوازنات الدولة. ولعل التجربة اللبنانية جديرة بأن تكون مثلا يحتذى في عدد من الدول التي تواجه أوضاعا مماثلة. ويحضرني هنا مثل العراق".
وأضاف: "لأن الوسطية هي صنو للاعتدال وحماية من الجنوح نحو التطرف، فقد غدت النهج الذي من خلاله نستطيع مواجهة ظاهرة التطرف التي اقتحمت في أشكال مختلفة منطقتنا، وأربكت دولها وأنظمتها وأحرجت شعوبها. وإذا كان ثمة من يرى في التطرف خيارا وأسلوب عمل يرتكزان على تعاليم الدين، فإننا نرى أن هذه المقولة لا تستقيم لان الأديان السماوية، على تعددها، تأمر بالاعتدال وتنهى عن التزمت وتنادي بالتسامح، وتدين العنف الذي يستخدم تعاليم الدين لتبرير نفسه".
وخلص إلى أن "منطقتنا لن تهدأ ما لم تجد القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا يعيد الحقوق إلى الشعب الفلسطيني، وفي مقدمها حق قيام الدولة المستقلة. وإذا كنا أكدنا أن الوسطية هي نهج الاستقرار في الشرق الأوسط، فلأننا نؤمن بأن الوسطية ليست حيادا بين سيادة وتبعية، ولا هي خيار بين احتلال ومقاومة، بل هي المؤمنة بحق الشعب بسيادته على أرضه، وبتحريرها بكل الوسائل المتاحة، لاسيما إذا لم تجد القرارات الدولية التي تحفظ السيادة والعدالة والكرامة والاستقلال وتحرر الأرض، طريقا إلى التنفيذ.
وفي اليوم الثاني 21 أبريل/نيسان ابتدأ المؤتمر أعماله، فعقدت جلسة عمل بعنوان "التطرف وصناعة الحروب الدينية في الشرق الأوسط" رأسها الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية في الأردن المهندس مروان الفاعوري الذي لفت الانتباه "إلى خصوصيات البيئات السياسية والثقافية والتحديات القائمة"، مشيرا "إلى المساهمة في الحوار الحضاري، وتخفيف السجال الحضاري المصطنع، والتدافع بدل التصارع، والمساهمة في تحقيق المصالحة مع الذات، والتنمية الشاملة ...".
وتناولت الجلسة الثانية التداعيات السياسية لضعف الأمن الاقتصادي في الشرق الأوسط، وترأسها وزير المال الأسبق جهاد ازعور الذي اعتبر أن الأزمة العالمية أثرت سلبا على المنطقة، وتبين أهمية الإصلاح الاقتصادي وضرورة تحقيق المناعة، بفضل الإصلاح والارتقاء بالوضع السياسي والأمني الذي يشهد اضطرابات عدة. واعتبر أن ضعف المؤسسات الرسمية في الدولة أدى إلى تنامي عدد الشركات اللبنانية الخاصة على مستوى العالم، مشيرا إلى الضعف الاقتصادي في المنطقة.
ومما قاله إن منطقتنا العربية تعيش تحديات كبيرة وإستراتيجية ويجب ابتكار الإجابات بغية إيجاد الحلول الناجعة للمشكلات المتعددة في منطقتنا.
وطرح نائب حاكم مصرف لبنان الدكتور محمد بعاصيري سؤالا عن موقف المصارف العربية في حال فرضت عقوبات دولية على إيران؟ ولفت الانتباه إلى أن ثمة 5 دول عربية تخالف قوانين مجموعة العمل المالي بمعنى أن مصارفها تحت المجهر.
واعتبر أن هذا الأمر يؤثر سلبا على سمعة المصارف العربية مشيرا إلى أن الدول العربية اتخذت إجراءات كفيلة لحماية مصارفها من مخاطر السمعة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. ودعا إلى الحضور المصرفي العربي الأكيد في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، علما أن هذا الحضور العربي غير مؤكد في أميركا.
وأشار إلى القطاع المصرفي اللبناني، وقال إن القطاع المصرفي يتحدى الناتج القومي وهذا أدى إلى انتشاره في الدول العربية وفي قارات العالم، وبناء عليه من مصلحتنا أن نفعّل تواجد لبنان مصرفيا في سوريا وتركيا.
وفي هذا اليوم عقد المؤتمر أربع جلسات ترأس الجلسة الثالثة الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري، وتحدث فيها الدكتور حسني عبيدي والدكتور محجوب الزويري والبروفيسور الكسي سارابيوف وكانت الجلسة بعنوان "متغيرات الصراع وتحديات الاستقرار في الشرق الاوسط ".
وفي الجلسة الرابعة التي حملت عنوان "القضية الفلسطينية والتحولات السياسية في الشرق الأوسط"، ألقيت ثلاثة بحوث وترأسها الدكتور معروف البخيت رئيس الوزراء الأردني الأسبق. ومن الذين القوا بحوثهم الدكتور عبدالله النسور وحلمي موسى والدكتور منصور بن عبدالله المنصور.
وتحدث في الجلسة الخامسة التي وسمت بـ "انعكاس استقرار الشرق الأوسط على الوضع في لبنان" جورج غانم وسليمان تقي الدين والدكتور طلال الساحلي والدكتور بول سالم.
وفي الجلسة الختامية الموسومة بـ "من أجل عالم متغير" والتي ترأسها الدكتور عبدالله النسور نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الأردني الأسبق، ألقيت البحوث من قبل الدكتور إبراهيم خليل العلاف، والدكتور سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، والبروفيسور لينورد سوكانيان، والبروفيسور برهان كور اوغلو.
ثم ألقى الإمام الصادق المهدي كلمة الختام ولخص فيها أبرز النقاط التي خرج بها أعضاء المؤتمر ووعد بأن التوصيات ستصدر بعد أسبوع من انتهاء المؤتمر.
لقد كان المؤتمر الدولي الثالث للوسطية فرصة طيبة للحوار حول الكثير من المشكلات التي يواجهها وطننا العربي وعالمنا الإسلامي، وكان المؤتمر بحق من أبرز المؤتمرات العلمية التي تمتعت بالدقة في النظرة والموضوعية في الطرح والصدق في تقديم الحلول. ومما ينبغي ذكره أن المؤتمر اتسم بحسن التنظيم، ودقة الاستفادة من الوقت، ووضوح الأفكار والرؤى الوطنية والقومية والعالمية المفيدة.
يذكر أنه حضر حفل الافتتاح ممثل السيد رئيس الجمهورية اللبنانية وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، وممثل السيد رئيس مجلس النواب النائب علي بزي، وممثل السيد رئيس مجلس الوزراء وزير الإعلام طارق متري، ووزير الاتصالات شربل نحاس، فضلا عن عدد كبير من النواب والسياسيين والمثقفين والمفكرين والاقتصاديين اللبنانيين والعرب والأجانب. أ‌. د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث – جامعة الموصل (العراق)