د. قسيس: الغربة الطويلة دفعتني للتمسك بالتراث

كتب
حنين المغترب

بعد أن عاشت ثلاثة وثلاثين عاما في الغربة تعود الدكتورة نهى قسيس نفل أكثر تمسكا بجذورها، وهي تقدم للقراء كتابها الجديد المعنون "فرحة الأغاني الشعبية الفلسطينية" الذي أقامت له دار ورد للنشر ونادي بير زيت حفل إشهار وتوقيع مؤخرا.
وفي تقديمه للكتاب ومؤلفته في حفل التوقيع قال الشاعر أديب ناصر "الذين اغتصبوا ويغتصبون. وما قبلوا ولا يقبلون أن تكون المغتصبة على ثلثي الأرض. وهم ينفذون المخطط الاغتصابي الأكبر والأوسع ليشمل ما وعدهم ربهم .. إله الجند.. إله حملة تابوت العهد، الذي هو القتل العمد كما فعلوا بأريحا منذ القدم مرورا بدير ياسين إلى مجزرة الفوسفور الأبيض على أرض غزة.
هؤلاء .. وهم أحقاد راهنوا بحسب النبي السياسي بن غوريون على موت الكبار وعلى نسيان يبعثر الصغار برياح المسافات البعيدة والغريبة.
سأقول هنا عن حقائق وعن تجربة وعن أمل، أن تلك النبوءة الدموية الخبيثة لم تتحقق، بل هي تؤرقهم الآن أكثر من أي وقت مضى، فنحن لسنا عشرين مستحيل، في اللد والرملة والجليل فقط، بل مليون مستحيل في كل يوم وفوق كل شبر على أرضنا وحيث نكون، بل إن البعيدين أكثر تمسكا ًبما هو لنا، وبما هو نحن، لماذا؟ لأننا أصحاب ذاكرة قوية ويجب أن نحافظ على قوتها، فالذاكرة التي هي من أهم مكونات الهوية تحت تهديد مستمر يأتي من القرب كما يأتي من البعد، والذاكرة كائن حي بحاجة دائمة إلى الحراسة والحماية والتنشيط، ويجب أن ننتبه بأنها أمانة من المهد إلى اللحد، من الأجداد إلى الأحفاد، من السجود إلى الصمود إلى الصعود جيلا بعد جيل، علينا أن نواصل، كما بالدم وهو الأغلى، بالأغاني بالدبكات بالمواويل بالمهاهات والزغاريد، بالسنبلة مطرزة على الأكمام، وبالحنون منثورا على الشالات والمناديل".
وأضاف الشاعر أديب ناصر أنه من هنا تأتي أهمية كتاب الدكتورة نهى قسيس نفل "فرحة الأغاني الشعبية الفلسطينية" هو الحب والوفاء والانتماء والذاكرة النافرة.
وفي كلمة لها بالمناسبة قالت المحتفى بها وبكتابها الدكتورة نهى قسيس نفل: "كان لفترة إقامتي في الولايات المتحدة لما يقرب من ثلاثة وثلاثين عاما أثر مباشر في الحصول على نصوص هذا الكتاب وإخراجها إلى القراء. فمن ناحية أولى فإن حنين المغترب لبلده وتراثه وماضيه يزداد ويضطرم مثلما تضطرم المشاعر في فؤاد العاشق المعذب، ويظل المغترب يتشوق للعودة إلى مسقط رأسه وإلى ملاعب الطفولة مهما تحسنت به الأحوال وتراكمت بين يديه الأموال، ويظل لسان حاله مرددا ومتمنيا أن يعود إلى أرض الوطن.
ودفعني هذا الشوق إلى استغلال زياراتي السنوية لفلسطين للبحث في التراث الغنائي وجمعه، فرحت استغل كل المناسبات التي ادعى إليها في مدينة بير زيت والقرى المجاورة لأسجل وأكتب كل ما أسمعه، واقتنيت لهذا الغرض جهاز تسجيل صغير ورحت أسجل الأشرطة لأقوم بتفريغها فيما بعد، وامتد بي المجال لأسافر بعيدا إلى منطقة الخليل وأسجل من بعض القرى والرواة فيها، وهكذا صارت حصيلتي من التسجيلات تزداد كل عام، إلا أننا ارتأينا وبفضل بعض النصائح أن نعمل على تعزيز واستكمال بعض النصوص المنشورة من مراجع مختلفة لنعطي صورة أشمل عن ألوان الغناء".
وأضافت الدكتورة قسيس أنه بين الانشغال في أمور الحياة الأخرى وبين الدراسة امتدت بي السنون والأيام قبل أن تخرج هذه النصوص إلى النور، وقد أعدت اكتشافها ـ إن جاز التعبير ـ مرة أخرى بعد أن بدأت بالتخصصات في العلوم الفلسفية والاجتماعية والنفسية، وقد يتساءل البعض عن العلاقة بين العلوم الحديثة وعلم النفس وبين التراث الغنائي، فما هي العلاقة بين هذه العلوم وبين التراث الشعبي والغنائي منه تحديدا، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية التراث الغنائي في تحقيق التوازن النفسي، وهذا ما يفسر تعلق المغتربين وازدياد اهتمامهم بتراث بلدانهم وشعوبهم، فهو وسيلة إيجابية جدا لربط المغترب بماضيه وبمسقط رأسه وبأمته وتاريخها.
الحفل الذي أقيم برعاية مدير عام المجلس الوطني الفلسطيني عبدالرؤوف العلمي احتفي بكتاب تناول الأغاني الشعبية الفلسطينية التي تقال في مختلف مناسبات الفرح، وامتدت على مساحة ستة فصول جاءت في 272 صفحة من القطع الكبير، فيما صدر للكاتبة عدد من الكتب في الشعر والمسرح والدراسات.