رحلة موسيقار(3): التربع على العرش

القاهرة
والتقى الحبيبان مجددا

اكتمل نضج بليغ حمدي وتوهجت موسيقاه بخصوصياتها في مرحلة الستينيات لتملأ السماء العربية في السبعينيات، وتتغنى بها كل الأصوات القديمة والجديدة الصاعدة وقتئذ.

ولكن ثمة ملاحظة مهمة لا ينبغي إغفالها وهي أن نجمه صعد بلحن أغنية "حب إيه" التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم أوائل العام 1960 وتأكد بتلحينه أحد عشر لحنا اختتمت بأغنيتيها "الحب كله" 1971 و"حكم علينا الهوى" 1973.

وهكذا بدأ أهم عقدين تجلت فيهما موسيقاه باقترانه بصوت أم كلثوم، ولهذا دلالته، حيث يؤكد أن تجربة الموسيقار كانت تزدهر وتتفتح وتثمر الجديد والمتطور، وإلا لم تكن أم كلثوم لتكمل معه مشوارها الغنائي، هكذا يقول تاريخ أم كلثوم المتمردة على الثبات والطامحة للجديد الأصيل دائما.

وبدأ بليغ فترة السبعينيات بنقلة نوعية أيضا في تاريخه الموسيقى وتاريخ أم كلثوم الغنائي، بدأ بلحن "الحب كله" الذي تميز بموسيقى نغمة الراست كثيرة التلوينات المفعمة بالدفء والحرارة، فضلا عن طابعه الراقص المطعم بالارتجالات العربية المختلفة، واستخدامه الغيتار والبزق والأرغن والأكورديون بشكل ملهم.

لكن أم كلثوم لم تكن لتستحوذ على بليغ الفنان المعجون بالموسيقى، الفنان الخصب الولود، وهكذا لم يغفل دوره مع الأصوات الأخرى، فوضع لمحمد رشدي مجموعة من الأغنيات التي شكلت ملامح هذا المطرب فيما بعد وأكدت نهج بليغ في استلهام ألحانه من صميم التراث المصري منها "الوصاية" و"دوري دوري يا دنيا" و"ازرع ضل" و"وصى مين"، ولعفاف راضي "حكيت عن حبيبي" و"حاسب وأنت ماشي"، و"أبدا"، فضلا عن شادية ونجاة وفايزة أحمد وغيرهم.

وأبدع بليغ في وطنياته زمن نكسة 1967 حيث جعل المصريين يغنون وهم منكسرون بعد الهزيمة ومن ألحانه في تلك الفترة "عدى النهار" و"يا أم الصابرين" و"أحلف بسماها وبترابها" و"المسيح"، كما جعلهم يغنون معه بنشوة انتصار حرب أكتوبر 1973 من خلال أغنيات مثل "باسم الله" و"على الربابة باغني" و"عبرنا الهزيمة" و"قومي يا مصر" وغيرها.

وحمل عام 1972 تحولا مهما في حياة بليغ الإنسان والفنان أيضا، ففي هذا العام احتفلت الجزائر بالعيد العاشر للثورة الجزائرية، وقرر الرئيس الجزائري هواري بو مدين أن تحيي وردة التي كانت توقفت عن الغناء منذ زواجها 1965 الحفل،

وفي نفس الوقت استدعى بليغ للتلحين، ليلتقي الحبيبان ويتجدد حبهما الذي ولد في القاهرة عام 1964، حيث غنت له "أحبك فوق ما تتصور" و"يا نخلتين في العلاللي".

وغنت وردة من ألحان بليغ "من بعيد أدعوك يا أملي" التي كتبها الشاعر الجزائري الراحل صالح خرفي، وفيها كما تقول رتيبة الحفني "طعّم لحنه بمقطع مقتبس من "ما نيش من" إحدى أشهر الأغنيات الفلكلورية الجزائرية في محاولة فنية لربط الأغنية ذات الجوهر النضالي الجزائري بالتراث الغنائي الأصيل النابع أيضاً من الفلكلور الجزائري، فأعطى بذلك بعداً فنياً جديدا للأغنية".

وتألقت وردة في الحفل ونالت استحسان الجماهير الجزائرية أصرت بعده على الاستمرار في الغناء فكان طلاقها من زوجها وأبي ولديها، وعلى حد قول وردة إن بليغ قال لها إن مكانها في القاهرة، وبالفعل تعود للقاهرة بعد انفصالها لتتزوج من بليغ بعد قصة حب ملأت الدنيا 1973 وتشكل معه ثنائي فني أثمر مجموعة من الأغنيات الرائعة مثل " العيون السود" و"وحشتوني" و"بلاش تفارق" و"اسمعوني" و"دندنة" و"لو سألوك".

وفي عام 1974 قدم بليغ ووردة رائعة "تمر حنة" هذه المسرحية الغنائية التي تجلت فيها موسيقى بليغ وصوت وردة، فقد استعان بليغ في ألحانه لأول مرة بالتراتيل والإنشادات المسيحية والإسلامية القديمة، وخرج صوت وردة على تقليديته كاشفا عن ملكة الأداء المتنوع، فأغاني المسرحية حملت الكثير من المواقف منها "الدار المهجور" و"حكايا الغريب" و"الغريب" و"يا عيني ع الغريب" و"حلمت" و"سامحيني" وغيرها.

ومن كلمات "تمر حنة":
باسم الحب نغني نغني كلنا
لأجل الحب نغني ونفتح قلبنا
رمينا الهموم يابا يابا رمينا الهموم
والحب بيفضل لينا والجرح ما بيدوم.

ورغم النجاح الكبير الذي حققه أوبريت "تمر حنة" الذي أكد قبض بليغ على الدراما المسرحية والموسيقية وقدرته على رصد المسافة الواسعة بين قالب الأغنية وقالب الأوبريت وبين الصوت المسرحي والصوت المطرب، إلا أن الأوبريت التالي له "حبيبتي يا مصر" حقق إضافة لذلك شيئا أهم هو هذا التجلي الواضح لثرائه الموسيقي.

وفي "حبيبتي يا مصر" بدأ بليغ العمل بتيمة لحنية ظلت مسيطرة على العمل حتى نهايته، على الرغم من تعدد الأصوات والأشكال الغنائية بين الموال والأغنية والدويتو والإسكتش والأغنية الجماعية والرقصة بين أصوات مثل محمد عبد المطلب وماهر العطار وشريفة فاضل وسيد الملاح ونوال بغداد وسهير فهمي وفردوس عبد الحميد وعصام عبد العزيز ومعهم ممثلون يغنون مثل فاروق نجيب.

واستمر زواج وردة من بليغ ست سنوات حيث تم طلاقهما في يناير 1979 لكن حبهما وعملهما الفني ظل متصلا ولم يتوقف حتى رحيل بليغ، حيث قدما أغاني تعد رائعة منها "اشترونى" و"حكايتي مع الزمان" و"معجزة" وأغاني مسلسل "أوراق الورد" الشهيرة وهي "أنا عندي بغبغان" و"آه لو قابلتك من زمان" و"سلامتك" و"كل سنة وأنت" وغيرها.

ويرى البعض أن بليغ لعب دورا قويا في تتويج صوت وردة على عرش الأغنية العربية طوال سنين السبعينيات وأوائل الثمانينات، لكن في ذلك مبالغة فقد كانت وردة برأيي أقرب لرؤية أم كلثوم في تعاملها مع اللحن، حيث كان هناك بليغ ومحمد عبد الوهاب ومحمد الموجي ورياض السنباطي وكمال الطويل وغيرهم ولم تترك لأحد أن يستأثر بصوتها حتى لو كان حبيب القلب بليغ حمدي.

وعلى الجانب الآخر لم يضف صوت وردة كثيرا في تجليات موسيقى بليغ فلم تكن وحدها التي تستأثر بموسيقاه، وإن استأثرت بقلبه، حيث كان حوله أصوات لا تقل فتوة وجمالا وجماهيرية عن وردة مثل عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وشادية ومحمد رشدي وعفاف راضي، فضلا عن عشقه الأكبر "المسرحية الموسيقية".

وتبني بليغ عفاف راضي منذ كانت طالبة في الكونسيرفاتوار وتحمس لصوتها، حتى يمكن القول أنه استحوذ عليه منذ عام 1969 وحتى عام 1973 عندما ظهرت وردة مرة أخرى في حياته.

وقدم بليغ عفاف راضي في أوبريت "ياسين ولدي" مع تحية كاريوكا عام 1970، ولحن لها أشهر أغانيها على الإطلاق "ردوا السلام" و"والنبي دا حرام" و"هوا ياهوا" و" تساهيل" و"طير يا حمام الدوح" وغيرها، وهي الأغاني التي تجلت فيها الجمل الموسيقية الفلكلورية التي كان بليغ يستلهمها من الأغاني الشعبية المصرية.

وفي تلك الفترة خرجت مسألة منافسة الرحابنة والمقارنة بين محاولات بليغ تجاوزها، ودار كلام كثير أكد أن بليغ لا يملك "فيروز"، في إشارة إلى عفاف التي كان يحاول بليغ وضعها على قدم وساق مع فيروز.

ووصل الأمر إلى حد هجوم البعض علي أغانيه لعفاف وشادية ومحمد رشدي، فرأى الشاعر مجدي نجيب أن الرحابنة يعتمدون في ألحانهم على الكلمة ذات القيمة الإنسانية التي تجعل في مضمونها الصورة الشعرية الراقية والحدوتة القصيرة الهادفة والكلمة المنتقاة بتعب وحب "فاعتمد بليغ على الكلمة الخايبة والحدوتة التقليدية المفتعلة، وانفصلت ألحانه تحمل انفصالا تاما بين التعبير والكلمة واستعمل في ألحانه بلا استثناء إيقاعات العوالم والتعديد الحزين دون وضعهما في المكان الصحيح".

وفي نفس التوقيت قال الناقد رجاء النقاش نفس كلام مجدي نجيب ولكن بأسلوب أكثر لطفا حيث أشار إلى أن أحد أسباب نجاح فيروز والرحابنة "أنهم يحرصون على اختيار كلمات الأغاني حرصا كبير"، في حين بليغ مستعد لتلحين "أي كلام"!

وعلى الطرف الآخر كان هناك من يرى أن أعمال بليغ لعبد الحليم ونجاة وشادية ووردة وحتى عفاف راضي تجاوزت الرحابنة وفيروز، وأن أي من هذه الأصوات لا يقل قوة عن صوت فيروز، وإذا كان ألحان الرحابنة الناجحة أصلها الألحان الشعبية اللبنانية الشعبية مصاغة بشكل جديد في النص واللحن، فـ"بليغ هضم دراسة ومعايشة في موسيقاه مختلف الأساليب الشعبية العربية وليست المصرية وحدها، ومسرحه الغنائي أحد الدلائل القوية على ذلك".

وكان بليغ يرى في صوت عفاف راضي قضية وتحديا لإمكانياته لذلك حتى مع وجود وردة لم يتوقف تعاونه مع عفاف فلحن لها أغاني ومواقف فيلمها الأول "مولد يا دنيا"، وهكذا مع شادية التي لحن لها 19 أغنية وأوبريت قدمتها في فيلمها الرائع "أضواء المدينة".

واستغرق المسرح الغنائي الكثير من وقت بليغ في السبعينيات، باعتباره حلمه الأساسي، لكن الدولة التي كانت قد بدأت بيروقراطيتها وروتينها تحصر الإبداع والمبدعين كانت تجهز على مشروعاته مشروعا إثر آخر، فما أن يعكف على عمل وينهيه يفاجأ مثلا بعدم وجود مسرح، أو عدم توفر الإمكانيات وغير ذلك من المعوقات، مثلا مشروعه "موال على النيل" المكون من ثلاث روايات منفصلة هي "الثلاث ورقات" و"زينب والمنديل" و"شمس الليالي" وقد رشح لبطولة الأولى وردة وللثانية عفاف راضي، هذا المشروع لم ير النور رغم عمله عليه لأكثر من عام.

وقبل أن نمضي بعيدا عن السبعينيات هذا العقد الذي تربع فيه بليغ على عرش التلحين العربي، لابد أن نتوقف عند العلاقة الفاترة بين بليغ وعبد الحليم التي ترتب عليها تعاونا أقل عن نظيره في الستينيات، رغم صداقتهما الوطيدة.

وكان تعاونهما الأول منتصف الخمسينيات بلحن "تخونوه" ثم "خسارة"، ليفترقا ويجتمعا أوائل الستينيات لتطلق موسيقى بليغ المستقاة من الفلكلور الشعبي صوت حليم عاليا ومنها "على حسب وداد" و"أنا كل ما أغول التوبة" و"سواح" و"موعود" و"زي الهوى" و"أعز الناس" و"الهوى هوايا".

وتأتي السبعينيات فيقدما أكثر من أغنية وطنية وعاطفية، لكن في عام 1975 تحدث القطيعة التي لم تمنع تواصل الود، فقد اعتاد حليم على أن يقدم له أغنية أو اثنتين جديدتين في حفل الربيع وعام 1975 اتفق حليم على تقديم لحنين "نبتدي منين" الحكاية لعبد الوهاب و"هو اللي اختار" لبليغ، ورغم أن صحة حليم وقتئذ كانت في مرحلة حرجة إلا أنه قرر أن يقدم الأغنيتين، وبدأ بالفعل في البروفات وفجأة اختفى بليغ، ولكنه عاد في آخر لحظة إلا أن ظروف حليم الصحية كانت منعته من أن يغنى أغنيتين فاكتفى بأغنية عبد الوهاب، فحدثت القطيعة.