مساحة للألم في اتجاه معاكس

بقلم: رائد أنيس الجشي
أنا قلق الراحلين

منذ بوابة الكتابة الأولى وحتى بوابته الأخيرة تظل مساحات الحمادي مشغولة بشكل بارز بالمرأة بما هي جسد إنسان مهمش حاضر الغياب في مواقع كثيرة والجسد بما هو واقع مسكوت عنه، والإنسانية بما هي حاجة اجتماعية للرقي والتمرد كبذرة ثورة، أو ردة فعل عنيفة على العرف الروتيني، حتى في جهله يشتغل على الحب ويذوب في الأمل، كما تذوب أناه في الأنا الجمعية فيتحدث بلسانها بصورة فرد من أفرادها، جزء من المشكلة لا وصي على حلها، أنا لا تتعالى ولا تتذمر فقط بل تمارس الانكسار من أجل إعادة البناء والتحطم من أجل التحريض على مخالفة السائد العرفي: أنا قلق الراحلين
ما بين أرض تضم الوفاءَ
وأنشودة في أذان الظهيرة
تندب
جوف السماء
والبناء من أجل تحصين هذا التمرد على المفروض على كونه حتمية قدر عرفي بستار تكتيم: وما كنت غضا
إذا زلزل الوهم بعض القناعات
بل كنت أبني حصون التمرد
بين دوار القداسة
والقدر المستبد
بأروقة العنفوانِ
وكأنه يبحث عن حالة خلق جديد للمفاهيم الجمعية المحيطة به عن وطن آخر، عن امرأة أخرى يتمازجان ليتشاكلا في المفهوم والمعنى: وأدري بأن العمر كالكهف غامض
نبوءات لغز فك شفراته صعب
خذي قسمات الوجد ضمي معالمي
فتاريخي المصلوب أرهقه الصلب
خذي سعفات الصمت تجتر محنتي
ولمي شتات القلب.. قد بعثر القلب
تتباين كثافة الصور حسب قوالب الشعر التي يصبها، ولكنها تتغلف بالحزن وتنبعث من رحم الأمل فهو في "بوابة الغياب" يساقط دموعا شاعرية ويهدي نصه إلى كل طفل توحد يخاطبه هو وحسب، دون أن ينتقد المجتمع الغائب عنه بشكل ظاهري، ولكنه يلفته إليه يخاطبه هو بأن يرسم في ضمير الأوطان، وكأن الالتفات إلى المرضى المحتاجين هو الحقيقة العرفية السائدة المغيبة.
ويريد من هذا الطفل أن يتمرد هو، فيفرض نقدا عاطفيا قاسيا بلغة شاعرية على المجتمع وإن كان مبطنا: بات المسير إليك جرحا آخر
وطنا يذوب على فم البركانِ
قل لي أكنت الصوت حين يضمني
أم كان صوتك في فضاء ثاني
حرر لسانك من جحيم أسود
وارسم بكل ضمائر الأوطانِ
وينحاز أيضا للمهمشين والمعزولين عن عرف المجتمع رغم حاجتهم إلى الرعاية الجمعية والنفسية في قصيدته "الألم في اتجاه معاكس" والتي أهداها لكل امرأة اجتاحها سرطان الثدي وتعامل معها بذات الأسلوب، ألغى المجتمع وجعله هو المهمش، وأعطاها هي مركزية النص وهو يتمرد حتى في طرحه لموضوعه بتجاهله لمسببي المشكلة كنقد مبطن آخر: هاهو التاريخ في صدرك
أطروحة وهم
وكسارات غصون
ويد تحمل عنوان حبيب
ويد أخرى تغني
في مساء خانق
يرسم أحلام البقاء
إلا أن الحمادي شعرا لا يتمرد على المقدس بما هو ديني بل يبتهله شحنة تعينه على التمرد بما هو عرفي وطبقي وإلغائي وسائد وهو يتمثل حركية سيرة الدعوة في أي مجال رسالي بتعدد دلالاته. يقول في البسملة الأخيرة: كم كنت تنقش في قراراتي
اشتعال البسملات
حروف طهر
من فيوض الله
تختصر المسافة للعروج
تحرر الدعوات من أحلامها
تنساب بين شقاوة الأقدار مبتسما
ترتل آية التطهير
تقتنص الوجود
كأنك الوطن المهاجر
حين أتعبه الشتات
ونلحظ هنا اشتعال التمرد في بسملات حروف الطهر.
ويختم شاعرنا ببشرى التمرد في بوابته الأخيرة، مشيرا بشفافية الماس وأصالته المتوهجة بعد الصقل: العمر مطرقة كلون ملامحي
قطع من الألماس
تسكن في جوانبها
محطات الرحيل
في الختام ديوان الحمادي الجديد "الألم في اتجاه معاكس" يستحق القراءة والتأمل ويعتبر إصدارا مميزا يضاف لسجل الإصدارات المميزة التي تبنى طباعتها نادي الشرقية الأدبي بالمملكة العربية السعودية. رائد أنيس الجشي