فوضى الموت في العراق ولدت جيلاً لا يعرف آباءه

العودة بالمرأة الى القرون المظلمة

ديالى (العراق) – جلست أم عبد الرحمن على أرض الغرفة في مكتب محامية عراقية بمدينة ديالى شمال العاصمة بغداد، تضع برقعا يغطي وجهها بالكامل، دون أن يرى منها شيء، لحظات بعد أن بدأت بشرح قصتها، ثم أجهشت ببكاء حار.
عبد الرحمن ابنها الوحيد، يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، لا يملك أي مستند يثبت نسبه أو اسمه أو حتى جنسيته، فوالدته، تزوجت في ربيع عام 2007 من مقاتل عربي تابع لتنظيم القاعدة، يوم أن كان أعضاء وعناصر هذا التنظيم يسيطرون على العديد من قرى و أقضية ديالى.
تقول أم عبد الرحمن "كانت قريتنا إحدى القرى التي انضم العشرات من أبنائها إلى تنظيم القاعدة، ولذلك استقبلت العديد من المقاتلين العرب، بعضهم من تونس والجزائر واليمن والسعودية، والأردن وسوريا، وبمرور الأيام طلب أحد أبناء القرية الذي كان أميرا لفرع التنظيم، أن تقوم القرية بمبادرة تزويج بعض بناتها للمقاتلين العرب".
توقفت أم عبد الرحمن، التي رفضت، في حديثها مع "قدس برس"، أن تكشف عن اسمها خشية من الملاحقة، سواء من القاعدة أو حتى من قبل السلطات العراقية، وراحت تسعى لمغالبة نوبة بكاء شديد انتابتها ثانية، ورفعت ابنها الصغير إلى حجرها بعد أن حاول العبث ببعض أوراق على مكتب المحامية، قبل أن تعود لسرد بقايا قصتها المأساوية.
وأردفت أم عبد الرحمن تقول "عرض علي شقيقي الذي كان أحد نشطاء التنظيم الزواج بعربي من التنظيم، وجلس معي لساعة كاملة وهو يحدثني عن الثواب والأجر الذي سأناله عن الله تعالى إذا ما وافقت، وتحدث عن صفات الرجل، مؤكدا أنه من خيرة شباب التنظيم، ورغم ذلك قلت له لا".
وتتابع" لم يتركني، عاد بعد يومين، اختلفت لهجته معي، كان يتحدث بعصبية، ويتهمني بأنني لا أفكر بالآخرة، وأني أهم بالدنيا، وتوعدني في حال عدم الموافقة، وعندما قلت له أني مستعدة للزواج بشرط أن يكون زواجا قانونيا، قال لي: هل جننت؟ واصفا العقد القانوني في المحكمة بأنه باطل".
وتزوجت أم عبد الرحمن بالمقاتل العربي من عناصر القاعدة، بحضور إمام مسجد القرية، الذي عقد قرانها بحضور اثنين من الشهود بالإضافة إلى شقيقها.
وعن حياتها معه تقول أم عبد الرحمن "خصص لي أخي غرفة داخل منزلنا، كان زوجي لا يأتي إلا قليلا، بقيت معه نحو عام كامل، بعدها علمت بأنه قد قتل في معركة شمال بعقوبة، كنت أنا على وشك الولادة، وفعلا جاء عبد الرحمن، دون أن أتمكن من استصدار وثيقة ولادة له، لأنني أصلا لا أملك وثيقة تثبت زواجي من والده".
قصة أم عبد الرحمن ليست الوحيدة في ديالى، حيث كان العشرات من مقاتلي القاعدة ينتشرون في تلك القرى، بينهم عدد لا بأس به من المقاتلين العرب، وتؤكد أم عبد الرحمن، أنها تعرف عشر من النساء العراقيات على الأقل لديهن ذات المشكلة.
وتقول المحامية لبنى عدنان، إنها تلقت عدة شكاوى من هذا النوع، مشيرة أنها تسعى إلى إثارة القضية، حتى لا ينشأ جيل لا يعرف أباه، وأيضا لا يملك أي وثيقة تثبت نسبه.
وأعربت المحامية العراقية في حديث مع "قدس برس" عن اعتقادها "أنها مشكلة العديد من النساء العراقيات، ممن وقعن ضحية استبداد الأهل، وخاصة في المناطق التي انتشر فيها تنظيم القاعدة، حيث كان هناك زيجات من هذا النوع قد تمت بناء على رغبة الأهل، وليس بناء على رغبة الفتاة".
ويطالب طارق الشمري الناشط في حقوق الإنسان، عدم إهمال معاناة هؤلاء النسوة، مؤكدا أنه "يجب الآن تلافي أي تداعيات مستقبلية من جراء ذلك"، ويضيف "الخطر كل الخطر أن تترك هؤلاء النسوة وأبنائهن بلا مستقبل، أغلبهن وقعن ضحية الأهل ولم يكن لهن من يد فيما وقع، هن ضحايا، مثلهن مثل العديد من العراقيين، لا يجب أن يعاقبن على جرم لم يرتكبنه".
ويؤكد الشمري وجود العديد من النسوة اللواتي ارتبطن بمقاتلين عرب من تنظيم القاعدة، وتحديدا في محافظة ديالى، مشيرا إلى أن بعضا من هؤلاء النسوة ارتبطن برجالات القاعدة العرب عن قناعة "وخاصة في بدايات وجود التنظيم حيث كانت القاعدة تقاتل القوات الأميركية، قبل أن يتحول التنظيم إلى محاربة فئات عدة من العراقيين".

ليست ديالى وحدها من أخذت نسائها نصيبا من نشطاء القاعدة العرب، فمناطق بغداد الجنوبية التي خضعت لفترة لرجال القاعدة، وقع فيها ما وقع في ديالى، غير أن أغلب النساء اللواتي تزوجن من مقاتلين في القاعدة، يرفضن حتى اليوم الكشف عن أنفسهن خشية من الانتقام.
تقول سيدة عراقية ترتدي النقاب، إنها زوجت إحدى بناتها لمقاتل في القاعدة، من إحدى الجنسيات العربية، غير أنه أراد أن يأخذها معه إلى بلده ولكنهم رفضوا ذلك، وتتابع "قال لنا الشاب إنه قرر العودة إلى بلاده، و أراد أن يأخذ زوجته معه، غير أننا رفضنا، وبعد أن غادر شعرنا بالندم، نحاول الآن أن نتصل به دون فائدة، هناك حديث عن اعتقاله أثناء محاولته الخروج من العراق، و إلى الآن غير متأكدين من ذلك".
عراقية أخرى، من محافظة ديالى، تحدثت عن ظروف زواجها من مقاتل عربي، قالت إنها بالبداية لم تكن تعرف أنه من القاعدة، ولكن بعد نحو عام من الزواج قال لها إنه من أتباع ذلك التنظيم، وتضيف "لم يكن هناك اعتراض من قبل بعض العراقيات اللواتي تزوجن من مقاتلين عرب، سواء أكانوا من القاعدة أم من غيرها من التنظيمات المسلحة، فأغلبهم جاء إلى العراق بنية الجهاد، خاصة في بداية الأمر، عندما فتح النظام السابق لهم الأبواب، إلا أن الأمر بعد ذلك تغير، حيث جرت مواجهات بين أبناء القرى بسبب اختلاف الانتماءات، بعضهم إلى القاعدة وبعضهم إلى غيرها من الفصائل".
وتتابع "تزوجت من مقاتل عربي، وولدت منه اثنين من الأبناء، لم نسجل عقد الزواج في المحكمة، واكتفينا بالقاضي الشرعي الذي لا يحمل سلطة قانونية، وعندما ولد الأبناء أيضا لم نتمكن من توثيق ميلادهم، وهكذا أصبحت أنا وأبنائي في حيرة من أمرنا، لا نعرف كيف سيتم التعامل معنا" من قبل السلطات القانونية في العراق.
ويروي عراقي آخر اشتغل مع القاعدة في أيامها الأولى، أن أغلب المقاتلين العرب تزوجوا من عراقيات، وأن هناك بعض العراقيات عرضن أنفسهن للزواج بمقاتلين عرب كنوع من التقدير لهم وإبداء الاحترام، ويتابع "كنت شاهدا على أربع زيجات، واحدة لعراقية أرملة، قتل زوجها على يد القوات الأميركية بعد الاحتلال، والثانية لعراقية تزوجت رغبة منها بمقاتل عربي، ثالثة لعراقية شابة لم تتجاوز عقدها الثاني بعد، والرابعة لعراقية تعرض للترهيب والإجبار من قبل أهلها" للزواج.
ويؤكد أبو عبد الله، وهو من أهالي ديالى، أنه لم تكن هناك مشكلة في بداية الأمر من زواج العراقيات من مقاتلين عرب، غير أن تلك المشاكل بدأت بالظهور عقب مقتل أغلب هؤلاء أو اعتقالهم، وبعد أن أنجبت أغلب الزوجات، أبناء لا يحملون أية شهادة ميلاد لعدم وجود دليل قانوني يوثق زواج والديهم". (قدس برس)