لماذا أضحى 'وادي فرغانة' بعيداَ؟

بقلم: صباح علي الشاهر

قبل خمس سنوات شدّت قرغيزستان إنتباه العالم، الذي إستقبل ما أسماه ثورة "السوسن" أو "الزنبق" بكل ترحاب، وكما كان يحدث عادة مع كل الثورات التي عمت ما كان يُعرف بدول الإتحاد السوفيتي، أو المنظومة الإشتراكية، كالثورة البرتقالية أو المخملية وما إليه من أسماء تفنن الإعلام الغربي في إبتكارها، ولم يستشفها من طبيعة وجوهر التحرك الشعبي، وإنما من لون العلم الذي يرفعه المتظاهرون أحياناً، أو لون الشال الذي يلفونه على رقابهم، أو ربما نكاية بالثورة البلشفية الحمراء، راح الإعلام الغربي، والإعلام المشايع له، يصوّر هذه الثورة وكأنها الخلاص النهائي من أسر الإستبداد، والنظام الشمولي، ويقدّم القائمين بها أو المحرضين عليها، بصورة الإنموذج والمثال للديمقراطيين الجدد، الذين سيشيدون الديمقراطية في بلدان الإستبداد الشرقي، دون أن يغفلوا صبَّ جام غضبهم على الرئيس المنتخب عسكر عكاييف الذي حكم البلاد منذ إستقلالها عن الإتحاد السوفيتي عام 1991، بزعم أنه إمتداد للإستبداد السابق.
كانت أميركا منغمسة في وسط آسيا، وفي القوقاز، بالإضافة إلى إنشغالها بالعالم العربي، وتحديداً بدول النفط. ولقد خلقت لها ذريعة بدت مقنعة للشعب الأميركي تحديداً، إثر جريمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ألا وهي ذريعة محاربة الإرهاب، وإزهاق أنفاسه في عقر داره، وعقر داره ليس سوى دول العالم الإسلامي.
كانت أميركا تستهدف من تحركها في أواسط آسيا تطويق روسيا المتعبة، ومنع تفاعلها مع محيطها الطبيعي، وقطع صلاتها مع الصين الواعدة، وكانت دول أواسط آسيا جائعة وفقيرة، لذا فقد كانت وسيلة أميركا الغنية إغراء هذه الدول ورشوتها بالمال، وأستغلال حاجتها للدعم لتثبيت أوضاعها، وليس لحمايتها لأن روسيا يومها لم تكن تشكل تهديداً لأحد، لذا أفلحت أميركا في نشر العديد من القواعد في أراضي هذه الجمهوريات الجديدة، سواءاً لأغراض الإمداد، أو للأغراض اللوجستية أو حتى العملاتية. وكان من ضمن هذه القواعد القاعدة الأميركية في قرغيزستان، أو كما سُميت فيما بعد قرغيزيا.
صحيح أنه كانت توجد قاعدة روسية في قرغيزيا أيضاً، ولكن الجيش الروسي كان يتواجد في كل أراضي قرغيزيا سابقاً، ويملك منشآت عسكرية كبيرة لا تستطيع قرغيزيا دفع أثمانها لإستملاكها والإستئثار بها، كما أن روسيا تحتاج وقتاً لتفكيكها ونقلها إن كانت فعلاً راغبة في هذا، ثم أن قرغيزيا دولة من ضمن منظومة الدول المستقلة التي أُنشئت بعد زوال الإتحاد السوفيتي، والمتكونة من تلك الدول التي كانت تشكل ما يُسمى بالإتحاد السوفيتي سابقاً، ومن الطبيعي أن يكون لهذه المنظومة بُعداً أمنياً وعسكرياً، ولذا يبدو امر وجود قاعدة روسية في الجمهورية الجديدة المستقلة أمراً مفهوماً، ولكن غير المفهوم أن تكون لأميركا وهي تبعد آلاف الأميال عن قرغيزيا مثل هذه القاعدة، وإن كان بحجة حاجة أميركا لها في مكافحة الإرهابين المسلمين الناشطين في إفغانستان، فقرغيزيا لا شأن لها بمكافحة هذا الإرهاب الموصوف أميركيا، والمُحدد أميركيا، وأن كان العالم كله معني بمكافحة الإرهاب الحقيقي لا الإرهاب وفق التصور الإميركاني.
باكاييف الذي وصل قبل خمس أعوام إلى السلطة عن طريق إنتفاضة الزنبق وتأييد ودعم أميركا والغرب باعتباره بطل الديمقراطية الجديدة، لم يكن ليختلف عن المستبدين الشرقيين الآخرين، فالرجل إحتكر كامل السلطة، وبث أقاربه وأعوانه في كل مفاصلها، وعين إبنه الأكبر في منصب رئيس جهاز الأمن الوطني في الجمهورية، أما إبنه الأصغر فتولى إدارة "وكالة التنمية والإستثمار في قرغيزيا" أي إنه أمسك بيد القوة والأمن، وباليد الأخرى الإقتصاد ولقمة عيش الناس.
لم يدم عمر جمهورية الثورة الزنبقية سوى خمس سنوات، لتأتي ثورة "المخموريين" كما صورتها بعض وسائل الإعلام لتقضي عليها، وليبدأ عهد جديد، من ملامحه توطيد الإرتباط بموسكو، وإضعاف العلاقة مع أميركا وصولاً إلى إغلاق القاعدة الأميركية، غير المرحب بها من قبل الشعب.
هل هي هزيمة أخرى لأميركا في أواسط آسيا، بعد هزيمتها في جورجيا، والقوقاز، ودول بحر قزوين، وأوكرانيا؟
الأيام القليلة القادمة ستجيب على هذا السؤال.
ربما لا نجد الشيء الكثير في بطون الكتب التاريخية العربية عن قرغيزيا، لكننا سنجد كما هائلاً ووافراً من المعلومات عن "وادي فرغانة" هذا الوادي الذي يغور في الوجدان عميقاً، مشكلاً عالماً ساحراً من الحكايات التي تختلط بها الوقائع والأسطورة.
أزعم أن الكثيرين قرأوا "عروس فرغانة"، والكثيرون أيضاً يعرفون العباقرة الذين أنجبهم هذا الوادي، الذي يشكل الأوزبك والطاجيك والقرغيز أضلاع مثلثه. لقد قدم وادي فرغانة ما يقارب الـ 90% من علماء آسيا الوسطى، الذين تفتخر بهم الحضارة العربية الإسلامية، والذين يتعذر إحصاءهم بهذه العجالة، فمن ذا الذي لا يعرف الخوارزمي، أو الترمذي، أو نوائي، أو البخاري؟
تأريخ قرغيزيا لا يبدأ بسيطرة الصين القصيرة، ولا باحتلال القياصرة عام 1868. تأريخ قرغيزيا يمتد في أحشاء الماضي التليد، يزهو بمآثر الأتراك والمغول المسلمين، و"الشيبانيين العرب" خانات بخارى العظام.
لماذا إبتعد عالمنا العربي عن فضائه الأرحب، ولماذا إستقال عن دوره؟
لماذا أضحى وادي فرغانة بعيداً، ومقصياً قسراً، عن وادي الرافدين ووادي النيل؟ صباح علي الشاهر