رحلة موسيقار(4): أفول النجم ورحيله

القاهرة
بليغ ساهم في صعود نجم ميادة

الزخم الموسيقي الذي ملأ به بليغ حمدي عقدي الستينيات والسبعينيات، دخل به عقد الثمانينيات، لكنه كان مفتقدا لأهم وأبرز سماته طوال عقدين ألا وهو البحث عن جديد وتطوير جملته الموسيقية، لقد دخل مرحلة السطوع والنجومية فلم يعد يبال أو يستمع إلى ما يوجه إلى أعماله من النقد، لا ينكر عليه أحد استمراره في تبني الأصوات الجديدة واحتضانها، لكن على مستوى موسيقاه لم يقدم جديدا أو يضف لرصيده.

لقد مر عليّ في فترة السبعينيات اسم أحمد عدوية، فظننت أن حديث بليغ عنه من باب أن هذا المطرب الشعبي أحدث شرخا عظيما في مسيرة الغناء المصري والعربي، الذي كان لا يزال حتى سطوع نجمه عام 1975 يتذوق النغمة الموسيقية والصوت، وكان الكثير من عباقرة الموسيقى والتلحين على قيد الحياة، وكانت الأصوات الطالعة والراسخة لا تزال ملء السمع والبصر.

جاء عدوية مواكبا لعصر لا نزال نعاني انتكاساته، عصر السباكين والمقاولين وباعة الوهم والفساد، عصر أغنيته الشهيرة "السح إلدح إمبو"، كان هناك موقفا من هذا الصوت وما يتغنى به من كثير من الموسيقيين والشعراء، لكن المدهش أن يتحمس له بليغ حمدي ويلحن له خمس أغنيات منها "بنج بنج"، و"والله ولعب الهوا واحنا قاعدين سوا"، و"القمر مسافر".

اتهم بليغ وطاردته الأسئلة وكانت ردوده دائما "عدوية صوت مصر لاشك في أصالته، نظلمه حين نحكم عليه بالإعدام".

قد يكون بليغ محقا، لكنه كان لابد أن يفكر في الأمر، فلا يصح من لحن لكوكب الشرق وحليم وشادية ونجاة وفايزة وغيرهم ممن كانت أصواته مصدر رقي لجمهور المستمعين، أن ينزل إلى هذا المستوى الذي تطور واتخذ أشكالا وألوانا عدة أفسدت الذائقة السمعية لشعب كامل.

لكن يحسب لبليغ أنه قدم صوتا أو بمعنى أدق أسهم في صعود نجمه عربيا هو صوت ميادة الحناوي، المطربة السورية الجميلة، التقت به في دمشق عام 1979، تقول "عرفته من خلال المنتج صبحي فرحات، كان بليغ قد سمعني من خلال أغنية لحنها لي الموجي، أثنى بليغ على أدائي وطلب مقابلتي، وقضى بليغ عامين في دمشق أعاد فيهما اكتشافي فنيا، وجعلني ميادة التي عرفها الجمهور، كان أبا روحيا وصديقا مخلصا".

لحن بليغ لميادة 25 أغنية، كتب كلمات بعضها، منها "كان ياما كان"، "فاتت سنة"، "الحب اللي كان"، "أنا بعشقك"، و"سيدي أنا"، و"الحل الوحيد"، وقال عنها في عدد مجلة المستقبل الصادرة بتاريخ 9 / 2 / 1986 "لو حدث وأتت ميادة إلى القاهرة فلسوف تجلس كثيرات في بيوتهن، فهي صوت بلا حدود على الإطلاق ولديه قدرة لم يعطها الله لصوت آخر".

في نفس الفترة 1979 ـ 1980 تبنى بليغ حمدي المطربة لطيفة، بل على حد قولها "غيّر مسار حياتي، التقيته في منزل أحمد ابن الموسيقار محمد عبد الوهاب، حيث كنا معزومين عنده عائلتي وأصدقاء لنا، وفي هذه الليلة سمع صوتي حيث غنيت أغنية "افرح يا قلبي" وبعدها فوجئت به يتصل بالشاعر عبد الوهاب محمد ويطلب منه الحضور، ويحضر عبد الوهاب محمد لأغني أمامهما مرة ومرة وصحبني بليغ على العود، بعدها قالا "صوتك حلو وشكلك حلو ومثقفة ولابد من انتقالك للإقامة في مصر"، ولأنني كنت لا أزال طالبة في الثانوية العامة كان من الصعب أن أقطع دراستي، لكنهما أخذا تليفوناتي في تونس، وبعد نجاحي في الثانوية التحقت بكلية الآداب لمدة عامين إلا أن بليغ حمدي كان يصر على مجيئي للقاهرة، ومرة قلت له كيف أقطع دراستي، قال تعالي إدرسي موسيقى في معهد الموسيقى العربية، ووافقت على الاقتراح وتشاورت مع أسرتي فوافقوا جميعا، وجئت إلى القاهرة والتحقت بالمعهد وتخرجت بتقدير امتياز عام 1984".

أول ما غنت لطيفة كانت الأغنيات التي لحنها لها بليغ "مسا الجمال"، "ما بنامش الليل"، و"ما لقيتش مثالك"، وتوالت أغنياته لي "عوافي يا هوى" و"حضرة صاحب المحبة" و"سيب العالم بحاله"، لتنطلق بعد ذلك مع ملحنين آخرين وتحقق ما حققته من حضور جماهيري مصري وعربي.

مطربة أخرى ساهم بليغ حمدي في إبرازها على الرغم من أنها كانت قد غنت في حفل على مسرح البالون بالقاهرة عام 1977، وكان عمرها 19 سنة، سميرة سعيد التي التقت به في أبو ظبي منتصف العام 1979 وتسجل معه مجموعة من الأغاني والاستعراضات لتليفزيون أبو ظبي.

كان بليغ يقدم برنامجا لتليفزيون أبو ظبي اسمه "جديد في جديد" يقدم من خلال ألحانه الأصوات الشابة الواعدة جنبا إلى جنب الأصوات الراسخة على الساحة الغنائية، ودعيت سميرة لأبوظبي في توقيت كان رائعا بالنسبة لتركيبة القاهرة التنافسية، فريق وردة، وفريق فايزة، وفريق .. وهلم جرا، طارت سميرة إلى أبوظبي لتجد أن بليغ حمدي يقيم في نفس الفندق، وهنا كان اللقاء الأول بينهما، أدخل بليغ تعديلا على برنامجه ليفسح المجال لدخول سميرة، وخلال خمسة أشهر متصلة عملا على العديد من الأغاني والاستعراضات.
وقد حدث وخرجت الشائعات تملأ الصحف والمجلات والإذاعات والتليفزيونات العربية حول علاقة سميرة وبليغ خاصة وأن بليغ بعدها مباشرة طلق وردة.
لحن بليغ لسميرة تلك الأغاني التي حققت انفرادا لصوتها، وكانت أغاني طويلة منها "علمناه الحب"، و"كتر الكلام"، و"ليلة الأنس".

هذه الفترة من حياة بليغ ورغم مواصلته لعمله، لكن لم تكن هناك إضافة فنية لرصيده السابق، حيث بدأت شائعات الحب والزواج تطارده خاصة بعد انفصاله عن وردة، وتقديمه لميادة الحناوي وسميرة سعيد، وقد جاء شهر ديسمبر من العام 1984 ليحمل على حياة بليغ بعاصفة كادت أن تودي بالبقية الباقية من حياته الخاصة وملكاته الفنية، وذلك عندما اكتشف حارس العمارة التي يقطن بها جثة فتاة مغربية شبه عارية وملقاة في حديقة المنزل، كانت الفتاة التي تدعى سميرة مليان في العشرينيات من عمرها.
كانت صدمة بليغ شديدة، خاصة أن الصحافة المصرية والعربية صدرت قضيته على صفحاتها الأولى، وطاردته بتنبؤاتها وتحليلاتها، الأمر الذي اضطره للتنقل والترحال من بلد لأخرى، لم يستقر في القاهرة سوى أوقات قليلة وفي 11 / 2 / 1986 أصدرت محكمة جنح العجوزة حكما بعقابه بالحبس لمدة عام، وخرج فيلم سينمائي يحكي قصة مقتل سميرة "موت سميرة" وقتئذ كان يتنقل بين باريس ولندن، وعندما سمع بالحكم قرر عدم العودة، واستمر ذلك حتى نهاية 1990، وكان المرض قد بدأ التسلل إلى جسمه، حيث أجرى عدة جراحات بالكبد.

سنوات المنفى الاختياري "مايو 1986 ـ نوفمبر 1990" اضطر بليغ إلى تغيير محل إقامته أكثر من مرة لظروف مادية صعبة، وكان يعاني غربة شديدة ضغطت نفسيا وجسديا عليه.

وعلى الرغم من ذلك ظل بليغ محل تقدير فقد رشحته شركة "أي .أم .أي" العالمية لإنتاج أشرطة الكاسيت لنيل الأسطوانة الذهبية للعام 1985 بعد أن تجاوزت مبيعات أسطوانات الأغاني التي لحنها لوردة وعزيزة جلال وسميرة سعيد مليون أسطوانة من واقع مستندات الطبع الميكانيكي الموجودة في جمعية الساسم في باريس.

وعقب عودته لمصر نوفمبر 1990 لم تمهل دوامة المرض كثيرا لاستكمال مشواره في تقديم الأصوات الجديدة وتحقيق ما لم يتحقق من أحلامه الموسيقية، قدم عام 1991 ألحان أغاني المسلسل الشهير "بوابة الحلواني" التي غناها علي الحجار وشيرين وجدي، وأغاني مسلسل "زمن الحب الضائع"، ولحن لوردة أغنية "بودعك" التي تصادف أن يضع ألحانها كأغنية أخيرة قبل أن يودع العام في 12 /9 /1993 عن عمر يناهز الرابعة والستين عاما.

وعلى الرغم من رحيله منذ 17 عاما، لا تزال ألحان بليغ التي بلغت ما يقرب من 1359 لحنا فضلا عن العديد من الأوبريتات وأغاني المسلسلات والأفلام، ملء السمع والبصر، بل تشكل تيارا للأسف لم يدرس بعد على الرغم من استحقاقه، حيث لم نشهد منذ رحيله ملحنا بمثل قدرته على التجديد والابتكار.