العراق: القضية شديدة الوضوح أيها السادة

بقلم: صباح علي الشاهر

كلهم ومن دونما إستثناء أولئك الذين تجاوز عددهم الستة آلاف، والذين أبتلي الشعب العراقي برؤية سحناتهم وهي تطل عليه صباح مساء، في الشارع ومن على الشاشات الصغيرة، هذه الشاشات التي أصبحت تفرض على الناس كلاماً هي أعرف من غيرها بأنه لا مصداقية له، لا يستهدف إلا خداع الناس وسرقة أصواتهم. كلهم وبمختلف سحناتهم وأزيائهم، المعمم منهم، وغير المعمم، الملتحي وغير الملتحي، أعداء اشداء للطائفية. هكذا تريد الداعايات التي تحاصرنا من كل جانب أن تقنعنا. والسؤال الذي يطرح نفسه بكل بساطة، إذا كان هؤلاء الذين إستلموا البلد بعد التاسع من نيسان، والذين حكموه أو شاركوا بحكمه، نهبوه أو شاركوا في نهبه، والذين دعموا المحتل وآزروه وقبلوا طواعية لا في التخادم معه، وإنما في العمل تحت إمرته، إذا كان هؤلاء ليسوا طائفيين، وليسوا مسؤولين عن الطائفية، فمن هو الطائفي إذن، ومن هو المسؤول عن إثارة هذه القبيحة الكريهة الشائنة وإستثمارها؟
من أجل أن نبرئ هؤلاء الساسة، ساسة ما بعد التاسع من نيسان 2003، علينا أن نضع وزر الطائفية على ظهر ما، فظهر من يا ترى سيحمل وزر الطائفية؟ من هذا الذي تسبب بكل هذا الدمار والخراب والموت؟
قطعاً لا يمكن القول بأن الذين لا حول لهم ولا قوّة، والذين بعدوا أو إستبعدوا عما يُسمى بالعملية السياسية هم السبب، لأن واحدة من أسباب إبتعاد هؤلاء عن هذه العملية هي كونها بُنيت على الطائفية والتقاسم الطائفي، وكان هذا السبب هو السبب الأهم، وياتي بالمرتبة الثانية بعد السبب الأرأس والأهم إطلاقاً، ألا وهو أن هذه العملية تجري تحت ظل الإحتلال وبرعاية وتوجيه المحتل ودعمه.
إذن، نقل أو ترحيل هذا الوزر من ظهر مقترفيه حقيقة والمستفيدين منه، إلى ظهر من عادوه كنهج وممارسة وكانوا ضحاياه، لا يبدو إجراءا كهذا صعب التسويق فقط، بل هو إجراء ينم عن قدر من السفه والحمق لا يحسد عليه صاحبه.
ومثلما لا يمكن تحميل وزر الطائفية لأعداء الطائفية، فإنه لا يمكن تحميل هذا الوزر للشعب الذي هو الضحية الأولى. لا يمكن أن يقول مرشح طائفي في دعايته الإنتخابية أن من كان طائفياً إنما هو الشعب، علماً بأنه هكذا كان يقول سابقاً. ونحن لا نتجنى على أحد، كلهم كانوا يقولون أن العراق سنة وشيعة وأكراد، وكلهم كانوا يقولون أن الواقع هو هكذا، وأن الإحتلال لم يخلق شيئاً غير موجود أصلاً، وأن الدستور جاء ليؤكد واقعاً، ولا يشرعن أوهاماً وأفتراضات (القومجية) يُغردون خارج السرب، ويسبحون عكس التيار.
وعلى ضوء هذا إختير شيعياً ليكون رئيساً للوزراء في أول حكومة إحتلال بإعتبار هذا المنصب من حصة الشيعة، دون إعتبار لكون هذا الرئيس معمماً أم غير معمم، من حزب طائفي أو غير طائفي، وتم إختيار أول رئيس جمهورية سنياً، دون إعتبار أيضاً لكون هذا الرئيس من حزب طائفي، أو غير طائفي، كما تم إختيار رئيس برلمان كردياً، قبل أن يتغوّل الأخوة الأكراد، فيختطفون رئاسة الجمهورية من السنة، ويتركون لهم رئاسة البرلمان، حيث دفع السنة قسراً ليكونوا ثالث مكوّن من حيث الحجم.
لقد كان هذا تقاسماَ طائفياً وعنصرياً للمناصب العليا، سرعان ما شمل كل المناصب من الأعلى إلى الأدنى.
كان الرؤساء الثلاثة، رئيس الوزراء أياد علاوي، ورئيس الجمهورية غازي الياور، ورئيس البرلمان فؤاد معصوم، كلهم من قوى غير دينية، لكنهم تقلدوا مناصبهم تطبيقاً للتقسيم الطائفي والعنصري، وبهذا اسسوا لممارسة سيعاني منها العراق لاحقاً معاناة لا توصف.
فلو لم يكن علاوي شيعياً لما تسنى له أن يكون رئيساً للوزراء، ونفس الشيء يُقال بالنسبة للآخرين. أما ما جرى بعدئذ من تعديل بصعود أعضاء في أحزاب دينية إلى رئاسة الوزراء، الجعفري، ومن ثم المالكي، وإلى رئاسة البرلمان المشهداني، ومن ثم أياد السامرائي، فقد كان هذا تكريساً وتعميقاً لهذا النهج، وتعبيراً عن حالة الإحتقان الطائفي التي وصل إليها البلد.
إن لسان حال هؤلاء يقول: أما وأن رئاسة الوزراء من نصيب الشيعة، فكيف تكون لمن لا قاعدة له، ولا يمثل الشيعة، وأن تكون رئاسة البرلمان للسنة، فكيف تكون لمن لا قاعدة له ولا يمثل السنة.
إن خير من يمثل الشيعة بالنسبة لهذا النهج إنما هو الشخص المنتمي إلى حزب شيعي، وخير من يمثل السنة الشخص المنتمي لحزب سني، لأن هذه الأحزاب بأعتقادهم هي التي ستستقطب أصوات الناخبين، وهي المُعبر الحقيقي عن الطائفة، وليس العلماني الذي يعدونه لا دينياً.
ربما يكون هذا الإستنتاج صحيحاً، لو لم تكن هناك صفة مشتركة للمواطن السني والشيعي، ألا وهي صفة المواطنة العراقية. إن فهماً كهذا يغتال الوطنية العراقية، ويهشم الأواصر بين العراقيين ينسجم تماماً مع جوهر ما سُمي بالعملية السياسية، ويتطابق تماماً مع ما شرعه سياسيوا ما بعد التاسع من نيسان، علمانيون أو متدينون، سنة أو شيعة أو كرد. فقد إتفق هذا الرهط على مسلمة أساسية وضروية وهي أنه من أجل أن يحكموا العراق، يجب أن يكون هذا العراق جديداً، متقاطعاً ليس مع محيطه فقط، بل مع تأريخه، ومصالحه لا ترتبط لا بجواره، ولا بإمتداداته أو الفضاء الذي ينتمي إليه، وإنما بالمحرر والمنقذ، الذي له وحده توكل مهمة تحويل العراق إلى يابان جديدة في الشرق الأوسط.
هذا الوهم سوّقه لنا بالأمس السادة الذين كانوا أدلاء ومستشارين للمحتل، وها هم اليوم يسوّقونه من جديد، رغم أن السبع العجاف قد بينت لكل ذي بصيرة حقيقة هذا المستقبل الذي يُراد رسمه للعراق. إذا إعتبرنا إن ما مرّ به العراق في سنوات الإحتلال أو ليات تصلح للقياس فإننا نتوقع نتائج لا مثيل لكارثيتها، إذا لم يتفطن العراقيون إلى أن خلاصهم لا يتم بإعادة إنتخاب عرابي الإحتلال وخدمه، وإنما بكنس الإحتلال.
ليست مشكلتنا في العلمانيين أو المنتمين إلى أحزاب دينية، فبين العلمانيين من هم خدم مطيعيون للإحتلال وبينهم مناضلون أشداء ضد المحتل، يقاومونه بالقوّة والرأي، وبين المتدينين من هم عملاء لا يتحركون إلا بمشورة المحتل، أو الخارج، وبينهم من يمتشق السلاح دفاعاً عن الوطن وحريته، ويجاهر برأيه الحر بوجه المحتل، ويُعري جرائمه.
إدعاء البعض بالعلمانية ومحاربة القوى الظلامية لا يعني شيئاً، ولا يرفع عاراً، طالماً هذا الشخص لم يغادر خانة العمالة للأجنبي، ولم يقرر الوقوف مع إرادة الشعب في التخلص من نير الإحتلال.
وإدعاء البعض بأنه حامي الدين والمكافح ضد الغزو الفكري الأجنبي لا يعني شيئاً، ولا يرفع مقاماً، ولا يعطي دالة من أي لون، طالماً أن هذا السيد أو الشيخ أو المعم يستمرغ العيش في كنف المحتل.
فاي نفع لهذه الملايين التي تُهدر على حملات إعلامية أفتقدت المصداقية، والقضية شديدة الوضوح أيها السادة، يمكن الوصول إليها بأقصر الطرق. صباح علي الشاهر