حرب تنظيم القاعدة على المجتمع السُنّي العراقي

بقلم: كاظم حامد إبراهيم الربيعي

منذ مطلع العام 2004 والحديث عن تنظيم القاعدة في العراق يدور حول دور هذه المجموعات التكفيرية في استهداف الشيعة واستباحته لدمائهم، الأمر الذي فتح المجال أمام ائتلاف الحكم الطائفي (بأحزابه ومليشياته) ان يستغل هذه الفكرة ويروج لها ويفعلها في الداخل لضرب المناطق السنية واضعافها، وليبرر أي استهداف (اعتقال، قتل، محاكمة) لقاطني تلك المناطق بحجة التورط في دعم الارهاب وايواء عناصر متطرفة.
واستغل الائتلاف الطائفي الحاكم حماقة تنظيم القاعدة في عمله وطريقته في التدمير والتفجير وتفننه في أساليب القتل والتخريب في نسبة كل أعمال العنف والارهاب الى المجتمع السني العراقي باعتباره الحاضنة لهذا التيار التكفيري، و أيضاً باعتبار تنظيم القاعدة يمثل الجانب السني المتطرف (دون ان يكون هناك معاملة بالمثل للقوى الشيعية المتطرفة كجيش المهدي).
لم يكن مفاجئا ان تستخدم قوى الهيمنة الإيرانية على العراق مظلة القاعدة كغطاء لتنفيذ مشروع ابادة السنة في العراق، لأن هذه الاطراف الطائفية لم تدخر جهدا في ضرب أهل السنة وتشريع عملياتها البشعة التي لو عرضت على الملأ لأخذت اللعنات تنصب عليهم كما تنصب على تنظيم القاعدة وربما اكثر.
لا بد ان نعلم انه قبل احتلال العراق كان ضرر التكفير المادي والمعنوي منحصراً في الدول السنية ومتركزا على أهلها وحركاتها الاسلامية (العلمية والدعوية والخيرية الاغاثية)، لذا فإن الصراع القائم بين المجتمعات الاسلامية وفكر التكفير وأصحابه هو صراع شرعي عقدي أصولي، فلم يكن يوما أصحاب هذا الفكر يمثلون مدرسة دينية او مذهبا اسلاميا معتبرا على مدار التاريخ الاسلامي.
بل ان "الخروج على المسلمين بالسيف واستحلال دمائهم وتكفيرهم واعتزال مساجدهم وجماعاتهم" من اولى البدع التي ظهرت في المسلمين والتي كانت تنبئ بخطورة هذا الفكر، وقد كلفت المسلمين جهودا ودماء كثيرة، والاكثر من هذا ان نصوص الوحي النبوي جاءت محذرة من ظهور هذه الاعتقادات الفاسدة ومشجعة على قمع وضرب اهل هذه الاهواء والافكار الشاذة.
والغرض من الكلام المتقدم -والذي لا يجادل فيه أحد من المسلمين- هو دفع ما يُراد ترويجه من قبل أقطاب المشروع الطائفي-الشيعي من ان التكفير واستحلال دماء المخالف هو مذهب اسلامي او مدرسة سُنيّة او طريقة دينية متبعة لها اعلامها ورموزها وأنصارها في المسلمين، والمقصد من هذا الترويج لا يخفى على كل من اطلع على حقيقة المشروع التكفيري (الإيراني) الذي يستهدف المجتمعات الاسلامية قاطبة ولا يفرق بين حاكم علماني أو رجل دين سلفي.
والإفساد الذي احدثه تنظيم القاعدة في المناطق السنية هو نتيجة متوقعة واتصالا طبيعيا لمنهج جرى عليه أصحاب هذا الفكر في كل مكان وزمان، لكن الذي زاد من وطأة الاذى والضرر هو الاستغلال الشيعي لهذا الامر وتسخيرهم له في تحقيق مآربهم واهدافهم التكفيرية أيضا.
لكن قد يطرأ سؤال وهو ان هذا التنظيم قد تم احتضانه من قبل السُنّة، وهذا الامر لا خلاف عليه، إذ انه في بادئ الامر (2003-2005) عندما كان الجهد الاميركي والحكومي منصبا على ضرب المناطق السنية واضعافها واذلال أهلها، كانت الناس تلجأ الى هذا التنظيم باعتباره قوة شرسة تصد الهجمات وتثأر للضحايا والمغدورين السنة (خاصة بعد بدء مشروع الجعفري الاجتثاثي)، كما ساهم الخطاب الاعلامي للقاعدة في اجتذاب الكثير من الشباب العراقي المتحمس لفعل أي شيء في مواجهة الحرب الحكومية المعلنة على أهل السنة آنذاك.
يضاف إلى هذا ان الانحراف الذي نخر صفوف القاعدة وأعادها الى طبيعتها الاولى، لم يأتِ دفعة واحدة و إنما أخذ يتمدد تدريجيا، ومع ازدياد الضربات الحكومية وتعقد الامور على الساحة السياسية يزداد التنظيم حمقاً وغباءً وإفساداً، وبالعموم فإن اضراب الجبهة السنية في العراق بوجهيها (المسلح والسياسي) جاء نتيجة عوامل متضافرة لم تسمح لقيادة موحدة بالظهور وتولي زمام الأمر، والتحكم في مجرياته، وبأبسط العبارات والالفاظ فإن السُنّة في العراق كانوا يواجهون اكبر القوى العالمية والاقليمية والتي تحتفظ برصيد مخيف من المكر والكيد والتربص بالخصم، في الوقت الذي لم يجد السنة أدنى دعم مادي او معنوي من قبل عشرات الدول الاسلامية، ومن الصعب ادارة صراع ينعدم فيه التوازن والتكافؤ في القوة.
شرعت القاعدة في مشروعها الإجرامي مبكراً (2005) مستغلة الهجمة الحكومية على المحافظات السنية، فعمدت الى اتباع اساليب ثأر وانتقام لم تتبعها سائر جماعات المقاومة العراقية مثل قتل الزوار الشيعة على طريق بغداد-كربلاء، وتفجير المفخخات في الاسواق والاحياء الشعبية والحسينيات الشيعية وغير ذلك من الطُرق التي كانت عواقبها وخيمة على اهل السنة. وكانت هذه الأعمال -الذي تبين ضررها مؤخراً - بمثابة الهدايا لحكومة الجعفري المسيطرة على الإعلام فكانت تركز على عرض المأساة الشيعية مع إغفال تام لحقيقة برنامجها الاجثتاثي لاهل السنة في بغداد ومحيطها وما ينطوي على ذلك من عمليات قتل وتعذيب وتهجير منظم.
وكان رجال الحسينيات يتخذون من هذه الاعمال وقودا لشحن الشباب الشيعي المتجهز للرد والثأر، والذي سيظهر للرأي العام كنوع من رد الفعل المبرر على عمليات القاعدة.
ونتيجة لذلك أصبح رجال المقاومة وابناء المناطق السنية يتحملون عبء رد الهجمات الحكومية (الرسمية والمليشياوية) فضلا عن الاميركية والتي لم تنقطع يوما عن احياء بغداد وقرى ضواحيها (محيط بغداد).
وكانت تبعات سياسة القاعدة في استهداف عموم المجتمع الشيعي (والتي أعلن عنها في ايلول/سبتمر 2005) كبيرة وكثيرة على الشارع السني، ولعدم التكافؤ بين الاطراف المتصارعة كان السنة يخسرون يوما بعد يوم، ولم يكن بالامكان اتخاذ اي اجراء يستدرك الوضع المأساوي الذي تعيشه تلك المناطق المنكوبة.
لكن قد يقول قائل إن الحكومة والمليشيات المساندة لها كانت متجهزة لشن هذه العمليات على مناطق السُنّة والجواب يتلخص في نقاط عدة:
-ان الاحداث المتلاحقةكانت تثبت ان هذه الاعمال لم يجن السنة من وراءها خيراً وكانت تعجل في خسارتها لجولات كثيرة في الوقت الذي كان السُنة بأحوج ما يكون الى المصابرة والمطاولة والثبات في مقاومة الهجمة المزدوجة الايرانية-الاميركية.
-ان القاعدة كانت تعمل على نسق تخريبي مماثل في المناطق السنية ولم تكن –كما تدعي "المدافع الاول عن حقوق السُنّة " وهذا النسق يتلخص في اغتيالات، تفجيرات، خطف مقابل فدية، أعمال نابعة من فكر متحجر مخالف للشرع وجملة من الامور التي تزيد من التوتر والاحتقان والسخط الشعبي على هذه المجموعة.
-ان قوى المقاومة العراقية (والتي ينتمي اكثر من 80% منها الى التيار السلفي) لم تكن تحمل عقيدة استهداف الشيعة بالعموم، وإنما تكتفي برد الهجمات وتعقب القتلة والاقتصاص منهم وتأمين المناطق السنية فضلا عن الهدف الاستراتيجي وهو"تحرير العراق من الاحتلال الاميركي".
وبالعموم فإن هذا الاعلان الأهوج ينسف سياسية المقاومة العراقية في «تضييق دائرة الصراع مع العدو بدءاً بالأهم فالمهم فالذي يليه وتحييد ما يمكن تحييده من الأعداء».
مع ازدياد وطاة العمليات العسكرية المشتركة على مناطق السنة، أخذ تنظيم القاعدة في زيادة اعماله المدمرة (بشكل مباشر وغير مباشر) والذي جعله يشكل عبئا أساسيا ثالثاً يواجهه المجتمع السني.
ومما زاد في تعقيد الامور هو بدء الحرب الخفية على تنظيمات المقاومة الاخرى وخاصة "الجيش الاسلامي"، ليتم خلال فترة حكم الجعفري قتل العشرات من عناصر وقيادات المقاومة بشكل عام ومن مجموعة "الجيش الاسلامي" على وجه الخصوص.
لم تكن الجماعات المقاتلة تفصح عن خسائرها وعن حجم الهجمة التي كان تنظيم القاعدة يشنها عليهم، الامر الذي زاد من تعقد الامر على الصعيد الداخلى و بدأ يدفع به إلى مرحلة الانفجار.
كان تنظيم القاعدة بزعامة الزرقاوي يعتبر نفسه الاقوى والاجدر بالقيادة وهذا بموازاة الهجمة الخفية التي كان التنظيم يشنها على ابناء الفصائل، وكان يتخذ كافة الاساليب لجعل نفسه الزعيم الاوحد للقتال في العراق وفي هذا الصدد أكدت مصادر الجيش الإسلامي في العراق أن "قاعدة الجهاد" تبنت عمليات كثيرة نفذها «الجيش» ضد قوات أميركية وعراقية، ما ساهم في شهرتها على حساب الجماعات الأخرى. [صحيفة الحياة 21/9/2005]. كاريزما الزرقاوي لم يكن أحد يجرؤ على انتقاد تنظيم القاعدة بسبب وجود الزرقاوي الشخصية المشهورة التي أخذت صورة الممثل الرسمي لقتال الاميركيين وحلفائهم العراقيين، وعلى الرغم من ان الواقع مغاير تماما لما هو شائع في الاعلام، إلا أن هذه الهيمنة منعت الفصائل القتالية من التصريح بالاخطاء الكارثية التي كان التنظيم يرتكبها والمآسي التي يخلفها وراء عملياته وتصريحاته. ومع هذا فقد كتب أحد السلفيين السعوديين المؤيدين للمقاومة وللقضية السُنية العراقية منتقدا غلو الزرقاوي «لقد غدا الجهاد في العراق درع الأمة في رد الهجوم الصليبي المعاصر والأمة الآن بدأت تقطف ثماره لكن تشوب هذا الجهاد شوائب غلو في بعض جماعاته قد تحرفه عن مساره وتحرم الأمة من ثماره، ولذا فمن الأخطار التي تواجه الجهاد في العراق غلو الزرقاوي لأنه حركة هدم للجهاد من الداخل، إن غلو الزرقاوي ليس بالأمر الجديد بل هو قديم منذ سفره لأفغانستان حين انفرد عن القاعدة بمعسكره الخاص لأن أسامة لا يُكّفر حكام السعودية، أما غلوه في العراق فيتمثل في استهانته بحرمة دماء المسلمين بعد توسعه في التكفير لكل من عمل في الحكومة ولو متأولا وقتله للمسلمين بصورة غير مباشرة في عملياته التفجيرية وكذا بالاستهداف المباشر كما في قتله للشيعة في الأسواق والمساجد ثم قتله للسنة بتترسه بمدنهم أمام الأميركان، وقتله لمن صوت ضد الدستور ثم قتله للمسلمين الآمنين في الأردن ومنهم النساء والأطفال و17 فلسطينياً نجوا من مذابح شارون ليهلكوا في مذبح الزرقاوي.
ولم يسلم من غلوه حتى المجاهدين العراقيين فلقد قتل ستة من مجاهدي الجيش الإسلامي العراقي قبل أيام اثنان منهم في حديثة (إحدى مدن الانبار على نهر الفرات).
وهذا الغلو يتلخص في مسالتين مهمتين:
1-التساهل في دماء المسلمين بالنسبة للموافق كالمدنيين العزل والذين يقتلون بفعل هجمات طائشة لا تعرف معنى حرز الدم المسلم.
2-استباحة دم المخالفين حتى ولو كانوا مسلمين.
المقدسي شيخ الزرقاوي حذره من هذا الغلو والظواهري كذلك لكنه يصر على سلوك طريق الانتحار.
لقد استعدى الزرقاوي الجميع ضده داخل العراق وخارجه من صليبيين وشيعة وسنة ومجاهدين ودول مجاورة وهذا طريق الانتحار، ولقد أضر الإسلام بتشويه صورته، وأضر الجهاد أيما ضرر بقطع جميع صور الدعم المادي والمعنوي الرسمي والشعبي من دول الجوار لخشية الكل من عاقبة انتصار الجهاد عليهم رغم خشيتهم من عواقب استقرار الأمر للأميركان والشيعة... إنها دعوة للإنكار عليه ليرعوي عن طغيانه، ودعوة للقاعدة لعدم السكوت عن استهداف الأبرياء من المسلمين، ودعوة لمن يموله أو ينصره أن يتقي الله في دماء المسلمين فلقد بلغ السيل الزبى»[ مقال لابراهيم بن عبد الله التركي المشرف على موقع المختصر للاخبار 14/11/2005] الزرقاوي وايران السياسة الخرقاء التي كانت تتبعها القاعدة في العراق والتي كانت تؤدي بالمجتمع السني الى الهاوية لم تخل من يد إيرانية تتحكم بها وتوجهها، ذلكم ان الزرقاوي نفسه كانت له علاقاته السرية مع استخبارات الحرس الثوري وفيلق القدس، قبل دخوله العراق عام 2003، حيث أمضى الزرقاوي أكثر من عام في ايران بعد خروجه من افغانستان، ولعل حادثة اطلاق سراح القنصل الايراني في كربلاء فريدون جيهان والذي تم اعتقاله من قبل الجيش الاسلامي في آب/أغسطس 2004 وإطلاق سراحه من قبل الزرقاوي دون اية مكاسب (في نهاية أيلول/سبتمر 2004) شاهداً بسيطا على التعاون الايراني-القاعدي والذي ظهرت آثاره المأساوية مبكراً في الساحة السنية.
لا تهمنا لغة العداء "للروافض" التي كانت تكثر في رسائل الزرقاوي، فإن القاعدة -وكما عودتنا في العراق- تجيد استخدام الكذب والتضليل والخداع لمصلحتها وتجيز لنفسها ما تحرمه على غيرها، وبذلك شهدت فصائل المقاومة في بياناتها مؤخراً. بداية النذير والتحذير على خلفية العمليات العسكرية المتزايدة في الانبار بدأ صوت الانتقاد والرفض لمنهج القاعدة يعلو برغم سكوت فصائل المقاومة واحجامها عن التصريح بحقيقة أفعال هذا التنظيم وفي ذلك كتب ياسر عليوي لصحيفة الحياة «لم يكن احد في الانبار يشكك بالمقاومة، او يرى طريقاً بديلاً منها لتحرير العراق. والآن وبعد ان دمرت معظم مدن المحافظة وعانى أهلها ما عانوه، نتيجة لهذه المقاومة، بدأ التساؤل هل ما زالت المقاومة تحظى بالتأييد ذاته؟
محمد الفلاحي كاتب سياسي مؤيد للمقاومة وله مؤلفات عدة من أبرزها، «سلام أخطر من الحرب»، وهو من أهل الفلوجة التي شهدت واحد من أعنف فصول الصراع في العراق، يقول: «لقد وقعت المقاومة العراقية في الأنبار في أخطاء عدة، أضعفت شعبيتها الى حد خطير. وأخص بالذكر الاجنحة المتشددة منها والتي مارست على الناس ضغوطاً ارهقتهم ولم يستطيعوا إحتمالها، وباتت تطالبهم بمطالب خيالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، فضلاً عن الخطأ الفادح الذي وقعت فيه حتى أجنحة المقاومة الوطنية الصادقة عندما سمحت لكل من هب ودب بالانضمام الى صفوفها، فانسل الى تلك الصفوف أناس منتفعون أخذوا يرتكبون الخطأ تلو الآخر وتنعكس هذه الأخطاء على سمعة المقاومة ككل. كما إنسل الى صفوف المقاومة عدد من المندسين، بل أن مجموعات كاملة أدعت الانتماء الى المقاومة وهي في الحقيقة تابعة للاستخبارات الاميركية».
ويضيف: «لكن أفدح الأخطاء التي وقعت فيها عموم المقاومة العراقية وكذلك الاسلامية هو معارضتها انضمام أهل السنة الى العمل السياسي ورفضها إنخراط أبناء السنة في الشرطة والجيش مما جعل الحكومة التي نشأت تحت رعاية الاحتلال، أحادية الجانب، وشجع على التمايز الطائفي الذي تحول بفعل أعمال الحكومة الحالية إلى التصعيد الطائفي الذي يطاول اهل السنة اليوم».
ماذا كسبنا من المقاومة؟ سؤآل بدأ يتصاعد في الانبار. قحطان شعيب عضو نقابة المحامين في الفلوجة وهو ناشط سياسي مستقل يرى «أن المقاومة كانت تتمتع بشعبية كبيرة في أوساط الناس في محافظة الانبار وبخاصة في مدينة الفلوجة، والناس هنا نوعان؛ نوع مبدئي يبقى ثابتاً على معتقداته مهما أصابه من أذى ومهما تطلب منه هذا الموقف من تضحيات، وآخر يهجر مبادئه عند أول امتحان وهكذا غير الكثير من أهل الفلوجة موقفهم من المقاومة عندما تضررت مصالحهم وسبل حياتهم وأخضعوا لهذا الحصار القاسي، وأخذ بعضهم يتساءل «ما الذي كسبناه من المقاومة»؟ إذا كان المقصود بها طرد المحتلين فها هم قد أمتلكوا الفلوجة بعد أن كانوا لا يجرؤون على المرور عبرها، وإذا كان المقصود إعزاز اهلها فأي ذل أكبر من أن تفتش زوجتك كلما خرجت أو دخلت الى مدينتها ومن أن تصبح المدينة محرمة على سكان القرى المجاورة لها. أو أن تتعرض للشتم والاستفزاز من أشخاص اغراب كلما دخلت مدينتك، أو يمنعونك من الدخول إذا كان مزاجهم متعكراً».
ويضيف: «لا أعني بذلك أن المقاومة لم ترتكب أخطاء كبيرة. لقد دفعت هذه المقاومة بالكثيرين الى أعتزال العمل السياسي، وحاربت كل من يحاول أن ينضم الى العملية السياسية، مما جعلها معزولة عن الناس الذين أدركوا ضرورة المشاركة فيها لكي لا يصبح جميع أهل السنة فئة منبوذة ومحاربة من الطوائف والفئات الأخرى التي أنضوت جميعها في العملية السياسية. المقاومة لا تتكامل ما لم يكن لها جناح سياسي يعبر عن مطالبها ويمنع ضياع جهودها».
وينسب "عليوي" الى ابي البراء المقرب من بعض اجنحة المقاومة في مدينة الرمادي قوله: ان سبب قوة تنظيم القاعدة لا يعود لتأييد الناس له وإنما لحجم التمويل الكبير الذي يحظى به ويساعده على حرية الحركة وتوفير الأموال اللازمة لشراء السيارات وتفخيخها او دفع رواتب وأجور المنخرطين فيه»[ صحيفة الحياة اللندنية 1 ديسمبر 2005].
المقاومة أحست بزيادة النقمعة الشعبية عليها فعمدت الى التصريح بعدم استهدف مراكز الاقتراع في انتخابات (15/12/2005)، والتي نتج عنها حكومة المالكي في أيار/مايو 2006 بعد تزوير واسع واقصاء كبير لأصوات السُنّة.
في مطلع 2006 شكل الزرقاوي مجلس شورى المجاهدين دون الرجوع الى الفصائل الكبرى، وكانت هذه الخطوة بمثابة بداية الانقلاب على المقاومة والشارع السني.
في أواخر يناير/كانون ثاني 2006 أصدرت 6 جماعات عراقية مسلحة بيانا أدانت فيه العمليات المسلحة التي تستهدف الابرياء معلنة وقف التعاون مع تنظيم القاعدة.
وفي تطور لافت للنظر أصدرت أربع جماعات أساسية في المقاومة (الجيش الاسلامي وجيش المجاهدين وكتائب ثورة العشرين والجبهة الإسلامية "جامع") بيانا حرّمت فيه قتل العراقيين وتكفيرهم، وتبرأت من استهداف الشرطة وعلماء الدين، «ما لم يُثبت تآمرهم بالدليل القاطع» وجاء في البيان أن «دم المسلم محرم ما لم يُثبت بالأدلة القاطعة تآمره»، مشيراً إلى أن «مذهب أهل السنة والجماعة لا يقر تكفير أي مسلم بذنب ارتكبه».
وحرّم البيان «قتل العلماء بسبب اجتهاداتهم»، مقسماً المتعاملين مع «الاحتلال الاميركي» إلى ثلاثة أصناف لكل منها حكمه الشرعي. وتابع أن «هنالك من أهل بلدنا من بادر الى أداء مصالح الناس عبر العمل في مؤسسات الدولة كالشرطة ومديري الدوائر والمقاولين»، لافتاً الى أن بين هؤلاء من «فعل ذلك بنية خدمة المسلمين ودرء المفاسد وهؤلاء مأجورون».
ولفت الى أن الصنف الثاني هو من «جامل المحتلين للحصول على مكاسب لا تصل الى درجة التمكين لهم والتآمر على المجاهدين كدعوتهم الى الطعام أو مهادنتهم وهؤلاء آثمون يتم تحذيرهم. وفي حالات الضرورة، يعاقبون بدرجة لا تصل الى درجة إقامة الحد، كالسجن والتأديب».
وتابع أن هنالك صنفاً ثالثاً لم يتورع أصحابه «عن إعانة المحتل والتآمر على المجاهدين ومستقبل البلد وثوابت الدين، وهؤلاء ينطبق عليهم حُكمه تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ولا يحكم على أحد بهذا الحكم الا بعد إثبات جريمته بالطرق الشرعية». وتبرأت الفصائل الأربعة في نهاية الفتوى من دماء العلماء والشرطة في الفلوجة قائلة: «نتبرأ من دم كل مسلم أُريق من دون الاستناد الى فتوى شرعية مرتبطة بالواقع، ونخص بذلك قتل العلماء ورجال الشرطة الذين لم يقترفوا ذنباً»[ صحيفة الحياة 22/3/2006].
ولعل هذه البيانات التي كانت توزع على نطاق محلي ضيق تعكس شيئا من الحالة المأساوية التي كانت تعيشها المناطق السنية، كما تصورُ بعض محاولات الجماعات المسلحة في استيعاب ردود الفعل الغاضبة والناقمة على عموم الجماعات المسلحة وتنظيم القاعدة على وجه الخصوص.
بل إن هذه الحال المزرية دفعت بعض الفصائل التي تتخذ خطاب المتشددين الى توجيه دعوة لـ«كل من دخل مسلك الجهاد أنكم لا يكفي أن تبرؤا أنفسكم من أعمال القتل والتصفية التي تحصل للعلماء والمجاهدين من هذا الفصيل أو ذاك أو التبرؤ من سرقة أموال المؤسسة الفلانية أو تلك وإنما عليكم واجب شرعي في خدمة الناس ممن يستخدم اسمكم وجهادكم في أعمال اقل ما يقال فيها أنها إجرامية. وأننا نعلم أن سرية الفئران القارضة السرية الخاصة التابعة للبنتاغون مهمتها تنفيذ أعمال قذرة في العراق وإلصاقها في المجاهدين ولذا فان تكاتفكم الاستخباراتي وتعقب هؤلاء الدخلاء هو ما سيحميكم ويحمي جهادكم وإننا نقول أن أي تجاهل لهذا الأمر سيحل الكارثة بالجهاد والمجاهدين»
وهذه التورية في الكلام تشير الى أن عمل القاعدة أخذ يزعج حتى المتطرفين من بقية الفصائل والبيان المتقدم صادر عن تنظيم"جيش الفاتحين" بتاريخ 1/5/2006.
في 15/10/2006 اعلن التنظيم قيام "دولة العراق الاسلامية" في المناطق السنية، وقد كان الاعلان مرسخا لفكرة تقسيم العراق وتأسيس دولة الشيعة في الجنوب والوسط، فضلا عن إكراه سائر الناس على النزول عند حكم التنظيم الذي خبروا شيئا كثيرا من اجرامه وإفساده واجبارهم على مبايعة الامير المجهول، وكان رد المقاومة على هذه المهزلة [هذا المشروع لا نعترف به مشروع باطل ليس هناك دولة في ظل هذا الاحتلال الصليبي هناك مقاومة عندما تخرج المقاومة بعد كل ذلك يكون لك حادث حديث أما أن تنشأ دولة تحت الاحتلال الصليبي وليس لك غطاء وتجبر الناس على الدخول فيها هذا لم يقل به أحد من أهل العلم] [ ابراهيم الشمري، برنامج بلاد حدود، فضائية الجزيرة 11/4/2007]
-في 13/12/2006 أصدر الجيش الاسلامي في العراق (أكبر فصائل المقاومة) بيانا ذكر فيه ان اعتداءات تنظيم القاعدة على الجيش الاسلامي "اعتداءات منظمة مبرمجة وممنهجة وتتم بموافقة وتوجيه تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" وجاء في البيان أيضا "ومن الأمثلة الناصعة الواضحة على اعتدائهم ما حدث في الرمادي فلقد خيروا الإخوة بين ترك العمل وتسليم اسلحتهم للتنظيم والانضمام اليه أو تعريض أنفسهم للقتل". وتابع البيان و"كذا أشاعوا في بعض القواطع أن قاطع الجيش في الرمادي ترك الجماعة وبايع التنظيم وهم ينشرون البيانات باسم وشعار الجيش للدلالة على ذلك". الهجمة الايرانية على بغداد ومحيطها لا يخفى على احد ما جرى بعد تفجير سامراء في 22/2/2006 حيث احتلت المليشيات اجزاء واسعة من بغداد وهيمنت عليها بعد قتل وتهجير أهلها، كما جرت حملات حكومية –اميركية-مليشياوية منظمة استهدفت مناطق محيط بغداد السني، أدت الى زج الالاف من ابناء تلك المناطق في السجون فضلا عن قتل المئات وتهجير الكثير منها، وتستمر الهجمات ويكبر الخطر وتتعالى الصيحات المحذرة من "تشييع بغداد" وطرد أهلها منها خاصة بعد هدم وإغلاق وحرق العشرات من المساجد وإعدام الالاف وتهجير أضعافهم الى سوريا والاردن ومصر، الامر الذي دفع امير الجيش الاسلامي (اكبر فصائل المقاومة) الى توجيه رسالة الى المسلمين جاء فيه «إن المعركة المصيرية في العراق هي معركة بغداد... وعلى الأمة الإسلامية جميعاً أن لا تضيع بغداد كما ضيعت القدس وقبلها الأندلس وأن تقوم بواجبها الشرعي لنصرة أهل السنة في العراق » وذلك 29/12/2006.
وكما أسلفنا سابقا فإن تنظيم القاعدة لم يكن يتحمل تبعات تفجيراته واعماله التي كانت تضرب الشيعة، وصد الهجمة الشرسة على بغداد ومحيطها عام 2006 لم يتحملها تنظيم القاعدة، بل كان يساهم في تكريس الضعف السني في بغداد خاصة من خلال استهداف السنة في ما تبقى من أحياء في بغداد كالغزالية والعامرية والجامعة والاعظمية والفضل وغيرها وتحويلها الى مدن اشباح.
يقول امير الجيش الاسلامي في حوار مع مجلة العصر «إن تحمل الناس له حدود ينبغي معرفتها ومراعاتها في رسم الاستراتيجيات وتحديد السياسات، ووجود خطر المليشيات الذي يهدد الوجود السني برمته وخاصة في بغداد وحزامها كله عدا الشمال، وكل هذا مدعوم وبقوة من جميع الأجهزة الأمنية وبمباركة أميركية، وأخيرا، عدم مراعاة تنظيم القاعدة للسياسة الشرعية، جعل المطلب الأول للناس في المناطق التي يكثرون فيها هو وقف عدوانهم» [ يقصد عدوان القاعدة].
لا نشتط في زعمنا ان تنظيم القاعدة ساهم في انجاح مشروع تشييع بغداد، بل إن تعاونه مع الايرانيين في ضرب المقاومة واستهداف الكفاءات السنية وزعزعة المناطق والمحافظات المعادية لإيران دليل واضح على تورطه في المؤامرة على بغداد وأهلها.
بل يذكر أمير الجيش الاسلامي ان صباح المهاجر وهو شيعي سعودي اندس في صفوف القاعدة «وقام بتصفية العشرات من أهل السنة، ولكثرة من قتلهم اكتُشف أمره وتم التحقيق معه وقتله، وقصته مشهورة في العراق!»[حوار مع مجلة العصر الالكترونية منشور بتاريخ 25/2/2008].
الغرض مما سبق أن نبين ان تنظيم القاعدة ساهم في ترسيخ المأساة السنية في العراق وعلى كافة الصُعد ومع مرور الوقت ينجلي الغبار عن كثير من الحقائق كان الجميع يتعمد طي صفحاتها وكتمانها، ولعل مذكرات زعماء المقاومة التي ربما ستظهر في المستقبل ستكشف عن أسرار كبيرة وحقائق مثيرة.
اضطرت الجماعات الاسلامية المجاهدة منذ وقت مبكر الى الدخول في قتال وصراع مع القاعدة لأن الاخيرة لم تدع أي مجالا للتفاوض والحوار والتفاهم، والأمر لم يكن يحتمل مزيدا من السكوت خصوصا في ظل الظروف التي تمر بها عموم المناطق الساخنة، ولم يكن يتم الاعلان عن تلك الاشتباكات وعن مصيرها حتى منتصف العام 2007، حيث اعلن رسميا عن أول اشتباك بين الجيش الاسلامي وتنظيم القاعدة في منطقة العامرية غرب بغداد، وقبل هذا وجّه الجيش الإسلامي في العراق رسالة مطولة الى زعيم التنظيم "ابن لادن" دعاه الى «أن يستبرأ لدينه وعرضه وأن يتحمل مسؤوليته عن تنظيم القاعدة الشرعية والتنظيمية، وأن يستقصي الحقائق ويتثبت ليكون على بينة من أمره، فإنه ومن معه من إخوانه قادة القاعدة مسئولون يوم القيامة عن ما يحدث من قِبل أتباعهم، ولا يكفي البراءة من الأفعال بل لابد من تصحيح المسار».
وقبل هذا الاعلان كانت قد تشكلت في الانبار وفي غرب بغداد مجموعات عشائرية تحارب القاعدة منها قوات أبو عزام التميمي في أبو غريب وقوات عبدالستار أبو ريشة في الرمادي والتي ابتدأت عملها منذ حزيران 2006، وتوسعت هذه التجربة في عموم محافظات السنة ومناطق بغداد الامر الذي أعاد شيئا من الهدوء الى مناطق السنة، إلا أن هذا التحسن الامني لم يرق للحكومة فأصدر الائتلاف الشيعي الحاكم بياناً شديد اللهجة في نهاية أيلول 2007 ندد فيه بالاعتماد على قوات الصحوة في بسط الامن والذي اتهمها بالارهاب! وهذا الغضب يعكس خشية الحكومة الطائفية من وقوع أي سلاح بيد السنة، او تنعمهم بشيء من الامن الذي يساهم في تضميد جراحهم واستعادة شيء من عافيتهم.
زاد من التحسن النسبي للامن الهجمة الاميركية -الحكومية على مليشيات الصدر في ربيع العام 2008 في البصرة وبغداد محافظات الجنوب ومناطق بغداد.
بدأ أبو عمر البغدادي، خليفة الزرقاوي، بإطلاق أحكام الكفر والردة والعصيان على الجماعات المقاتلة فضلاً عن شرائح واسعة في المجتمع السني على نطاق واسع ومنذ وقت مبكر، واعلن التنظيم حربه على عموم أبناء العشائر وفصائل المقاومة وعناصر الصحوة والحزب الاسلامي وكل من خالفه، وذلك عبر الاستهداف المكثف لكافة الاطراف السنية في العراق.
وبعد اشتباكات العامرية ذاب الثلج وانكشف الغطاء عن حقيقة كثير من اعمال التنظيم التي اوصلت اهل السنة الى أسوأ الأحوال وكشفت العديد من فصائل المقاومة (جيش المجاهدين، عصائب العراق الجهادية، كتائب ثورة العشرين، جماعة أنصار السنة، جيش الفاتحين، الجبهة الاسلامية للمقاومة العراقية) عن بعض حقائق القاعدة التي أوضحت صورة اوضاع التي كانت محجوبة عن مرآى كثير من الناس- وخاصة خارج العراق.
ويلخص أمير الجيش الاسلامي الحصاد المر للقاعدة في البلاد العراقية السنية بقوله «وبعيدا عن تحرير الألفاظ واهتماما بالمعاني، فإن تنظيم القاعدة جر الويلات على الجهاد وعلى الناس، بسبب السياسات الخاطئة التي انتهجها، والتي أدت إلى خسارة كبيرة جدا في مكاسب الجهاد ومتطلبات الدعوة». المفخخات والتفجيرات..بين الادعاء الكاذب والصمت دأب تنظيم القاعدة على تبني التفجيرات المففخة التي كانت تستهداف المناطق الشيعية او مراكز الشرطة ودوائر الحكومة وخاصة التفجيرات الكبرى الثلاث التي ضربت وزارات الخارجية والمالية والعدل ومجلس محافظة بغداد عام 2009، في الوقت الذي تنفي المقاومة صلتها بهذه التفجيرات وتتهم الايرانيين والاميركيين بالمسؤولية عنها، لإثارة الطائفية وتشويه سمعة المقاومين.
وهذا الامر يشير الى غلو القاعدة في الكذب وتعمدهم تبني كل ما يضر المصلحة السُنية، بل يشير الى تورطهم في التنسيق مع أجهزة الامن في تحقيق مرادهم إن كانوا فعلا هم من قاموا بهذه التفجيرات الدموية.
وفي جانب آخر فإن التنظيم يلتزم الصمت ولا يتبرأ من تنفيذ كثير من العمليات الانتحارية في المناطق السنية والشيعية على حد سواء، لينتهي الأمر الى أن القاعدة تتخذ موقفا يدور بين الادعاء الكاذب والصمت ليتم تحميل اهل السنة تبعات أعمالهم، وجناية سوء حصاد أيديهم، وهذا زيادة على الضرر الكبير في الارواح والممتلكات الناجمة عن التفجيرات التي تستهدف السُنّة. من أخطر آثار التكفير في العراق تركت تجربة القاعدة في العراق جملة من الآثار المدمرة في المجتمع السني المنكوب، ومن ذلك فسح المزيد من المجال أمام الحكومة الطائفية الحاقدة للصق تهمة الارهاب بأبناء السنة، ولا ريب ان هذا الأثر جاء متوافقا مع رغبات الطائفيين ونياتهم المبيتة للسُنّة، وكل حملات الاعتقال والتعذيب والقتل تتم تحت واجهة محاربة الارهاب والقضاء على الزُمر التكفيرية والتي أعلنت عن مشروعها الاهوج عام 2005، وخرجت عن منهج عمل المقاومة ولم تضع أي اعتبارا للحال الصعب الذي يعيشه العراق آنذاك، فضلا عن عدم تقدير طبيعة المجتمع السني العراقي واختلاف مشارب وأهواء أهله وهذا مصير كل مشروع يضع مصلحة الناس والضعفاء آخر الاولويات بل ربما شطبها من قائمة اهتمامته.
ان تجنيد الاطفال والنساء كانتحاريين واستخدام أسماء قائد الفتوح الاسلامية واعلام الامة في حرب القاعدة أسهم في تشويه صورة الدين والجهاد المشروع وأهله، ولقد فتح تنظيم القاعدة باعتداءاته وتجاوزه على الشرع باباً كبيراً من فتنة المسلمين في دينهم وتقبيح صورة الدين لا سيما في العراق حيث تحرص قوى الحكم الطائفي ومرجعياتها الدينية على الطعن برموز الأمة وعلمائها والنيل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا لا يُلام الطائفي الحاقد الذي لم يضمر عدائه وعدوانه بالسلاح واللسان، وإنما اللوم كله يقع على الجاهل المدعي العلم والمفسد الذي المدعي الاصلاح والمتورط في الدماء الذي يدعي الحرص على صون الدماء والأعراض والأموال. القاعدة والحركة السلفية العراقية للدعوة الاصلاحية السلفية وجودها القوي في العراق وأعلامها ورجالاتها لهم الاثر الكبير في النهضة الاسلامية في العراق منذ سبعينيات القرن الماضي، و المقاومة الشرسة التي واجهت الاحتلالين (الايراني والاميركي) هي شيء من انتاج الحركة السلفية العراق.
وقد دأب خصوم هذه الدعوة على توجيه جملة من الانتقادات والاتهامات العارية من الصحة والمبنية على الجهل المركب والتجني والبعد عن الحق الواضح ومن ذلك الربط بينها وبين الارهاب وحركات التطرف والاعمال الدموية، التي تضرب مصالح الناس وتجمعاتهم وقد اعلن السلفيون في العراق من خلال اكبر تنظيم مسلح (والذي يرتبط بجهات دعوية اسلامية واكاديمية وعسكرية لها نفوذها الواسع في الساحة السنية) البراءة من مسمى السلفية الجهادية فضلا البراءة من دماء الابرياء حيث يقول أمير الجيش الاسلامي في العراق في حوار مع صحيفة الحياة اللندنية نشر بتاريخ 22/2/2008 «أما مصطلح السلفية الجهادية فنرى أنه مصطلح حادث وغير صحيح. فإن كانت هنالك سلفية جهادية، فمعنى ذلك أن هناك سلفية مصلية وسلفية علمية وأخرى زكوية الخ.. فلا يجوز تبعيض الدين، والجهاد جزء من الدين وهو واجب على المسلمين بحسب ما هو مفصل في كتب العلماء، والجهاد اشمل من القتال، فهو يشمل الجهاد بالسنان واللسان والقلب والأركان، ويجب الحذر الشديد من رمي المسلمين بالباطل، ويحرم حرمة مغلظة اتهام العلماء والدعاة الذين يدافعون وينافحون عن الدين، وحصر الخيرية في جهة باسم السلفية الجهادية أو غير ذلك من الأسماء. ثم إن مصطلح السلفية بمفهومه الصحيح الشامل وهو اتباع منهج سلف الأمة الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، والذي يشمل الدين كله، لا يحتاج إلى وصف الجهادية. وهل السلفية لا يجاهدون حتى يضاف اليهم هذا الوصف؟»
وجاء في بيان للجيش الاسلامي «إن الجماعة وبفضل الله ومنّه حافظت على مسيرتها المعتدلة وتقدمها المتزن نحو أهدافها المشروعة التي قامت لأجلها، فلم تنزلق إلى الانحرافات العقدية من تكفير الناس ومعاداتهم والبراءة منهم لمجرد اختلاف في الرأي والرؤية... لا الى الاخطاء العملية بقتل الابرياء والاستهانة بدماء الناس وإهدار أموالهم وكرامتهم أو الاعتداء على انسانيتهم بل الحفاظ على ذلك من اول اولوياتنا ومن اهم اسباب قيامنا بهذا الواجب العظيم».
والحديث عن براءة التيار السلفي العراقي من فكر التكفير وأعماله طويل وله شواهده ودلائله الكثيرة قبل الاحتلال وبعده. القاعدة والمشروع الايراني لا يختلف أهل السنة في العراق على كافة توجهاتهم واختلافاتهم (المقاومة والصحوة والاحزاب العلمانية والاسلامية والعشائر) على تورط القاعدة بتنفيذ مشروع ايراني يهدف الى اضعاف الجسد السني ومنع كل سبل استعادة عافيته وقوته، وكما أسلفنا فإن العلاقة بين القاعدة وايران قديمة وآثارها مدمرة ويوما بعد يوم تتكشف المزيد من الشواهد والدلائل على ان القاعدة تتحرك على الارض وفي الإعلام بتوجيه ايراني بحت، وقد صرحت المقاومة بهذا الامر في مناسبات عديدة، وفي ذلك دليل على أن أذرع الشر كلها تتجمع بيد الايرانيين ومن هنا أصبح المحتل الايراني الاخطر والاشد فتكا بالشعب وبمقدراته ومصالحه. تجربة العراق كفيلة بإسقاط مشروع التكفير بعيدا عن المناقشات العلمية للشباب المتأثر او االمتشرب بفكر التكفير والمغرر بالخطاب الاعلامي للقاعدة فإن مجموع صنيع القاعدة في العراق من قتل وظلم ومآس متراكمة أصاب أهل السنة في الصميم وأفسد عليهم معايشهم وأضعف كيانهم المثقل بحملات الحكومة والمحتلين، وهذا الحصاد المر كفيل بالحكم بفساد منهج القاعدة، والاكثر من هذا ان هذا المنهج التدميري لا يعترف بالطرف المقابل بل يتعالى على الحق ويصر على الخطأ، ويكفر من يخالفه وينشر الشر في كل مكان مدعياً انه يريد تحقيق النصر واعزاز الحق ورد الظلم وهو يلج الظلم والباطل من أوسع أبوابه ويجري عليه قول الحق عز وجل {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}.
إن خطر تنظيم القاعدة في العراق يشتد يوما بعد يوم ذلكم ان هذا التيار تجمعت فيه سائر اسباب الشر والافساد فهو منهج تدميري بالاصل، يضاف إليه استغلال الايرانيين له وتوجيههم لعملياته، فضلا عن خطابه الارعن الذي يهيج الطائفيين ولا يجر أي مصلحة للسُنة في العراق، بل هو يخالف مقاصد الشرع وصريح الواقع الصعب الذي يعيشه العراق.
فكل خطوة تُقدم عليها القاعدة لابد ان يرجع ضررها كله على أهل السنة دون ان يطال القوى الطائفية شيئا من هذا الضرر والسوء، بل قد تلجأ القاعدة أحيانا الى تصفية خصومها من السنة مستعينة بالاميركيين والحكومة، وفي مقابل هذا توفر الاجهزة الامنية- في بعض الاحيان- الغطاء الامني للقاعدة وتفسح لهم المجال لضرب مناطق السنة واسواقهم وتعكير اجواء الاستقرار، لذا فإن الكثير من الاهداف الحكومية هي اهداف للقاعدة أيضا مثل قوات الصحوة، عناصر المقاومة،النُخب والكفاءات، المناطق السنية وغيرها.
وكلما زادت الحملات الحكومية على مناطق السنة (اعتقالات واغتيالات)، رافق هذا التصعيد نشاط متزايد للقاعدة من استهداف اجهزة الامن والصحوة وعمليات التصفية الجسدية، وهذا بات واضحا لا يحتاج الى دليل أو شاهد واقعي لانه أصبح منهجا متبعاً، ملازما للتصعيد الحكومي. كاظم حامد إبراهيم الربيعي