نسيان.com: نساء يعقدن قرانهن على الانتظار

بقلم: رشا فاضل
مستغانمي تكوي الذاكرة بكل ما أوتيت من خبرة عشقية

"أحبّيه كما لم تحبّ امرأة.. وانسيه كما ينسى الرجال" رسائل بيضاء حطّت في بريدي تحمل تعويذة نسيان وحبل خلاص افتراضي لكل المكبلين بذاكرتهم، وحين سألت عن إسم صاحب الترياق الذي كان يصلني على شكل جرعات إلكترونية.

عرفت إنه للكاتبة أحلام مستغانمي وكنت اتصور ذلك فعلا بعد أن سقطت في فخاخ اسمها المرتبط بذاكرتنا العشقية جملة وتفصيلا، حتى وجدتني بعد أن فرغت من قراءة الكتاب كاملا وبجلسة واحدة! اكتشفت فيها إنني كنت اقرأ نساء كثيرات منحن أحلام مستغانمي حناجرهن وأودعن دموعهن في دواة حبرها لتخط به كتابا بعنوان نسيان.com.

تأملت العنوان بلهفة غريق حملوا اليه طوق النجاة أخيرا. لا أجمل من شخص يمنحك النسيان على طبق من ورق.

من منا لا ينوء تحت إثم ذاكرته؟ من منا لم يفكر يوما باغتيال ذاكرته عند اول وجه سقط من جيبه في طريقه للحياة؟

من منا لم يتمن أن يصاب بحادث يودي بحياة ذاكرته! كنت ألتهم كلماتها بجوع نساء كثيرات أحمل نحيبهن ولوعتهن في سر حبري وأسابقهن للإمساك بالضوء القادم من بعيد منزلقا فوق ملاسة البياض ورائحة الحبر وإن كان إلكترونيا!
تقول أحلام، أعني النساء اللواتي تلبّسن حبرها وقدن الثورة بإسمها واستغللن حضورها الروائي بل جازفن به ليمررن فاجعتهن بفقدان رجل حياتهن والقصور التي بنينها في حضوره الأثيري الذي تلاشى مع اول اشراقة صبح مذيل بعطر امرأة أخرى خرجت اليه من ابواب الماضي الخلفية أو ارتطم بوجهها على ارصفة المستقبل.

على لسان مستغانمي تطلق النساء الملتاعات بإصرارالنسيان وانكسار زجاج الكبرياء فوق سفوح الحنين ندائهن الاخير قبل الغرق الاخير "إلى النساء اللواتي عقدن قرانهن على الإنتظار وإلى "الرجال الرجال" الذين بمجيئهم تتغيّر الأقدار" رغم تأريخ الخذلان الممتد منذ شهرزاد التي تدين لحكاياتها بالحياة حتى هذا الوقت المتأخر من الحضارة الذي تصر النساء فيه ألاّ يبادلن الرجل عملته الرديئة من الجحود والنسيان فيخلصن لغيابه أكثر من حضوره كأن ذلك مكمل لقدرهن رغم يقينهن بأن انعتاقهن يكمن في رحيله لا بأضغاث أحلامه إلا انهن يبقين يحلمن بوجود اولئك "الرجال الرجال" الذين بمجيئهم تتغير الأقدار. من يدري؟ قد تكون العنقاء حقيقة تسخر من خرافاتنا ذات يوم !

هل هذا كتاب انتقام؟

فشّة غل؟ وهل تحتاج الأمة الى "كتاب في النسيان" وهي تحيا ما تحياه من تصدع في علاقاتها ومسيرتها وتأريخها وجغرافيتها؟ قد يبدو الأمر ضربا من الجنون ونوعا من المقامرة والخروج عن شبكة التغطية العربية لو فكرنا قليلا.. أقول "قليلا" وليس كل الوقت المخصص لدراسة الوضع السياسي المهين لبلداننا والأزمة الاقتصادية العالمية وأخبار الانتخابات العراقية الدامية بل بعض من رذاذ الوقت وتساؤلنا ونحن نستعرض من علق بذاكرتنا من الصديقات والجارات والقريبات "العاشقات" عن نسبة النساء العربيات الخائبات في الحب؟
منذ أول رسالة صمت يرميها الرجل في بريد انتظارها المزمن السري إلى رصاصة الرحمة التي يطلقها في جسد الحب ويمضي مزدانا بأوسمة الحرائق! في الحقيقة لست متضامنة مع الكتاب فقط بل متواطئة مع بطلاته المنكوبات حد الصراخ بأعلى صوت الحبر.
اننا لا نتحدث عن رواية حبرية ولا عن تقنيات السرد أو تأويل الحدث الروائي بما يتوافق مع كل ما حفظناه من نظريات ودراسات، لكنها محاولة لفتح النوافذ لتشرق شمس النسيان على جراح تنزف بصمت وتقتل صاحبها بمسدس الحزن الكاتم دون أن يلحظ تشظيه أحد.
هذا الكتاب لا يشبه روايات أحلام مستغانمي ألتي اعتدناها بعد أن أضحت تباع حتى في الصيدليات باعتبارها أحدث مسكّن عشقي أثبت فاعليته للمصابين بداء الحب، بل هو كتاب تستعرض فيه الكاتبة حكايات حب حقيقية واعتبر البعض ذلك نقطة ضعف في منجزها الروائي لسببين (وفقا لرؤية شخصية في سيكولوجية القارئ/الكاتب العربي ).

الأول: انهم/اننا تعودنا ان نقرأ أبطال الورق الذين استنجدوا بأحلام لتصنع لهم اقنعة من ورق يستطيعون من خلالها أن يتحركوا في فضائهم ويدلوا بخساراتهم الآسرة دون أن تستوقفهم السيطرات الحدودية المتأهبة للذود عن الأصنام والأوطان ولو بشِق رصاصة! أما السبب الثاني: فهو إن رفضنا السيكولوجي لقبول هذا الكتاب (نسيان دوت كوم) عائد إلى إدماننا للقالب الواحد.. للصوت الواحد.. الحلم الواحد.. والحبيب الواحد.. "الذي كلما فصّلنا عليه رجلا وجدناه اصغر. يا للغباء!" تقول احلام.

نسيان على نسيان

"هذا كتاب يحضر بيعه للرجال" تقول أحلام أيضا.. وفي الحقيقة هو مخصص للرجال ليدسّوا فضولهم فيه ويمعنوا النظر في خرائط الخراب التي تحفرها ارجلهم وهي تكفر بعطر القوارير وتنثر زجاج عطره في أرجاء القلب.. ذكريات.. نشيخ بها... ولا تشيخ.

لعلهم يتذكروا إنها "القارورة" التي أوصى بها الأنبياء وقبلهم الرب العظيم ألذي اودع فيهن إحساس الأمومة الذي يوزعنه حتى على الأعداء، هنالك حكاية كلما تذكرتها أدرك أن شفاء المرأة العربية من قلبها مستحيل، فقد اقتحم الأمريكان بيت أقربائي ذات ليلة وتمركزوا في أحد اركان البيت فتوجهت نحوهم صاحبة البيت وهي إمرأة عجوز بكل غضبها وسخطها وحقدها غير خائفة حتى تصور أهل البيت إنها ستنسفهم بعملية انتحارية وإذا بالعجوز تقف أمام الضابط الأمريكي وتسأله بغضب: لماذا اتيتم وماذا تريدون منا؟ بعدها انخفضت نبرة صوتها وبدت وكانها تعاتبه لتكمل: أين اهلك؟ ولماذا تركت والدتك؟ ما زلت صغيرا؟ ماذا تقول والدتك في غيابك؟
كان الجندي الامريكي صغيرا في العمر لا يرتقي حتى لعمر الشباب وعند الكلمة الأخيرة بكت.. فأخذ الأمريكي يبكي معها ولم يكن ثمة مترجم بينهما في تلك اللحظة. كان مشهدا فريدا لم تلتقطه الفضائيات لتؤوله حسب مقتضياتها وأجندتها وحساباتها لكنه قلب الأم التي لم تكن تعرف القراءة والكتابة وحتى معرفة وقت الساعة، لم تتمكن إلا أن توصل له فائض أمومتها في أعتى لحظات حقدها وحزنها وغضبها وهي تراه يكسر باب بيتها ويرفع رشاشه بوجه شيبها ليشاركها البكاء.. وهي العجوز التي فخخوا رأسه بها واخبروه انها تأوي الإرهاب في مخدع سنواتها السبعين تنازلت أخيرا عن حقدها وأخذت تبكي أمه.
ذلك المحتل الذي عَبر القارات والسنوات الضوئية وأمريكا بكل جبروتها وتكنولوجيا الموت فقط ليكسر باب بيتها وقلبها. لم أستغرب بكاء الأمريكي ليس لأنه يمتلك حنانا فائضا أو إنسانية فائضة بل لأن تلك العاطفة الجبّارة من الأمومة وجدت طريقها اليه دون الحاجة الى وساطة اللغة التي غالبا ما (تقول شيئا وتضمر غيره في أجندة العشاق). هكذا كان إحساس الأمومة يرسم لتلك العجوز نبض قلبها ويوزع دموعها حتى على اعداءها فكيف الحال بالعاشقة المفخخة بأوهام حبيب طوّع العالم بين اصابعها وتوجها ملكة على الغيم في لحظة انتشاء عابر.
هذا كتاب سأسرقه من النساء وأمنحه للرجال للمطالبة باسترداد الحق المباح من ألف الدمعة الى ياء النهايات الرجيمة، وسيشفع لي ان الكاتبة منحتنا مخرجا قانونيا مسبقا اشارت فيه "لفرط ذكائنا" الذي سيقودنا إلى حمل هذا الكتاب لنتآمر على انفسنا كما نتآمرعلى ثوراتنا ونضعه بيد الرجال.

لنتخلص من أميتنا ونتعلم قراءة جراحنا

اعرف أن هنالك أقلام ستنبري من بين السطور مأخوذة بعزّة تاريخ الإستبداد والنظريات والإيديولجيات.. لن أعترض.. فهي حرب احلام مستغانمي على اية حال وأنا بريئة من كل ما جاء فيها من مؤامرات ضدكم، هكذا اقود/نقود الثورات.. ايها الرجال الرجال! تتساءل أحلام: "بماذا يفيد الأدب إن لم يعلّمنا كيف نحبّ؟ لا أحد يعلّمنا كيف نحبّ.. كيف لا نشقى.. كيف ننسى.. كيف نتداوى من إدمان صوت من نحبّ.. كيف نكسر ساعة الحبّ.. كيف لا نسهر.. كيف لا ننتظر.. كيف نقاوم تحرّش الأشياء بنا.. كيف نحبط مؤامرة الذكريات.. وصمت الهاتف. كيف لا نهدر أشهرا وأعواما من عمرنا في مطاردة وهم العواطف.. كيف نتعاطف مع جلادنا من دون أن نعود إلى جحيمه.. كيف ننجو من جحيمه من دون أن نلقي بأنفسنا في تهلكة أوّل حبّ.. كيف نخرج من بعد كلّ حبّ أحياء وأقوياء.. وربما سعداء. هل من يخبرنا ونحن نبكي بسبب ظلم من أحببنا أنّنا يوما سنضحك ممّا اليوم يبكينا؟ سنندم كثيرا لأنّنا أخذنا الحبّ مأخذ الجدّ. فلا أحد قال لنا أنّه في الواقع أجمل أوهامنا وأكثرها وجعا. لسبب بسيط: قدر الحبّ الخيبة. لأنّه يولد بأحلام شاهقة أكبر من أصحابها. ذلك أنّه يحتاج أن يتجاوزهم ليكون حبًّا. لا يمكن حصر عدد الكتّاب الذين عبر الأزمنة والحضارات وبكلّ اللغات عملوا مرشدين عاطفيّين للتائهين من العشاق في الأزقة والشوارع الجانبيّة للحبّ. ليس لي هذا الإدعاء. أنا مجرّد ممرضة لا تملك سوى حقيبة إسعافات أوليّة لإيقاف نزيف القلوب الأنثويّة عند الفراق".

حلم

لو أن كل منا كان بإمكانه أن يعمل "فورمات" لذاكرته بكبسة زر، ليعود بها صفحة بيضاء لا يستطيع العقل فك رموزها ليعرضها على القلب كلما استدعاه الحنين؟ ألا يبدو ذلك ضربا من المستحيل الجميل الذي ما فتئنا نحلم به عند كل خسارة وتنادي به أحلام في نسيان دوت كوم.

النسيان الذي نحلم به

عند كل دمعة تنكسر على زجاج الرحيل المغسول بدموع الأسئلة وعلامات الإستفهام، هل ثمة من يجرؤ على قول انه كتاب مخصص للنساء فقط والمراهقات دون ان تعتريه رغبة البكاء أو الضحك معا؟ أنا اضحك الآن.. لأني أرغب بادعاء ذلك لولا إني رأيت وجوها تشرق بين السطور "تعقد قرانها" على الوهم وتغمض عينها عن الصبح لأن وجهه الموارب/وجهها الحلم لم يعد يشرق في شموس النهارات من جديد.

هذا الكتاب مخصص للرجال

وما التحذير المثبت على غلافه من أنه "محظور على الرجال" إلا غواية لهم، إنه ذكاء هذه المرأة الكاتبة ألتي تضع إصبعها على مكمن الجرح بذكاء مدهش، فهي تعرف تماماً إن كل ما هو ممنوع ومستحيل مرغوب، لهذا كانت حتى وهي تكتب سطور كتاب النسيان هذا تلمح إلى أكثر من رجل يتسلل إلى حروفها ليسرقها ويقرأها في عتمة غرفته أو ذاكرته فنجدها تفرد له صفحات وصفحات تمنحه فيها بيدها الأخرى حبلا اخر للنجاة من نفسه وكوابيس مستقبله معتبرة ان غياب الرجولة بمعناها النبيل هو خلل وضرر كوني يتعدى المرأة: "اختفاء الرجولة لم يلحق ضررًا بأحلام النساء ومستقبلهن فحسب، بل بناموس الكون وبقانون الجاذبيّة. ما الإحتباس الحراري إلا احتجاج الكرة الأرضيّة على عدم وجود رجال يغارون على أنوثتها. لقد سلّموها كما سلّمونا "للعلوج"، فعاثوا فينا وفيها خرابا وفسادا. لتتعلّم النساء من أمّهن الأرض، لا أحد استطاع إسكاتها ولا إبرام معاهدة هدنة معها. ما فتئت تردّ على تطاولهم عليها بالأعاصير والزوابع والحرائق والفيضانات. هي تعرف مع من تكون معطاءة وعلى من تقلب طاولة الكون. ليعقدوا ما شاؤوا من المؤتمرات ضدّ التصحّر والتلوث وثقب الأوزون والاحتباس الحراري. ليست الأرض مكترثة بما يقولون. هي تدري أنّ الرجولة لا تتكلّم كثيرا، لا تحتاج إلا أن تكون فيستقيم بوجودها ناموس الكون".
"الرجولة.. أعني تلك التي تؤمن إيمانا مطلقا لا يراوده شكّ أنّها وجدت في هذا العالم لتعطي لا لتؤذي. لتبني وتحبّ وتهب. الرجولة في تعريفها الأجمل تختصرها مقولة كاتب فرنسي "الرجل الحقيقي ليس من يغري أكثر من امرأة بل الذي يغري أكثر من مرّة المرأة نفسها". الرجولة التي تؤمن بأنّ العذاب ليس قدر المحبّين ولا الدمار ممرًّا حتميًّا لكلّ حبّ ولا كلّ امرأة يمكن تعويضها بأخرى. وأنّ النضال من أجل الفوز بقلب امرأة والحفاظ عليه مدى العمر هي أكبر قضايا الرجل وأجملها على الإطلاق. وعليها يتنافس المتنافسون".
"هذا الكتاب يسمح لمن تسلّل من الرجال هنا، أن يتعلّم من أخطاء غيره من الذكور من باب: تعلّم الأدب من قليل الأدب. عليهم أن يتعلّموا الحبّ من قليلي الحبّ. أن يعتبروا بمصائر الكاذبين والخونة والمتذاكين والأنانيّين. وليأخذوا علمًا أنّ النساء استيقظن من سباتهن الأزلي. سنظلّ نحلم أن تكون لنا بهؤلاء الرجال قرابة. أن نكون لهم أمّهات أو بنات.. زوجات أو حبيبات.. كاتبات أو ملهمات. أولئك الجميلون الذين يسكنون أحلامنا النسائيّة. الذين يأتون ليبقوا.. ويطمئنوا.. ويمتّعوا.. ويذودوا. ليحموا ويحنوا ويسندوا.. الذين ينسحبون ليعودوا. ولا يتركون خلفهم عند الغياب كوابيس ولا جراح ولا ضغينة".

فقط الحنين الهادر لحضورهم الآسر ووعدًا غير معلن بعودتهم لإغرائنا كما المرّة الأولى. كم من مرّة سنقع في حبّهم بالدوار ذاته، باللهفة إيّاها. غير معنيّات برماد شعرهم وبزحف السنين على ملامحهم. ليشيخوا مطمئنين. لا الزمن.. لا المرض.. لا الموت.. سيقتلهم من قلوبنا نحن النساء النساء. كيف لحياة واحدة أن تكفي لحبّ رجل واحد؟ كيف لرجل واحد أن يتكرّر.. أن يتكاثر بعدد رجال الأرض.

هل انهار جدار برلين الذكريات العازل بين الماضي والحاضر؟ هل أسدلتن الستار على جدار المبكى وأشرعتن النوافذ بوجه الصبح الذي أشرق في غيبوبتكن أياما وأعواما لم تلحظن فيها حتى الشمس؟

هذا الصمت لا يبشر بخير

ما زال الفايروس متفشيا في ذاكرتكن.. ونحتاج الى جرعة مضاعفة من ترياق النسيان، تنادي أحلام: أيّتها الحمقاء.. الحياة تنتظرك وأنت تنتظرينه، فإذا صحوتُ فأنت أوّل خاطري وإذا غفا جفني فأنت الآخر صباحك نسيان.. صدقا، ألست أفضل هذا الصباح؟ أشهر وأنت تنامين ظهرا لظهر مع جسدك المستلقي إلى جوارك. مع الوقت أصبحت جارة جسدك، جارة حياتك لا صاحبتها. تعيشين حياة مؤجلة إلى حين يعود. هكذا هي المرأة العربية.. تؤجل فرحتها في انتظار السعادة. الحياة موجودة من أجلك.. بعطورها وورودها وفصولها.. ومصادفاتها.
الحياة تنتظرك وأنت تنتظرينه. السعادة تشتهيك وأنت تشتهينه. الحبّ يحبّك وأنت تحبينه. لأنّه ألمك. كقطّ يتوق إلى خانقه تريدينه. عندما يتجاوز الخذلان حدّه، وينفذ مخزون الصبر النسائي على سعته، عليك أن تراجعي علاقتك بالألم. فالألم ليس قدرا. إنّه اختيار. عام من الألم يكفي ويزيد. إنّه معدل الزمن الأنثوي المهدور الذي تحتاجه امرأة للشفاء من رجل تفشى فيها داؤه. الوعكة العاطفيّة تأخذ وقتا أقلّ. فثمّة "حبّ" تلتقطه النساء مثل الانفلونزا في شتاء القلب.
مثل هذا "الحبّ" ما كان مقدّرا له أصلا أن يعيش أكثر من فصل والحزن عليه لا يستحقّ أكثر من أيام. لكن ألم الفراق الكبير لا بدّ ألا يدوم أكثر من سنة. بعدها يصبح الأمر ضربا من الانتحار. فهل أنت واثقة أنّ على الطرف الآخر ثمّة عاشق ولهان قادم من العصور الغابرة.. يبكيك ويخلص لغيابك؟

كفى بربك حماقة

يمكن القول ان "نسيان دوت كوم" هواستراحة تناولت فيها أحلام مستغانمي الشاي مع أبطال رواياتها وراحت تتحدث معهم وعلى مرآى من جمهورها الشاسع عما كان يحدث خلف الكواليس.. كواليس الحب والفراق والنسيان.. وهو خلاصة تجارب انسانية استخلصتها الكاتبة ووثقتها على ذاكرة الورق لتلد النسيان للعاشقات الموهومات والمنذورات للذكرى.

ينجح الرجال في النسيان لأنّهم يريدونه حقًّا (لبدء علاقة جديدة) وتفشل النساء لأنّهن يخفنه (لخوفهن من الإقدام على تجربة جديدة). على أساس "ذاكرة في اليد.. خير من نسيان على الشجرة". فالمرأة تخاف أن يطير مع النسيان آخر عصفور أمسكت به. كلّما أحبّت، توقّعت ألا تهديها الحياة حبًّا بعد ذلك الحبّ. من هنا جاء هوسها بكلمة "إلى الأبد" التي يطمئنها بها الرجل إلى حين يطير.. إلى الأبد.
على النساء أن يشفين من خوفهن الأنثوي من المجهول. فليس الرجال أقلّ منّا خوفا. ولا أكثر طمأنينة لما ينتظرهم. هم فقط أكثر خيانة وتنصلا من وعودهم. فليكن. انتهى زمان "أنساك ده كلام؟ أنساك يا سلام. أهو ده اللي مش ممكن أبدا ولا أفكر فيه أبدًا". بربكنّ، ألا يبدو هذا الكلام سخيفًا عندما تقرؤونه هكذا عار من صوت أمّ كلثوم الذي لجماله بإمكانه إقناعنا بأيّ شيء؟
تصر أحلام مستغانمي على المضي في كي الذاكرة بكل ما أوتيت من خبرة عشقية مما خبرته وسمعته على إمتداد عشرات السنوات من قصص حب استخدمت بعضها كمحاور في الكتاب وأحد عناصر تركيب ترياق النسيان عبر استعراض تجارب حية امتدت من صديقات الكاتبة العاشقات حتى شغالتها العاشقة.

رحت أهاتفها في صباحات الألم لأنقذها من سياط الذكرى. كمن يعطي الحبّ رغيف خبز بدل أن يدعوه إلى العشاء. كنت أدري أن كلماتي ما كانت تشبعها تماما. لكن تمنحها قوت يومها من الصبر. وتغذيها بفيتامين الصمود. يوما بعد يوم بدت كأنّها تتعافى من الماضي.. أو لعلّها كانت تحاول إقناعي بذلك. لكن لا شيء ملموسا كان قد تغيّر حقًّا في حياتها. قلّما كانت تقبل تلبية دعوات أو حضور مناسبات. كانت تعيش حدادها بجمالية وعزلة. لكن بطمأنينة أكبر.

كنت أصيح بها يائسة "من أين يأتي الحبّ إن لم تفتحي له الباب". وكانت ترد "بل تركت له الباب مفتوحا". لاحقًا أدركت أنّنا ما كنّا نحكي عن الأبواب نفسها. كنت أحكي عن باب الحياة.. وكانت تقصد باب القفص.. أن تتركي باب القفص مفتوحا طمعا في عودة الطائر. أيّ أن تغلقي كلّ باب عداه. دون أن تعترفي بذلك لأحد. أن تؤجّلي سعادة في يدك.. من أجل سعادة على الشجرة. أن تختاري خسارة الحاضر كي لا تخسري احتمال حلم.
عليك كلّ يوم ألّا تنسي تماما ولا تتذكري تماما. ألا تهجري.. وألا تعودي. ألا تهاتفيه وأن تواصلي سماع صوته فيك يقول لك بكلمات الماضي أنّه سيعود.. ألا تكوني مبتهجة فلا تكوني أهلا لقصّة حبّك. ولا تحزني فتصبحي موضوعا للشفقة. أن تعثري على المسافة اللازمة بينك وبينه في الغياب.. بينك وبين الآخرين.. بينك وبين الذكريات.. بينك وبين من يحاول أن يأتيك من باب آخر -غير باب القفص- ليشغل محلّه الشاغر. ألا تخوني من يكون قد خانك. ولا تتألّمي بوفائك له. أن تخلصي لأسطورتك لا لبطلها. فالحبّ هو البطل.. لا ذلك الرجل.

لا اريد ان افسد اجواء الكتاب بنسخه كله في هذا البيان التضامني الذي اسميه مقالة، لذا سأكتفي بهذه النافذة الصغيرة التي فتحتها على أجواء هذا الكتاب وهذه الثورة غير المسبوقة في النسيان لإيماني بأن رفع الظلم عن المرأة العربية لن يكون إلا بتخليصها من إثم ذاكرتها المثقلة بخيبات شتى تحتفظ بها كأنها إرث لا مفر من حمله معها حتى آخر لحظة في حياتها.
وجائت احلام مستغانمي تحمل مشارط النسيان لعلها تنقذ ما يمكن إنقاذه من الصباحات قبل ان يبتلعها ظلام ليل لن تشرق بعده شمس حلم قط ولتنتزع العاشقات الموهومات من خدر هذا الوهم الجميل.

رشا فاضل

rasha200020@yahoo.com