حازم عبدالله خضر رائد الدراسات الأندلسية في العراق

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
ولا عتب على الأقدار

لا أستطيع وصف مدى فرحته عندما أعطيته صورة لوثيقة رسمية، هي عبارة عن تقرير أمني كتب عنه سنة 1956 عندما كان طالباً في كلية الآداب - جامعة بغداد جاء فيه أنه منتم إلى جمعية الإخوة الإسلامية، وقد ذهب مع عدد من زملائه الطلبة إلى تلعفر وسنجار لنشر أفكار هذه الجمعية. وكنت قد حصلت على هذه الوثيقة من ملفات لمحافظة نينوى منذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي عندما كنت أنجز رسالتي للماجستير عن ولاية الموصل.
زاملت الأستاذ الدكتور حازم عبدالله خضر عندما عملت في مقررية قسم التاريخ بكلية الآداب منذ سنة 1975 وارتبطت به بعلاقة وثيقة فوجدته إنسانا رائعا، متواضعا، صادقاً، لا يتكلم كثيراً ولا يعجبه التدخل في شؤون غيره، يخدم الآخر، ويصغي إليه بكل اهتمام.
ولد الدكتور حازم عبدالله خضر في الموصل سنة 1932 وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم سافر إلى بغداد ليدخل قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة بغداد وحصل على البكالوريوس سنة 1956 وعاد إلى الموصل ليعين مدرسا في عدد من مدارسها المتوسطة والثانوية كان آخرها الإعدادية الغربية، لكنه لم يبق طويلاً إذ التحق بالدراسات العليا في مصر وسافر إلى القاهرة بعد نيله إجازة دراسية وحصل على الماجستير من جامعة عين شمس سنة 1967 عن رسالته "ابن شهيد الأندلسي: حياته وشعره" بإشراف الأستاذ الدكتور عبدالقادر القط.
وبعد ذلك عاد خضر إلى وطنه، وعين في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الموصل عام 1972 ليكمل شهادة الدكتوراه، ويحصل عيها من كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1978 وذلك عن أطروحته الموسومة "النثر الأندلسي في عصر الطوائف والمرابطين"، وكان مشرفه الأستاذ الدكتور صلاح خالص، وعمل في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الموصل ورقى إلى رتبة الأستاذية.
انغمس الدكتور حازم عبدالله خضر في العمل السياسي فانتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتعرض للملاحقة في العهد الملكي وبعد ثورة 14 تموز 1959 وانفجار حركة الشواف في الموصل في 8 آذار 1959، اعتقل لفترة ثم أطلق سراحه. وكان من زملائه في التنظيم الأستاذ المربي غانم سعد الله حمودات الذي قال عنه، كما نقل ذلك الدكتور عبدالله الظاهر في مقال نشرته جريدة الشورى (الموصلية) يوم 31 يوليو/تموز 2003: "لقد كان دينه عزيزا عليه منذ أن عرفناه، ومنذ اتصل بالإخوان، ولم يمنعه شظف العيش من أن يستمر على علاقته الطيبة بالجماعة، ولقد كان متميزا بين الإخوان بأخلاقه وغيرته على الدين، وحصل على مرتبة عالية في الجماعة أهله لها إخلاصه وغيرته وعمله وعلمه، وان كان الابتلاء بقدر إيمان الفرد، فقد ابتلي وصبر وواصل مخلصاً لدعوة الإخوان حتى وفاه الله...".
أما الشيخ الدكتور إدريس الحاج داؤد، فقال عنه: "لقد استمرت صحبتي له أكثر من نصف قرن، بدأت، ونحن على مقاعد الدراسة الابتدائية ولقد عصمنا الله تعالى في سننا المبكرة من عبث الصبيان، ومرت الأيام وجاءت فترة الشباب وكان فضل الله علينا كبيرا فقد انتسبنا معاً إلى جمعية الإخوة الإسلامية (إحدى واجهات جماعة الإخوان المسلمين).
وكان لفضيلة الشيخ محمد محمود الصواف الفضل بعد الله في توجيه الشباب في تلك الأيام في جمعهم على كلمة التوحيد والعمل لرفع راية الإسلام، وكانت حلقات الدروس الأسبوعية تجمعنا، وكان المبيت في مركز الجمعية لقيام الليل وتزكية النفوس تسعدنا وتطهر أرواحنا".
وأضاف: "لقد شارك في جميع نشاطات الجمعية من ندوات ولقاءات الأسر والمخيمات والسفرات وسواها ولم يتوان أبدا. لقد كانت صحبته وبقية الإخوان من أسعد أيام حياتنا وأبركها، ودامت الصحبة بعد تقدم العمر، فكانت جلسات مسجد الشيخ أحمد الخزازي سنين طويلة تعقد بين المغرب والعشاء تجدد إيماننا بما يفيضه علينا أبو أيمن من علم جم وكلمات ربانية وصدق لهجة".
وتحدث الأستاذ الدكتور عماد الدين عبد يحيى، وهو أحد طلابه، للدكتور الظاهر عن الأستاذ الدكتور حازم عبدالله خضر فقال إنه كان شخصية إسلامية صاغتها المنطلقات القرآنية وتمثلت فيها سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وصقلتها مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا، فتميزت بأهم صفتين هما نقاء الروح، والصلابة في قول الحق، وبقدر ما كان الراحل ودوداً خافضاً لإخوانه وتلاميذه، وكان واسع الصدر، مستوعبا حالات الضعف البشري التي تظهر فيهم، بيد أنه ليغضب غضبا شديداً إذا سمع بانتهاك حرمة من حرمات الله، ويلمح ذلك في وجهه.
كان قليل الكلام، كثير التفكير، ذاكراً مداوما على قراءة القرآن، مداوما على صيام الإثنين والخميس. لم تجد الدنيا سبيلاً إلى قلبه، كان زاهداً، كثير التفقد لأحوال إخوانه وزملائه وطلابه. يحسن الإصغاء إلى محدثه. وأشهد أن الحديث معه تجلله مهابة ملحوظة. كان حريصاً على اللغة العربية، حريصا على المجاهدة، وعلى الرغم من العروض التي قدمت له للعمل في خارج العراق، إلا أنه أبى أن يغادر مكانه العلمي في كلية الآداب حتى وافاه الأجل بإحدى مستشفيات بغداد بعد إصابته بمرض سرطان المخ، وقد أجريت له عمليه جراحية لكنه توفى بعد نجاح العملية بأسبوع.
رثاه الأستاذ الدكتور ذو النون الاطرقجي بقصيدة مطلعها: قدر، ولا عتب على الأقدار ** يذر الدامع لهفة استفسار
والعمر يجري كالدموع لغاية ** معلومة؛ من جنة أو نار
ياوخذ (حازم) قد عبرت مسارعاً ** جمع الأحبة مثل طيف سار
فكأننا لم نبك، ولم نضحك معاً ** لم نصطدم بشراسة التيار
يا سيد الصبر الجميل تحية ** من مثقل بذنوبه متواري
ليس من السهولة حصر نشاطات الأستاذ الدكتور حازم عبدالله خضر، سواء على صعيد تأليف الكتب أو كتابة البحوث والدراسات والمقالات أو الإشراف على رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، فمن كتبه المنشورة:
1. أبو عامر بن شهيد الأندلسي: حياته وأدبه (دار الجاحظ، بغداد، 1984).
2. النثر الأندلسي في عصر الطوائف والمرابطين، (دار الرشيد للنشر، بغداد، 1980).
3. وصف الحيوان في الشعر الأندلسي، عصر الطوائف والمرابطين، (دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1987).
ومن دراساته المنشورة:
1. ابن بسام وكتابه الذخيرة، مجلة آداب الرافدين، العدد (5)، يونيو/حزيران، 1974.
2. ابن مروان بن حيان أديبا ًوكاتباً، مجلة المناهل، السنة (1)، العدد، (29)، مارس/آذار، 1984.
3. التعليم في الأندلس حتى نهاية القرن الرابع، مجلة آداب الرافدين، العدد (10)، 1979.
4. الرحلات العلمية من الأندلس إلى المشرق، مجلة الجامعة، السنة (10)، العدد (11)، سبتمبر/أيلول، 1979، ولسنة (10)، العدد(2)، نوفمبر/تشرين الثاني 1979.
5. العقد الفريد بين المشرق والأندلس، مجلة آداب الرافدين، العدد (7)، أكتوبر/تشرين الأول 1976.
6. معالم الحضارة الإسلامية في خطب الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مجلة آداب الرافدين، العدد (13)، أبريل/نيسان،1981.
7. الملامح الأساسية في شعر أبي تمام، مجلة آداب الرافدين، العدد (3)، ديسمبر/كانون الأول، 1971.
8. من أعلام الثقافة في الأندلس: القاضي الأديب منذر بن سعيد البلوطي، مجلة آداب الرافدين، العدد (4)، أغسطس/آب، 1972.
كما أشرف على عدد من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، فعلى سبيل المثال أشرف على رسالة الماجستير التي قدمها عبدالله فتحي الظاهر، إلى مجلس كلية الآداب، جامعة الموصل يوم 27 فبراير/شباط 1992 وكان عنوانها "البطولة في شعر صدر الإسلام". ورسالة الماجستير التي قدمها أحمد محمود زيدان إلى الكلية ذاتها يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1989 وكان عنوانها "الجوار في الشعر العربي قبل الإسلام".
كما أشرف على أطروحة الدكتوراه لخلف حسن علي والتي قدمها إلى الكلية ذاتها وكانت بعنوان "النثر الجهادي في عصر صدر الإسلام: أنماطه وخصائصه".
لقد أسهم الأستاذ الدكتور حازم عبدالله خضر، من خلال دراساته ومقالاته والرسائل التي أشرف عليها في خلق الوعي بأهمية الأدب الأندلسي وتوضيح الكثير من مفاصله التاريخية والإبداعية.
وكان إلى جانب الأستاذ الدكتور حكمت الأوسي، والدكتورة بتول سعيد العلاف وغيرهم من الأساتذة المتخصصين بالأدب الأندلسي، ركنا مهما من أركان الدعامة الأندلسية في المدرسة التاريخية والأدبية العراقية والعربية.
كتب الأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب في موسوعته "موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين" عن الأستاذ الدكتور حازم عبدالله خضر فقال: "عين في كلية الآداب، جامعة الموصل سنة 1972 لتدريس مادة الأدب الأندلسي، وبقى في التدريس الجامعي عدة سنوات، إلا أن نشاطه السياسي أبعده عن الجامعة مع من أبعد من الناشطين السياسيين أمثال الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، والأستاذ الدكتور طه محسن".
ونقل إلى مديرية التربية في الموصل بين سنتي 1977 و1986 وأعيد إلى الجامعة جامعة الموصل، وإلى كليته كلية الآداب. وكان له طريقته الخاصة في التدريس. وكان محبوبا من طلبته لأنه يؤثر فيهم تأثيراً كبيراً من الناحية الدينية العاطفية، فضلاً عن استقامته وحسن خلقه. أ‌. د. إبراهيم خليل العلاف
أستاذ التاريخ الحديث ـ جامعة الموصل