الانتخابات العراقية من وجهة نظر عربية: العراق الديمقراطي اشد خطورة من إيران النووية!

بقلم: د. محمد فلحي

الديمقراطية كلمة حساسة في قاموس السياسة العربية، فأغلب الأنظمة العربية تدّعي وصلاً بها، ولكن الحكام العرب يرتعبون من ممارستها حقاً، ولا يسمحون بتبادل السلطة سلمياً، وهم يسجلون أرقاماً قياسية عالمية في التربع على كراسيهم المتداعية، ولعل الانتخابات العراقية تمثل ظاهرة سياسية وإعلامية جديدة في الفضاء العربي، تهز عروش السلاطين العرب، وتدفعهم إلى محاربة التجربة العراقية ومحاصرتها، قبل أن تجتاح الديمقراطية المنطقة العربية برمتها، حيث توجد أسوأ الأنظمة الوراثية، القبلية والملكية والجمهورية، ذات الديكورات البرلمانية الزائفة!
وقد وصلت الحملة الانتخابية العراقية، هذه الأيام، إلى ذروتها، لاختيار 325 نائباً من بين أكثر من ستة ألاف مرشح لعضوية مجلس النواب، الذي سوف يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة، تعد هي الحكومة المنتخبة الثانية، خلال أربع سنوات، في ظل النظام الديمقراطي الجديد، وسط تهديدات أمنية خطيرة، وتدخلات إقليمية ودولية سافرة، وانتقادات قاسية لأداء الحكومة الحالية، برئاسة نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة، أكثر الأحزاب الإسلامية التي تعرضت لمحاولات الإبادة والاجتثاث الدموي من قبل النظام البعثي السابق.
يأمل الكثيرون أن تكون هذه الانتخابات مبشرة بنهاية الجحيم العراقي، الذي استمر عقوداً طويلة، وبدء مرحلة من الاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي والرفاه الاقتصادي، بيد أن هذه الأمنيات ظلت طوال السنوات الماضية تصطدم- مع الأسف- بمصالح قوى إقليمية عديدة، وسوف تظل لفترة قادمة تتقاطع مع خطوط حمر وضعتها الأنظمة المجاورة للعراق، الذي يعد من وجهة نظر تلك الأنظمة تهديداً مباشراً لوجودها، وخطراً على استمرار تسلطها واغتصابها للسلطة بطرق غير شرعية، وقيامها بسحق إرادة شعوبها المضطهدة.
من المعروف أن أغلب الأنظمة العربية تضع العراق اليوم في خندق واحد مع إيران، حسب التقسيم الطائفي، باعتبار أن الأغلبية الشيعية العربية التي أصبحت هي الحاكمة في العراق، وفق الاستحقاق الانتخابي، تمثل امتداداً للخطر الإيراني الشيعي، الذي يصفه بعض العرب بـ"الصفوي" تارة، و"الفارسي" تارة أخرى، وقد كان صدام يضيف إليه تسمية "المجوسي"!
لم تعد طموحات إيران النووية خافية على أحد، ولعل أكثر الأنظمة شعوراً بالخوف من القنبلة النووية الإيرانية، بعد إسرائيل، هي دول الخليج والسعودية، بيد أن التحليلات التي رشحت من دهاليز بعض الدوائر الاستخبارية العربية تشير إلى أنها ترى في العراق "الديمقراطي"، أشد خطورة من العراق "الشيعي"، وأكثر تهديداً من إيران النووية، حتى دون وجود قوة عسكرية عراقية كبيرة، ودون وجود تحالف طائفي مزعوم بين العراق وإيران!
كان العراق وسيظل مصدر خطر على الأنظمة العربية القائمة، من وجهة نظرهم بالطبع، فقد كانت قوته العسكرية التي وظفت في الثمانينيات لضرب إيران، وخدمة المشروع الأميركي - السعودي، كانت تلك القوة العراقية الهائلة التي لم تستخدم أبداً في الاتجاه الصحيح ضد الخطر الصهيوني، تمثل رأس الحربة التي استدارت، في اتجاه معاكس لتذبح أقرب أولئك الأشقاء، خلال غزو الكويت وما بعده.. وبعد أن اتفقت مصالح أنظمة الخليج والسعودية ومصر على معاقبة صدام وإسقاطه أصبحت الطريق سالكة أمام بوش الإبن لتنفيذ المهمة التي لم تكتمل في عهد بوش الأب، بعد تحرير الكويت، فانتهى صدام ونظامه بطريقة أغرب من الخيال، على يد حلفائه وأصدقائه السابقين، حيث دارت الأيام دورة عجيبة، وبدأت مرحلة جديدة، توصف بالديمقراطية والحرية السياسية، وتغيرت معادلات الحكم والسلطة، وبرز الحراك الشعبي الجماهيري الذي لم تشهد المنطقة العربية مثيلاً له من قبل، وهو ما يشكل خطراً جديداً على الأنظمة المستبدة المحيطة بالعراق.
الانتخابات العراقية التي تشبه حفلة عرس غير مألوفة عربياً، تؤرق الحكام العرب في مخابئهم، فالفضاء المفتوح، يزدحم بعشرات المحطات الفضائية العراقية، ذات الاتجاهات المختلفة، اليسارية واليمينية، والدينية والعلمانية والقومية، التي تناقش وتحاور وتنتقد كل الظواهر السياسية وغيرها، دون رقابة أو منع، وهناك مئات الأحزاب والكتل السياسية المتنافسة على الفوز بأصوات الناخبين العراقيين، وهناك دستور يحكم البلاد، تم إقراره عبر استفتاء جماهيري، غير مسبوق، وهناك نسبة مخصصة للنساء لا تقل عن 25% في مجلس النواب، وفي التشكيلة الوزارية، وفي جميع مواقع المسؤولية والإدارة، وهناك محاكمات متواصلة لرموز الحقبة الصدامية الغابرة، وكشف الجرائم التي ارتكبت ضد الشعب العراقي، وسط تجاهل الأنظمة العربية، وصمت وسائل إعلامها الملوثة بكوبونات النفط الصدامية، وهناك مظالم تنتظر من ينصفها، وهناك ملفات كثيرة كانت محرمة، فأصبحت مفتوحة أمام الجميع، صورة وصوتاً، ونقلاً حياً مباشراً من بغداد!
كيف كان رد الأنظمة العربية على "الخطر الديمقراطي" العراقي الجديد؟!..
إن المشهد العراقي الدموي يفضح أولئك الأخوة الأعداء، أخوة يوسف، الذين ألقوه في البئر، وتركوه يواجه الموت، دون رحمة، فشعب العراق يذبح كل يوم، بمفخخات وناسفات ولاصقات الأشقاء، وما يسمى في جميع دول العالم إرهاباً، نجده يوصف في العراق، من قبل بعض العرب الضاليّن أو المضللين بـ"المقاومة"، وتتسابق الفضائيات الحكومية العربية في نشر كل صغير وكبيرة تجري في العراق، وتعمل على تسليط الضوء، بطريقة منحازة ومغرضة، على أسوأ الصور والظواهر، من خلال توجيهات مخابراتية واضحة، من أجل أن يقال أن العملية الديمقراطية فاشلة، ولا يتورع بعض الأشقاء عن رصد مليارات الدولارات النفطية لتخريب العملية السياسية في العراق وإثارة الفتنة الطائفية، ومن ثم الزعم بأن الديمقراطية لم تجلب لشعب العراق سوى حكومة فاسدة وطائفية!
لا نريد بالطبع أن ندافع عن مظاهر الفساد والتقصير، في أي موقع من مواقع المسؤولية والحكم، ولا نريد الدفاع عن الأشخاص والعناوين، ولا يمكن تبرئة أي مسؤول، فالنظام الديمقراطي يعالج نفسه بنفسه من خلال آليات قانونية معروفة وقواعد شفافة، في حين أن الأنظمة الاستبدادية الوراثية التي تحرم المشاركة وتمنع تبادل السلطة والرقابة على المؤسسات العامة تجعل من الفساد قانوناً، وتحتكر المال العام وتتصرف بثروات البلاد باعتبارها ملكية شخصية للحاكم وعائلته، ومن ثم فإن أفسد الفاسدين في نظام ديمقراطي، مثل العراق، هو أشرف، ألف مرة، من حاكم جاهل وأسرة تافهة تتوارث الحكم، وتتصرف بالبلاد والعباد بأساليب ما انزل الله بها من سلطان! د. محمد فلحي
أكاديمي عراقي Mfalhy2002@yahoo.com