جنازة جسدي

قصة: محمد عباس علي
اهتزت المرئيات أمام عيني

عاشر يا ابن آدم مهما تعاشر. هكذا قلت لنفسى بعد أن قفلت راجعا من آخر مراسم دفن جثتي. لم يكن حزنا ما بي، فالأحزان ما عادت تؤثر كالسابق علي، لكنها العشرة والمعرفة الطويلة، وأحداثا مرت وأحداثا عاصرناها معا في الخيال، وتمنينا أن لو تحققت. أشياء كثيرة سرت أفكر فيها، وأنا أعاود التساؤل المرة تلو الأخرى، عن كيفية الحياة الجديدة التي سأحياها بلا جسد، وكيف تكون؟ على الأرض أم في السماء؟ وأن كنت الآن أسير وأتحرك، وأمضي قاصدا منزلي الكائن هناك على أطراف الصحراء، حيث اخترت أن أقيم بعيدا عن ضوضاء المدينة، وقلبها الذي أصبح معتما.
الروح على ما أعرف لا تسير، بل تطير أو نحو ذلك. وهي خفيفة. أخبرتنا الأخبار عنها أنها لطيفة. دخلت الجسد غصبا وتغادره غصبا. لكننى لم يحدث لي أي من هؤلاء! فأي الأرواح أنا، شقي أم سعيد؟
ارتطمت قدماي بحجر .. تألمت .. زاد عجبي. هل الأرواح تتألم للمسة حجر؟ أكملت سيرى قاصدا أن أعود إلى البيت، فأقصص روايتي على زوجتي، وأسمع منها المفيد، فهي رغم أنها تعليم متوسط وأنا تعليم فوق العالي بقليل أستمع لرأيها، وأنفذه فورا، ليس لخوفي منها، ولا هو تحيز لها، ولا قلة شخصية مني فأنا شخصيتي قوية جدا بشهادتها - شهادة زوجتي - ولكنه تعود تعودته منذ سنين .. إذا ألمَّ شيء بي عدت إليها فأعطتني المفيد، وهكذا .. أكملت السير.
رأيت أعرابيا قادما على البعد. قلت لن يراني وهذا شيء طيب. هؤلاء الناس لم يعد لديهم ما كان لهم طوال دهور طوال. خاصة أيام الرسالة الأولى. جاورني الرجل. قال: السلام عليك
قلت متعجبا: أنت تراني؟
قال بهدوء واثق: نعم
قلت: كيف؟ أنا عائد لتوي من جنازة جسدي فكيف تراني؟
تبسم الرجل العجوز عن فم أثرم ابتسامة هي إلى البكاء أقرب وقال: يا بني أنت لم تدفن جسدك بل روحك.
اهتزت المرئيات أمام عيني. ورأيت وجهه يصير وجوها عديدة تحدق بي .. تحاصرني .. تحصرني في زاوية تحت نظراتها، لا أملك معها إلا أن أصلب مقلتي على براح وجهه، منتظرا المزيد.
قال: ما آراه الأن أمامي جسد بلا روح.
تذكرت الحجر .. وسيري على قدميّ وتساؤلي .. و.. قلت لنفسي لن أصدق ما قال إلا حينما أعود إلى البيت وأستوثق من زوجتي. محمد عباس علي