جهاد مفلح: الرقص على إيقاع التراث

دمشق
النجاح والطموح نحو الأفضل

جالساً وراء مكتب كبير من خشب الماهوغاني ومحاطاً بجدران تزينها الجوائز والصور التي التقطت مع مشاهير وطنية. يروي جهاد مفلح قصة ماضيه وبداياته المتواضعة.

وولد جهاد لعائلة فلسطينية فقيرة في مخيم اليرموك عام 1969، ومنذ ذلك الحين الى الآن حقق مكانة كراقص وكمصمم للرقصات على مستوى عالمي ومؤسساً لفرقة أنانا المشهود لها دولياً عام 1990.

يقول جهاد "كوني فلسطينياً، ولدت بلا أرض وبلا وطن. وقد أدركت سريعاً أني إذا كنت أريد أن أبني وأكوّن نفسي فإن ذلك يقع على عاتقي وحدي".

وترعرع جهاد كلاجئ في مخيم اليرموك في السبعينيات من القرن الماضي، وكان على أسرته أن تشق طريقها في الحياة بإمكانياتها الشحيحة.

يقول مفلح "ذات مرة اشترت والدتي عدة أمتار من القماش لتستخدمها في وقت لاحق لخياطة الستائر وأغطية الفراش وملابس النوم لجميع أفراد عائلتنا".

ويضيف (ضاحكا): "كان من الصعب التنقل أثناء الليل دون القيام بمناورة داخل الغرفة التي كانت تكتسي بنمط معين لا يمكن تغييره ، ولم يكن التمييز سهلاً بين إخوتي وأخواتي من جهة والوسائد من جهة أخرى!"

واكتشف جهاد لأول مرة حبه للرقص في منتصف مرحلة المراهقة أثناء حفل الدبكة السنوي في مخيم اليرموك.

ويقول جهاد شارحاً "تجبرني الموسيقى على التحرك مع إيقاع الضربات والنقرات، وكان هذا الشيء يصدر عفوياً مني مما جعلني بارعاً فيه".

ومع تنامي ولعه بالرقص قام جهاد بتوسيع دراسته الفنية للرقص من خلال العمل مع فرقة زنوبيا للرقص في سوريا، فضلاً عن العمل في لبنان مع فرقة مسرح كركلا للرقص وفرقة تموجات الجسد.

وواجه مفلح لدى عودته الى سوريا العديد من العقبات أثناء تأسيسه شركته الخاصة للرقص.

يقول جهاد "عندما بدأت بالعمل على تأسيس فرقة إنانا كان الوضع صعبا لأنه لم يفهم معظم الناس ماهية الرقص المعاصر. وتساءلوا : لماذا تقوم تلك المرأة على خشبة المسرح بتحريك جسدها بهذه الطريقة؟ ولم يفهموا أن ذلك كان فناً، فقد كان ذلك تعبيراً فنياً".

غير أن رؤية جهاد سريعاً ما استقطبت الجمهور بعد أن قام بمراجعة حاسمة، فاتسعت شركته لتشمل حوالي 100 راقص وراقصة.

وأنتجت فرقة إنانا منذ نشأتها عشرات العروض المسرحية والتلفزيونية والسينمائية التي تم تقديمها في كافة أنحاء العالم.

وعلى الرغم من طبيعة تشعب وتنوع عروضه فإن التراث الفلسطيني لدى جهاد يؤثر على جميع أعماله التي ينتجها. فهو يستفيد من الماضي للتعبير عن صراعات العصر الحديث التي تظهر واضحة وجلية في إبداعات مثل زنوبيا الذي يتحدث فيه عن كفاح شعب في استعادة أرضه والعيش بسلام.

وعلى الرغم من أنه واجه صعوبات جمّة لتحقيق أحلامه، إلا أنه لم يشعر أبداً بأنه كان وحده.

ويقر جهاد بأن "الأونروا كانت بمثابة أم لنا، فهي دائماً تعتني بنا وتفتح لنا الطريق في هذا العالم بينما نحن ننمو و نكبر". وقد تلقى جهاد تعليمه الأول في مدرسة ابتدائية تابعة للأونروا في مخيم اليرموك.

ورغم نجاحه الباهر لم ينس جهاد المكان الذي جاء منه "فتراثنا هو شيء يبقى فينا، ونحن بحاجة الى الحفاظ على تقاليدنا وموروثاتنا والعناية ببعضنا البعض".

ويلعب مفلح دور الوصي على الفن الفلسطيني وفرق الرقص في سوريا، ففرقة إنانا تقدم تدريباً لثلاثة أجيال من الراقصين والراقصات من جيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 20، وتزودهم بالمهارات والتقنيات لتحقيق أحلامهم في عالم الفن المهني.

ويوظف جهاد عدداً كبيراً من العمال الفلسطينيين كي تحافظ شركته على العمل وعلى استمرارية الحياة لرؤيته الفنية.

عندما سئل جهاد عما إذا كان يرى نفسه نموذجاً للمجتمع الفلسطيني لم يتردد في الإجابة على أنه كذلك، وأضاف "لدى مسؤولية نحو مجتمعي. فتحقيق النجاح ليس هو تكديس الأشياء العبثية والمادية بل هو اكتشاف ما يدفعك في الحياة نحو النجاح والطموح لتحقيق أهدافك. ومن واجبي تمرير هذه الرسالة للآخرين".

وتابع "إن رؤيتي للمستقبل هي توسيع نطاق الفرص المتاحة للراقصين والراقصات الشباب، فلسطينيين وسوريين على حد سواء لتحقيق أحلامهم. إن توسيع مساحة التعبير الفني في سوريا بمثابة هدف لن أتوقف عن العمل نحو تحقيقه".(أونروا)