المرزوقي: فقهاء الشريعة ليسوا الا مستشارين فقط

بيروت - من جورج جحا
حداثة تنطلق من التراث لتخدمه وتحييه

يقول الباحث الاكاديمي التونسي محمد الحبيب المرزوقي المعروف باسم "ابو يعرب" المرزوقي انه لابد من اصلاح "فكرنا" النظري ومؤسساته وان هذا الاصلاح يستتبع اجراء نوعين من الاصلاح.

الدكتور محمد الحبيب المرزوقي قال في كتابه الذي حمل عنوان "ازمة الحضارة العربية المترددة" انه "ينبغي ان يؤدي اصلاح فكرنا النظري ومؤسساته الى اجراءين عاجلين.. اولهما الاصلاح المذهبي الذي ينبغي ان يكون علم اصول الدين بمقتضاه فلسفة تحررية باطلاق حرية الانسان من اجل طلب الحقيقة والجمال".

"فلا ينبغي ان يبقى دفاعا عاجزا عن صياغة متحجرة للمعتقد.. صياغة نتيجتها الوحيدة في التاريخ هي الفوضى الروحية. والاجراء الثاني هو الاصلاح المؤسسي الذي يكون النظام التربوي والنظام السياسي بمقتضاه تحرريين وكونيين".

جاء كتاب الدكتور المرزوقي في 71 صفحة متوسطة القطع وصدر عن مركز الجزيرة للدراسات بالدوحة في قطر وعن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت. والمؤلف متخصص في الفلسفة العربية واليونانية والالمانية.

في كتاب المرزوقي قد يشعر القارئ احيانا بأن المؤلف يحملنا الى التاريخ القديم في مجالات الفقه والتشريع وعلم الكلام والفصل بين ما قد يصح لنا ان نصفه في بعض المجالات احيانا بتعبيري "الاشعرية الحديثة" و"المعتزلة الحديثة". والاثنتان كما هو واضح عبر التاريخ الفكري لم ترتقيا الى مصاف الفلسفة بل بقيتا في نطاق ما عرف باسم علم الكلام وما عرف باسم اللاهوت عند المسيحيين.

وربما شعر القارئ في بعض الاوقات بأن المرزوقي يشدنا الى ان نغوص معه في الماضي فكرا ولغة الى حد ما. لكنه لا يلبث ان يعوم بنا صاعدا الى "السطح" رابطا بين سمات الماضي تلك او بين ما لا يزال يصح منها او بين ما يجب التخلي عنه في الحاضر وتدعيمه بما يصح وتشذيبه والتخلص من "الممات" والذي لا يشكل عبئا فقط بل يحد ويكاد يشل حركة الحاضر التطورية.

وبهذا وبغيره يظهر لنا المرزوقي بوضوح رجل فكر اسلاميا تحديثيا تنطلق حداثته من التراث ولا تخرج عنه بل تسعى الى خدمته واحيائه.

وهو يصل بنا احيانا الى مفهوم بل نوع جديد من "الخلافة" ويبدو لنا للوهلة الاولى اقرب الى ربط بين تراثي قديم وبين سمات حداثة لا بد من اكتساب اسبابها للنهوض.

قسم المؤلف كتابه الى بابين. جاءت العناوين في الباب الاول كما يلي "المسألة الاولى.. الموروث الثقافي والتقدم الاجتماعي - تحليل تصوري" و"المسألة الثانية.. الموروث الثقافي والتقدم الاجتماعي- التحليل التاريخي".

أما الباب الثاني فجاء على الشكل التالي "المسألة الاولى.. كيف عطل الاصلاح المستمر الى حدود ضمور القدرة الاسلامية على الابداع" و"المسألة الثانية.. لماذا لا يمكن للاسلام ان يطابق خصائصه الثورية الا اذا كان اصلاحا دائما".

واشتمل الكتاب على خاتمة وعلى تعريف بالكاتب في بضعة سطور.

في تعابير تجعلنا نتذكر مونتسكيو و"روح الشرائع" يقول المرزوقي "تطور الفقه الاسلامي الى نظرية في الشريعة من حيث هي روح الاخلاق والتشريع بدلا من ان تكون مدونة قانونية".

"ذلك ان لفظ الشريعة الالهية يمكن ان يفهم اما ماديا او صوريا. والفهم المادي الذي هو اضيق الفهوم الشرعية يطابق استئناف تأسيس السلطة الشرعية المتنكرة ممثلة بالفقهاء دون عصمة لان القدسية هي للتشريعات وليست للمشرعين. والخاصية المادية تعني تطبيق النصوص ليس بمدى دلالتها الكلية بل بحسب الدلالة الخاصة التي لها في الوضعيات العينية التي تستمد امتيازها النموذجي من السنة".

"وهذا المنظور الذي يجعل الشريعة روح الاخلاق واخلاق القانون هو الطريق الى خروج ثقافتنا من ازمتها. فالشريعة الالهية لا تقبل الرد الى الفقه بمعناه التقليدي. انما هي روح الاخلاق واخلاق الحقوق التي ينتظم بها العمران البشري. وفي ضوئها ينبغي ان يفهم التشريع النصي لكونه ليس الا نماذج تؤثر بصفاتها الخلقية لا بمضموناتها الحكمية".

واضاف يقول ان ذلك "هو المنظور الذي يقبل التعميم على كل تشريع سماويا كان او وضعيا لانه يتأسس على مقاصد ومبادئ كلية مشتركة بين معاني الوحي التي لا يمكن استنفادها وتطور التأويل العقلي لقوانين الظاهرات الانسانية والطبيعية بهدي من نور المبدأ الخلقي القراني لان الامة هي السلطة الروحية الوحيدة.. وليس الفقهاء الا مستشارين فنيين مثل اي خبير في مجالات الحياة الاخرى".

واستخلص ان الاسلام "ينبغي ان يكون معرفة نظرية وعملية متصلة او اجتهادا تكون ترجمته المؤسسية الى مشكلة اجتماعية.. مؤسسة التواصي بالحق.. انه يجب ان يكون عملا نظريا وتطبيقيا دائما اي جهادا متواصلا اساسه التطبيق الدقيق للمعرفة النظرية والعملية".