خلفية تمرير واشنطن لقرارات الاجتثاث والإقصاء الانتخابية في العراق

بقلم: د.عمر الكبيسي

يصعب على المراقبين والمحللين حين يستجمعوا تصريحات ونشاطات صانعي القرار في البيت الابيض لمعالجة أزمات الانتخابات البرلمانية العراقية بدءاً بقانون الانتخابات وانتهاءً باجتثاث المرشحين؛ أن يستوعبوا سر إذعان الإدارة الأمريكية لما أسفرت عنه الأزمة من حلول جاءت لصالح الأحزاب الطائفية وتعزيزا لموقف طهران الذي أفصح عنه الرئيس احمدي نجاد بوجوب منع البعثيين من المشاركة بالانتخابات في حين كررَّ البيت الأبيض تمسك واشنطن بضرورة إجراء انتخابات برلمانية بوقتها المحدد وبمشاركة أطراف واسعة على أمل إجراء تغيير يحقق توافق سياسي أوسع يحد من هيمنة الأحزاب الموالية لطهران ويضمن لها انسحاباً منظما في ظل ظروف أمنية وببياض الوجه أمام شارعها والمجتمع الدولي.
الاحزاب الطائفية وقادة كتلها السياسية التي تجمعها رابطة الولاء لطهران تسعى لتحقيق نتائج إنتخابية تضمن لها امتيازات تمسكها بالسلطة قبل الانسحاب الموعود وقفت بالند من تصريحات واشنطن لتقليم نفوذها ونزعت إلى استخدام أسلوب المواجهة والتصفية والإقصاء للأطراف السياسية التي كان من المتوقع أن تحقق بعض التغيير بالواقع السياسي المرير الذي مارسته أحزاب السلطة من خلال تبنيها برامج انتخابية غير طائفية أو دينية بذريعة انتمائها وترويجها لحزب البعث واستصدرت قرارات من هيئة العدالة والمساءلة ومفوضية الانتخابات بحرمان أكثر من خمسمئة مرشح من خوض الانتخابات في مقدمتهم صالح المطلك وظافر العاني وكلاهما أكاديميان مستقلان يتزعمان كتل سياسية ليبرالية معارضة للتوجه الطائفي الديني.
عندما أدانت الإدارة الأمريكية وممثليها بمن فيهم بايدن وهيل واديرنو أزمة إجتثاث مرشحين للإنتخابات وأفصحت عن ارتباط هذا القرار بإرادة طهران أجمعت الأحزاب والكتل الدينية رفضها لهذه التصريحات واستنكرتها وحسبتها تمس بالسيادة وتمثل تدخلا بالشأن العراقي ومررت تصريحات الرئيس الإيراني احمدي نجاد والتي أطلقها بصيغة أمر وتدخل سافر ببرود واستلطاف مما يشير أن مرحلة الولاء المزدوج لهذه الأحزاب الطائفية قد حسم بولاء مطلق لإيران وجاء هذا الموقف بمثابة انقلاب مفاجئ على العلاقة بين واشنطن وبين من نصبتهم على كراسي السلطة من القيادات الطائفية الدينية.
إذعان واشنطن لقرارات هيئة المساءلة والعدالة بالنهاية وبالرغم من التجاوزات القانونية والسياسية التي تم تمرير هذه القرارات من خلالها والتي لا تنصب في صالح إمكانية إحداث تغيير في الواقع العراقي القائم يثير الشكوك في جدية التصريحات الإدارة الأمريكية المعلنة ويدعو الى تفسير ظاهرة ما يبدو وكأنه انحسار في مواقفها الحاسمة المعتادة بالتعامل مع عملائها كما أجج حالة من الإحباط الجماهيري لدى المندفعين للمشاركة في الانتخابات القادمة على أمل التغيير.
تفسير أحداث الانتخابات ضمن نظرة استقرائية لما يخطط لمستقبل العراق السياسي أوجز رؤيتي لها كالتالي:
أولاً: تؤكد واشنطن تصميمها على المضي بانسحاب عسكري كبير من العراق هذا العام كما تصرعلى تنفيذ الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر وسواء أفرزت لها هذه الانتخابات أجواء إيجابية لتحقيق انسحابها وتأمين مصالحها أو لم تفلح فإن وضعها الاقتصادي والعسكري يحتم عليها تنفيذ خطة الانسحاب وفي أسوأ حالات حدوث خلل وفراغ أمني وسياسي في العراق بعد انسحابها فإن تشكيلة البيت الأبيض لإدارة الأزمة إذا فشلت بعد الانتخابات من خلق صيغة سياسية توافقية ومصالحة وطنية بين الأطراف المتصارعة على السلطة وإن واقع الحال العراقي المترتب على العملية السياسية التي أقرتها إدارة بوش لم يعد محتملاً بعد مرور سبع سنوات من الإخفاق ستتجه للتلويح بمشروع التقسيم الجاهز لديها كحل مبرر لإدارة أوباما وقناعات بايدن المعلنة لإنهاء الصراع وحالة التردي.
ثانياً: من المؤكد أن نتائج الانتخابات القادمة ستفشل في أن تحدث تغييراً جذرياً وستسفر عن تشكيل حكومة توافقية ضعيفة تمهد لمتطلبات مشروع التقسيم كما ستحصد قبل أن تجرى وخلالها وحتى يتم تشكيل الحكومة التوافقية الضعيفة القادمة العديد من أرواح العراقيين وشبابهم وكفاءاتهم وضباطهم ورجالاتهم بذريعة البعث والإرهاب وستنشط إيران وميليشيات السلطة وكل مخابرات الكون وفرقه خلال هذه الفترة كجزء من سيناريو الضغط والصراع على 'الكيكة' العراقية المغرية حتى وإن غامرت من أجلها بالدماء وبالتأكيد أن سيناريو كهذا سيكون موضع ترحيب الأحزاب الكردية والأحزاب الطائفية وسيتحول الى اجتثاث لأي محاولة وطنية للحفاظ على وحدة العراق بسلطة مركزية قوية وفاعلة.
ثالثاً: إن واشنطن لم تعد مكترثة بالأمر العراقي وتحسب أزمته ثانوية وهامشية يكمن حلها من خلال حل الأزمة مع طهران سواء كانت هذه الأزمة حقيقية او مفتعلة! وسواء تم التوصل إلى حلها سلمياً أو بالمواجهة العسكرية وبهذا التصور يصبح مصير العراق موضع مساومة في الحل المنتظر بين طرفي الصراع وضمن أطروحة المشروع النووي الإيراني ومستقبل نظام الملالي في طهران الذي سيكون مهدداً بالزوال كخيار تطرحه واشنطن إعلاميا وسياسيا لتصميم موقف أمريكي وأوروبي وصهيوني ودولي موحد بالموقف من النظام.
رابعاً: أن عدم الاكتراث بهوية من سيهمن على السلطة في العراق وأقاليمه وما سيترتب على عزل العراق من واقعه وهويته العربية من موقف عربي وإقليمي سيوفر لواشنطن التزامات سياسية وعسكرية واقتصادية جديدة سواء كان ذلك في حالة تفعيل موقف عربي وإقليمي رافض لتطويق النفوذ الإيراني ومشروعه النووي ومجابهته أو في حالة التمهيد لموقف عربي وإقليمي ضعيف وصامت عندما يحدث توافق سلمي بين واشنطن وطهران يسمح للشروع بتنفيذ أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد التقسيمي والتشظوي وفي كلا الحالتين تكون الإدارة الأمريكية قد حققت ما يضمن لها النفوذ والمستقبل السياسي والاقتصادي الواسع في المنطقة وأعطت لحليفتها إسرائيل ضمانات أمنية واقعية فاعلة وتكون إيران قد حققت إنجازاً كبيراً لتصدير ثورتها بشكل مؤثر في الخليج.
خامساً: إدارة واشنطن لا يضيرها حجم الخسائر البشرية التي سيتكبدها العراق ولا حجم الدمار الذي يلحق ببنيته واقتصاده ، كما أظهرت طيلة السنوات السبع الماضية أنها غير معنية باعماره بعد أن استطاعت أن تؤمن لقواتها قواعد عسكرية محصنة ولطواقمها السياسية أكبر سفارة لها في العالم مجهزة ومحصنة بأحدث الوسائل وأمنع التحصينات ومن خلال هذه السفارة والقواعد المحصنة ستحكم سيطرتها وتعقد اتفاقياتها وعقودها وتعيد الحياة والانتعاش لمعامل صناعة سلاحها وتقنياتها التي سيتم تعميم استثمارها في العراق.
سادساً: من سيهمن على سلطة دويلات وأقاليم العراق المستقبلية في شماله وغربه وجنوبه مهما كانت هويته السياسية أو الطائفية سيحظى مؤكداً بدعم من يستفيد من مشروع التقسيم، امريكا وإيران وإسرائيل وربما دول إقليمية محيطة قصيرة النظر بمواقفها ستكون في قائمة من سيدعم هذه الكيانات الهزيلة.
سابعاً: ستصفَّى وتحرق معظم أوراق الساسة المعتدلين المشاركين بهذه العملية السياسية والمجتهدين بإمكانية أحداث تغيير في واقع العراق المرير أما جسدياً أو سياسياً وملفات التجريم بحق كل منهم جاهزة كما يهدد اليوم الدكتور صالح المطلك وربما قبل أن تكون الفرصة جاهزة لكي يلتحق من يرغب من هؤلاء الساسة الالتحاق بالقوى المعارضة والرافضة للاحتلال جملة وتفصيلاً.
ستفرز هذه الانتخابات برهاناً قاطعاً ودليلاً أخراً على مصداقية ما تبنته فصائل المقاومة العراقية وقوى المعارضة من موقف مقاوم ومناهض للاحتلال وعمليته السياسية بدءاً بحل الجيش وكتابة الدستور وتشكيل البرلمان وحكومات التوافق والمحاصصة الطائفية لنهب وسلب البلاد والعباد وانتهاءً بالانتخابات الحالية كما ستبرهن لمن اجتهدوا بدافع وطني أو دوافع أخرى خطأ ما اجتهدوا به وعاقبة ما وصلوا إليه.
كما ستدرك أنظمة المنطقة العربية الحاكمة ودول إقليمية محيطة خطورة ما سيسحبه مشروع الاحتلال والغزو على العراق من مخاطر وتحديات على شعوبهم وأنظمتهم وحينها لن يكون لها من بديل او سبيل إلا بالموقف الواضح من عناصر السلطة في العراق والساند لقوى المقاومة والمعارضة صاحبة مشروع التحرير والانطلاق لعتق الأعناق والحفاظ على الأرزاق والخلاص من العملاء والسرَّاق والحفاظ على وحدة وسيادة العراق. د. عمر الكبيسي
كاتب عراقي