بشأن الحديث عن انتفاضة فلسطينية ثالثة!

بقلم: ماجد كيالي

يطيب لبعض القادة الفلسطينيين الدعوة، بين فترة وأخرى، إلى انتفاضة ثالثة، أو "التهديد" بها، بل إن بعض قادة "حماس" يدعون إلى أكثر من ذلك، أي إلى نوع من انتفاضة ثالثة، ضد الاحتلال، وضد السلطة الفلسطينية (في رام الله)، في آن!
الملاحظ أن ليس ثمة استجابة، لهكذا أمر. وبالتالي، فإما إن هذه الدعوات لم تصل إلى أصحابها، أي إلى الجماهير المدعوّة، وهذا غير معقول، أو أنها وصلت لكن الجماهير المعنية لاتستجيب لها، وهذا هو عين الحقيقة (على عكس المفترض)، ما يثير التساؤل عن الأسباب التي تقف وراء هذه "الممانعة".
وفي تفسير ذلك يمكن إحالة الأمر إلى ضعف صدقية الدعوة، وهذا بدوره غير ممكن، فالانتفاضة على الاحتلال، أو ومقاومته، هي أمر بديهي، فكيف إذا كان هذا الاحتلال من الطراز الإسرائيلي، الذي يتأسّس على مصادرة حقوق الفلسطينيين، والاستيطان في أرضهم، وإجلائهم عن ممتلكاتهم، وتأبيد السيطرة عليهم؛ هذا فضلا عن عمليات تهويد الزمان والمكان الفلسطينيين.
يبقى أن ثمة عاملين يحددان هذا الأمر، أولهما، أن الشرط الذاتي للانتفاضة غير متوفر في هذه اللحظة، ذلك أن الجماهير الفلسطينية كانت زَجّت (طوال العقد الماضي)، في ما عرف بـ"انتفاضة" الأقصى، بكل إمكانياتها وطاقاتها، ما عرّضها لاستنزاف كبير، في إمكانياتها البشرية والمادية.
والمشكلة أن الحركتين القائدتين (فتح وحماس) لم تفعلا شيئا، آنذاك، في سبيل ترشيد استهلاك طاقة الشعب الفلسطيني، ولم تعملا على تنظيم كفاحه، في خضم تنافسهما على القيادة والسيطرة، وتركتا الأوضاع تخرج عن السيطرة، وتسير نحو الفوضى والفلتان. وبنتيجة كل ذلك فقد دفع الشعب الفلسطيني من دمه ومعاناته وتضحياته وعمره، الكثير، من دون أن يترجم ذلك إلى انجازات سياسية ملموسة.
الأنكى من ذلك، أن وضع الفلسطينيين اليوم (بعد المواجهات المسلحة)، أسوأ بكثير مما كان قبلها. فالفلسطينيون، الذين كانوا قبل العام 2000 يتحركون حتى في مناطق 48 (إسرائيل)، باتوا منذ سنوات محصورين في معازل، في الضفة الغربية، وبات مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة في سجن كبير. فوق ذلك فقد باتت الضفة الغربية مقطعة الأوصال، بالجدار الفاصل والحواجز العسكرية الإسرائيلية والنقاط الاستيطانية العشوائية. وهاهي الفصائل نفسها (أي فتح وحماس) أو السلطة في الضفة وغزة، تطالب أو تنشد مجرد عودة الأوضاع إلى ماقبل أيلول (2000)، إي إلى وضع ماقبل انتفاضة الأقصى، من دون التساؤل، أو من دون محاسبة النفس، عن الجدوى، أو عن الثمن الذي تكبدته الجماهير (المدعوة لانتفاضة ثالثة)، طوال السنوات العشر الماضية (أكثر من سبعة آلاف شهيد وعشرات آلاف الجرحى والمعوقين والأسرى وخسائر تقدر بمليارات الدولارات)!
بمحصلة كل ذلك فقد بات الفلسطينيون، الذين أجهدوا في الفترة الماضية (عشرة أعوام)، وجرى تبديد طاقتهم بدون حساب، وبدون دراية وتبصر، غير قادرين، من الناحية الذاتية، على ولوج انتفاضة جديدة، بالطريقة المتعارف عليها، فثمة تعب واستنزاف كبيرين، وأيضا ثمة إحباط من الواقع السياسي المحيط بهم راهنا.
العامل الثاني، وإضافة إلى ما تقدم، فإن مشكلة الفلسطينيين، إزاء أي انتفاضة جديدة، أن وضعهم ليس سيئا في مواجهة إسرائيل فحسب، وإنما هو أسوأ، ربما بصورة اكبر، بما يتعلق بأوضاعهم وأوضاع حركته الوطنية، أيضا.
هكذا، فخلال المرحلة الماضية تراجع وزن الفصائل في المجتمع الفلسطيني، وبات الفلسطينيون في غربة عن القوى المهيمنة، التي تعمل بوسائل المحسوبية والزبائنية، أكثر مما تعمل بوسائل الإقناع والنموذج والصدقية الأخلاقية والنضالية؛ ودليل ذلك أن سلطة حماس الشمولية في قطاع غزة ليست أحسن من سلطة فتح في الضفة.
أيضا، فإن الفلسطينيين يدركون بأن الممارسات السلطوية للقوى المهيمنة، وتخلّف إدارتها، إن في مجال إدارة كفاحها ضد إسرائيل، أو في مجال إدارتها للوضع الفلسطيني، أدّيا إلى تحويل مأثرة الانتخابات (والديمقراطية) الفلسطينية إلى وبال على حركتهم الوطنية، وعلى نظامهم السياسي الناشئ، كما أدّيا إلى انقسام الكيان الفلسطيني، بين سلطتين ومرجعيتين وقيادتين (فتح في الضفة وحماس في غزة)، بعد طلاق تم حسمه بوسائل الاقتتال المسلح.
ولاشك أن هذه الأوضاع بدورها أسهمت، بشكل كبير، بإشاعة مشاعر الإحباط عند الفلسطينيين، لاسيما وهو يشهدون كيف تراجعت صدقيه قضيتهم، في المجالين العربي والدولي، بعد أن تحولت حركتهم الوطنية، من حركة تحرر وطني، إلى مجرد سلطة تتصارع فيما بينها، بدل مصارعة المحتل الإسرائيلي، وتلهث وراء المساعدات والمنح الخارجية، محولة القضية الوطنية إلى مجرد قضية مساعدات ورفع حصار.
على ذلك يمكن القول بأن أسباب تمنع الفلسطينيين عن الانتفاضة ينبع من عوامل ذاتية وموضوعية، ضمنها ضعف صدقية القوى القائدة والمهيمنة على المجال السياسي/السلطوي، وشعورهم بعدم جدوى الانتفاضة في الظروف الراهنة.
لكن بغض النظر عن موقف الجماهير المدعوة، من هذه الدعوة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ماذا عن الجهات الداعية؟ بمعنى أخر فهل بات النضال الشعبي ضد الاحتلال والاضطهاد بحاجة إلى برامج أو بيانات اوامرية؟ وماذا أعدت الجهات الداعية من أجل الانتفاضة، وما هو برنامجها، وما غايتها؟ ثم ماهي الدروس التي استنبطتها تلك القيادات من تجربتي الانتفاضتين الأولى والثانية؟
بمعنى أخر فإن الجماهير المطالبة بالانتفاض، وتقديم المزيد من التضحيات، تستحق نوعا من كشف الحساب، عما فعلته أو لم تفعله، الفصائل الفلسطينية المهيمنة، للنهوض بأوضاعها، ونفض التكلس عن بنيانها، وتقديم مصلحة الوطن على مصلحتها الفصائلية، وتعزيز ارتباطها بمعاناة الناس، وفهم ظروفهم وإدراك مصالحهم. أما القيادات التي لاتلق بالا لمعاناة الناس، وظروفهم الحياتية، ومجرد فقط إنها تطالبهم بالانتفاضة والمقاومة وبذل المزيد من المعاناة والتضحيات، لنوع من مزايدات، أو لإثبات مكانتها السلطوية، بغض النظر عن الجدوى السياسية لذلك، فهي لاتستحق من الجماهير إلا اللامبالاة، وهذا ما تفعله على ما يبدو.
وبديهي فإن هذه الجماهير تواصل نضالها ضد الاحتلال، بوسائلها الخاصة، وبالإمكانيات المتاحة لديها، ومن مظاهر ذلك مايجري في قريتي بعلين ونعلين، وفي الخليل والقدس. ما يعني أن الجماهير الفلسطينية، التي تعاني من الاحتلال والاضطهاد، والتي كانت ابتدعت نموذج الانتفاضة الشعبية (أو انتفاضة الحجارة) قادرة أيضا على ابتداع أشكال جديدة لانتفاضتها القادمة، بعيدا عن الفصائل وهيمنتها ولجهتها الأوامرية. ماجد كيالي