البرادعي .. والدواء المر

بقلم: ماجد ضيف

لا ينكر أي إنسان لديه بقية من ضمير حي أن عودة محمد البرادعي الى مصر معلنا قبلها عن نيته الترشح لمنصب الرئاسة كانت بمثابة إضافة هامة الى معادلة سياسية كان الجميع يعلم سلفا تفاعلاتها ونتائجها الحتمية التي لم تعد كذلك.
إن ماشهده المواطنون خلال الأيام السابقة من حراك سياسي حقيقي إنما يبعث على الأمل الكبير في أن مصر توشك أن تكون وللمرة الأولي على موعد مع مباراة سياسية حقيقية بين متنافسين أقوياء لا يمكن لأحدهم أن يطمئن الى أن نتيجتها ستكون حتمًا في صالحه لأنه إذا اطمأن لدل ذلك على عجزه عن قراءة المعادلة الجديدة.
إن متابعتي للإعلام السياسي وللسياسة الإعلامية منذ أعلن البرادعي عن نيته خوض الانتخابات الرئاسية جعلتني أتوقف أمام ثلاثة ملامح رئيسية أولها لا يستحق الإفاضة وهو يتمثل في سيل الذرائع والحجج السطحية الواهية التي تقيأتها أفواه بعض قيادات الحزب الوطني لإقناع البرادعي بالعدول عن رغبته وإقناع مؤيديه بالعزوف عن تأييدهم له وهو ما لم يحدث، إذ ما حدث أن هؤلاء قد نجحوا في إقناع البرادعي بمدى قوته ومدى أهمية استمراره باتجاه هدفه المعلن بنفس القدر الذي نجحوا به في إقناع مؤيديه بضرورة التمسك به وبضرورة التوجه الى الله بالدعاء والرجاء سائلين إياه أن يعفو عن قيادات التقيؤ وأن يعافيهم مما هم فيه ومما هو فيهم.
أما عن الملمح الثاني الذي توقفت أمامه طويلاً وكان الدافع الرئيس لكتابتي هذا المقال فهو يتمثل في مجموعة من المعوقات التي تجعلني أصف أحلام البرادعي في الفوز بانتخابات الرئاسة بل وأصف مجرد الحلم بخوضها بأنها أحلام يقظة إن لم تكن دربا من دروب الوهم الذي لا أحمل البرادعي مسئولية عدم الواقعية في التعامل معه بقدر ما أحملها للقائمين على حملة ترشيحه والذين أفترض فيهم من الواقعية السياسية ما يؤهلهم الى التمييز بين الممكن والمستحيل وما يؤهلهم الى كيفية جعل المستحيل ممكنا وما يؤهلهم للتعامل مع المستحيل إذا ظل مستحيلاً وهذا هو الملمح الثالث.
إنني أنظر الى القائمين على حملة الدكتور البرادعي بل وينبغي أن ينظروا هم الى أنفسهم باعتبارهم مجموعة من المستشارين الذين ينبغي عليهم ألا يتخاذلوا عن دعمه حين يصيب وألا يترددوا في نصحه حين يخطئ، ولقد أخطأ البرادعي وربما أخطأ مستشاريه حين قرر أو حين قرروا ووافقوا على خوضه للإنتخابات الرئاسية كمستقل.. لماذا؟
لأن هذا هو المستحيل بعينه، أما الوهم فهو أن يتخيل مستشاروه أن بمقدور الدنيا ولو اجتمعت أن تنجح في تعديل المادة 76 من الدستور، لأن التعديل المنشود والذي يسمح للبرادعي وغيره بخوض الإنتخابات الرئاسية كمستقل دون قيود مانعة هو تعديل لا يتم وفقا للمادة 189 من الدستور إلا بطلب من الرئيس مبارك الذي هو رئيس الحزب الوطني أو بموافقة من ثلثي أعضاء مجلس الشعب يعقبها إجراء استفتاء شعبي على التعديل، فهل من الواقعية في شيء أن يوافق الخصم على إسقاط أهم دفاعاته وحصونه دعما لخصمه؟
أظن هذا هو الوهم والمستحيل بعينه.
إذن كيف يمكن للبرادعي ومستشاريه جعل هذا المستحيل ممكنا؟
أظن أن الإجابة التي لا يختلف عليها عاقلان والتي وردت في ورقة الأسئلة سهوًا من واضعي الإمتحان وأعني بها المادة 76 من الدستور هي حتمية (وأكرر حتمية) أن يخوض البرادعي الإنتخابات من خلال حزب سياسي تتوافر فيه الإشتراطات الدستورية.
وهنا تقفز الى الذهن عدة تساؤلات بديهية وأولها عن تمسك البرادعي بصفة المستقل (وهو في رأيي الإختيار الأمثل)؟ ثم هل من الممكن التوفيق بين رغبة البرادعي كمستقل وبين خوضه للإنتخابات كحزبي؟
ثم ماذا عن الحزب الذي تتوافر فيه الإشتراطات الدستورية؟ ثم ماذا عن هذا الحزب إذا لم تتوافر له هذه الإشتراطات بعد خوضه للإنتخابات البرلمانية القادمة؟ ثم أخيرًا ما هو العمل حال الفشل في جعل المستحيل ممكنا؟
في تقديري أيضا أن الإجابات المنطقية على تلك الأسئلة يمكن طرحها بعد مقدمة موجزة أراها بديهية ولكنني لا أستبعد أن تكون محل اختلاف ألا وهي أن نجاح البرادعي في انتخابات الرئاسة سيكون حتمًا في صالح جميع الأحزاب بل وفي صالح جميع القوي السياسية، إلا أن ثمة تعديلا بسيطا على رغبة البرادعي وهو أن الحاكم ينبغي أن يتخلص من جميع المؤثرات والأهواء والإنتماءات الضيقة لكي يكون في أرقى مراتب العدل، وهذا يعني بالضرورة أن يكون مستقلاً، ولكنه لا يعني على الإطلاق أن يكون مرشحًا مستقلاً، وبالتالي فإنني أدعو الأحزاب المعارضة الى المبادرة بعرض عضوية هيئاتها العليا على البرادعي الذي أدعوه لقبول العرض الأنسب من بينها، ثم أن يتوافق البرادعي والحزب على أن عضويته ستكون مؤقتة ومتبوعة بالإستقالة حال فوزه في الإنتخابات على أن يعلن الشعب بهذا التوجه خلال حملته الإنتخابية، وفي تقديري أن إنجاز هذه الخطوة لا يتطلب من الأحزاب سوى بعض الجرأة والحسابات الوطنية الخالصة، ثم أن يتلو هذه الخطوة حال تحققها مساندة قوية من البرادعي لمرشحي الحزب الذي منحه عضويته في الإنتخابات البرلمانية القادمة وأظن هذا الموقف سيضمن الى حد بعيد مساندة شعبية كبيرة لمرشحي هذا الحزب.
الى هنا تكون الأرضية الدستورية قد تهيأت للدكتور البرادعي لكي يخوض إنتخابات الرئاسة وفق قواعد اللعبة الحالية والتي يستحيل تعديلها حتى إذا كان المرشح أمام الحزب الوطني هو صلاح الدين الأيوبي.
الى هنا نكون قد جعلنا المستحيل ممكنا، ولكن يبقي الإحتمال الأخير وهو أن يظل المستحيل مستحيلاً، وهنا فإنني لا أتردد في نصح الدكتور البرادعي بأن ينأي بنفسه عن إعلان ترشحه في هذه الإنتخابات لأنها ستكون دون شك محسومة وفق المادة 76 ولصالح من صاغوها، إلا أن هذا لا يمنعني من رؤية طاقة من نور في آخر النفق المظلم ألا وهي أن يقدم الدكتور البرادعي على خطوة حتمية بتأسيس حزب سياسي، وهي خطوة لا أشك في أنها ستحدث مرارة في نفس الدكتور البرادعي، ولكنها أشبه بمرارة الدواء التي لا بديل عن تحملها من أجل مصر، مصر التي لا يستحق البرادعي أو غيره مجرد السعي الى حكمها إن لم يكن مستعدًا للتضحية من أجلها ولو بتناول جرعة واحدة من الدواء المر. ماجد ضيف maged_daif@hotmail.com