المعذرة سنخفض المساعدات.. نحن في أزمة!

بقلم: محمد كركوتي

"يمكن تعريف المساعدات الخارجية على أنها تحويلات من الفقراء في الدول الثرية إلى الأثرياء في الدول الفقيرة"
المستثمر والكاتب الاقتصادي الأميركي دوجلاس كاسي

حسنا.. الجميع في أزمة. لا فرق بين فقير وثري. الكل وقع فيها. لا فرق بين دولة متقدمة وأخرى تعيش حضارة بدائية، ولا فرق بين مجتمع غارق بـ " المياه المعدنية" وآخر غارق في "مياه جافة"!. هذه الأزمة جمعت أصحاب "الياقات البيضاء" وأولئك الذين لا يملكون ملابس أصلا في ناد "مرحلي" واحد!. إنه أكبر النوادي العالمية الشعبية في التاريخ!. لماذا؟ لأن العضوية فيه قسرية، لا قيمة لموافقة العضو أو معارضته لها! هذا النادي ضرب عرض الحائط كل المستويات والدرجات. تجد فيه رجلا بسترة إيطالية فاخرة، وآخر لاشيء يستره! الأزمة الاقتصادية "الشعبية" العالمية، وضعت الجميع تحت سقفها الضارب في الأفق. لم تترك شيئا إلا وانتهكته، ولا مجالا إلا واقتحمته، ولا أملا إلا ودمرته. وحتى في مرحلة الانتعاش الهش، يظل الدمار ولفترة طويلة جدا قابعا في كل الأمكنة. فالمشهد لن يتجمل من جراء تعاف هش هنا وآخر هناك، وبالطبع لن يزول بالتطمينات ولا بالمسكنات. لن ينتهي إلا بعمليات جراحية لن تنجح إلا باستئصال مسببات الوباء.
قبل عام تقريبا كتبت مقالا تحت عنوان "ضخ وشح"، تناولت فيه مصير المساعدات التي تقدمها الدول المانحة إلى تلك "الممنوحة". قلت فيه : تستطيع الدول الكبرى المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية الخارجية، أن تعلن – بصوت ليس خفيضا- بأن حجم هذه المساعدات سيتراجع إلى أجل غير مسمى. وتستطيع هذه الدول أن تنتقد المنتقدين وتقول: "لا توجهوا اللوم إلينا.. نحن في أزمة". وتستطيع أن تردد المثل المصري الشعبي المعروف "ما يحتاجه البيت.. يحرم على الجامع". ولكن هل تستطيع (والعالم معها) تحمل تبعات تراجع مساعداتها؟. وهل بإمكانها احتواء المصائب التي ستنجم عن تدني المساعدات؟. وهل تقدر الدول المانحة، "القنبلة الاجتماعية" التي ستنفجر عندما تخفض من مستوى معوناتها؟. وقبل هذا وذاك، هل يتحمل العالم استفحال أزمة كبرى، في ظل أزمة أكبر منها؟.
الجواب جاء من منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي Organisation for Economic Co-operation and Development المعروفة اختصارا بـ " أو.إي.سي.دي". ماذا تقول المنظمة التي تتخذ من باريس مقرا لها؟: "إن تعهدات الدول الغربية لمساعدة الدول الفقيرة خلال العام 2010 سوف تتراجع، رغم وصول إجمالي التعهدات الدولية إلى مستوى قياسي". وتتوقع المنظمة، أن لا تحصل الدول الإفريقية على نصف المساعدات التي تعهدت بها الدول الصناعية الثماني الكبرى في قمتها باسكتلندا قبل خمس سنوات وكانت بحدود 25 مليار دولار أميركي. لقد تعهدت 15 دولة في العام 2005 بتخصيص 0,51 في المئة من إجمالي ناتجها القومي عام 2010 لمساعدة الدول الفقيرة. وعلى الرغم من أن دولا مثل السويد والدنمارك وهولندا، سوف تقدم مساعدات تتجاوز تعهداتها، فإن دولا أخرى لن تفي بالنسب المتفق عليها، وفي مقدمتها فرنسا التي ستقدم 0,45 في المئة وألمانيا 0,40 في المئة والنمسا إلى 0,37 في المئة وإيطاليا 0,20 في المئة، من إجمالي الناتج القومي. وعلينا أن نعرف أن دولتين هما فرنسا وألمانيا تساهمان بحوالي 37 في المئة من إجمالي ميزانية برنامج مساعدة الدول الفقيرة!. باختصار سيكون هناك عجز يصل إلى 12 مليار دولار لعام 2010 بين المساعدات "الموعودة" والفعلية.
لا نشكك بنوايا الدول المتقدمة الثرية، ونفهم معها " أن الذي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، ونتفق أيضا بأن إنقاذ المؤسسات في هذه الدول، هو مسؤولية وطنية حتمية، فلا يمكن أن تسمح حكومات بانهيار مؤسسات، أصبحت تمثل في الواقع رموزا شكلت النسيج السيادي في بلدانها. ولكن المسؤولية الوطنية (لاسيما في الدول الكبرى) توازيها مسؤولية عالمية، لا مجال للهروب منها، ولا يمكن التخلص من استحقاقاتها. إنها مهمة الكبير إذا ما أراد أن يكون كبيرا. ولأنها كذلك، فلا يمكن أن تتساوى مسألة إنقاذ مصرف أو مؤسسة، مع قضية توفير مياه الشرب – لا الاستحمام – في دولة (أو مجتمع) تصل فيها قيمة الأمطار إلى قيمة الألماس!، وتستحيل المقارنة بين فقدان الدواء لعلاج مرضى الإيدز – مثلا – في دولة ما، وبين تراجع مبيعات السيارات في الدول الثرية. وهل يمكن أن نقارن بين الكوارث المولودة من الحروب - وتلك الطبيعية – وبين المشاكل التي يعاني منها قطاع السياحة في هذا البلد أو ذاك؟!. الدول المتقدمة الثرية تعرف تماما، أنها لا تستحق هاماتها في عالم لا توجد فيه هامات أخرى. وإذا لم يفهم هذا القوي هذه المقاربة، فإنه لن يختلف عن شخص خاض سباقا بمفرده.. لكنه احتل المركز الثاني!!. ولمن نسي من أولئك الذين يُحمِلون الأزمة الاقتصادية العالمية مسؤولية " التقتير" المالي، أقول: هناك امرأة في مكان ما من هذا العالم، تموت كل دقيقة أثناء الولادة، وهناك 72 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس، وهناك 1,02 مليار جائع، وهناك طفل واحد من كل 6 أطفال مصاب حتى أذنيه بآفة عمالة الأطفال!
يقول كبير مستشاري مؤسسة "أوكسفام" الخيرية البريطانية الكبرى في أعقاب إعلان "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي" عن عدم إيفاء الدول المانحة بتعهداتها للعام 2010 : "تلك الوعود التي لا يتم الوفاء بها، لا تقل عن كونها فضيحة". والواقع أن الفضيحة ليست وليدة الأزمة الاقتصادية العالمية، بل سبقتها بسنوات عدة. فقد تراجع حجم المساعدات الأميركية للدول الفقيرة في عهد إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن إلى مستويات مُخجلة، ساهمت في "تصغير" الولايات المتحدة التي قزمتها أصلا سياسات إدارة بوش على مدى ثماني سنوات. أما مساعدات الدول المانحة الأخرى فقد شهدت هي الأخرى تراجعا ملحوظا، لم يصل بالطبع إلى مستوى تراجع مثيلتها الأميركية. فعلى سبيل المثال تراجعت مساعدات الاتحاد الأوروبي الخارجية في العام 2007 التي بلغت 46,1 مليار يورو (اليورو يساوي 1,2 دولار أميركي تقريبا) أكثر من 1,7 مليار يورو مقارنة بحجمها في العام 2006!. أي أن الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد لم تف بكامل تعهداتها قبل الأزمة. وهذا المبلغ المستقطع يمكن أن يمول – حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي- بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى.
لا يمكن مقارنة الكرم الأوروبي بـ "الكرم" الأميركي في عهد بوش الابن. فالمقارنة تظلم الأوروبيين، وتمنح واشنطن تحت بوش تقديرا لا تستحقه. لكن هذا لا يلغي حقيقة تراجع المساعدات الأوروبية في الوقت الذي تحتاج فيه الدول الفقيرة كل شيء تقريبا، في زمن الأزمة التي لا دخل للدول المحتاجة في ارتكابها. إنها أزمة مُصدَرة من بلدان المساعدات. من واشنطن من طوكيو من لندن من باريس من برلين من روما وغيرها. وقد أصبح واضحا للجميع، أن "شماعة" الأزمة لم تعد تحتمل المزيد من المبررات أو الحجج، فقد أُثقلت بما يكفي منها. فالأزمة "تحملت" الكثير، بعد أن حملت العالم الكثير أيضا. لكن هذا لا يعني على الإطلاق الهروب من المسؤولية، بل على العكس تماما، تمسي المسؤولية ضرورة حتمية في وقت الأزمات والمحن، وليس فقط في زمن المسرات.
إن قنابل التدمير الشامل لا تصنع فقط من اليورانيوم المخصب، بل تصنع أيضا من حرمان البشر من حقوق إنسانية بسيطة الماء والطعام والدواء أجزاء أساسية منها، لكن الكرامة تقف على رأسها.
يقول الكاتب البريطاني تشارلز لامب: "لا أعرف غبطة أعظم من أن أُسدي يداً في الخفاء، ثم ينكشف أمرها مصادفة". هل هناك أعظم من هذا الشعور؟!. محمد كركوتي m@karkouti.net