واشنطن تنقلب على المساءلة والعدالة بالعراق

بقلم: د. فاضل البدراني

ما يجري على الساحة العراقية من تجاذبات وخلافات بالوقت الحاضر يمثل اقصى درجات النزاع السياسي بصبغته الطائفية ومسارا خاطئا لمكونات العملية السياسية اجمال.
وأضحى عنوان مرحلة اعادت البلاد من جديد الى المربع الاول من التدهور الامني والسياسي وارتفاع صوت الاتهامات بين الشركاء السياسيين، وأفرزت تداعياتها شللا اصاب الفعاليات الحياتية للمجتمع العراقي بالصميم. ولكن الاهم في ذلك كله النتيجة التي اصبحنا ندرك وجهها الحقيقي والمتمثلة على ما يبدو في الغاء ابرز لجنة سلطوية بصلاحيات فوق المطلقة مارست في الاسابيع الاخيرة دورا مرعبا ضد الكتل والشخصيات السياسية وجماهيرها واربكت كثيرا مسيرة العملية السياسية في ظل الانشغال بالانتخابات التشريعية، تلك هي لجنة "المساءلة والعدالة" وريثة "لجنة اجتثاث البعث " التي شكلها الحاكم المدني الاميركي للعراق بول بريمر واصبح رئيسها احمد الجلبي ابرز حلفاء واشنطن حتى بداية الغزو في 2003.
ان النتيجة التي نحن بصددها الان كما يتضح هي الغاء الولايات المتحدة للجنة المساءلة من خلال توصيات نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الذي ابلغ المسؤولين العراقيين بحلها والغاء جميع قراراتها المتمثلة بابعاد اكثر من 500 شخص من الترشيح للانتخابات التشريعية المزمع خوضها في السابع من اذار/مارس المقبل. وحتى هذه اللحظة فان مجلس رئاسة الجمهورية في العراق وفق التصريحات والدلائل الاولية تشير الى عزمه لالغاء اللجنة مع قراراتها مرغما لا مخيرا. ان قرار الالغاء كان اجراء اميركيا بامتياز وليس رغبة عراقية وبدايته كانت بتحرك اميركي بدأه بايدن باعتباره صمام الامان للعملية السياسية بالعراق من خلال موقعه كنائب للرئيس عندما اجرى اتصالا هاتفيا مع جلال طالباني وهو في السليمانية وطلب منه العودة فورا الى بغداد واتخاذ قرار في مجلس الرئاسة يوقف اجراءات اللجنة. وواضح ان الاتصال الهاتفي الاميركي لم يختص طالباني بل شمل نائبيه طارق الهاشمي وعادل عبدالمهدي وكذلك رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي لان مكتب الاخير سرب معلومة تزامنت مع تصريحات مجلس الرئاسة تفيد بان مجلس الوزراء يرى ان هيئة العدالة والمسائلة لم تشكل بعد كون البرلمان لم يصادق على اعضائها وبالتالي فان اي قرارات تصدر عنها تكون غير دستورية.
وهنا الفرق بان يكون القرار عراقيا خالصا وبين ان يكون قرارا اميركيا مفروضا بامتياز، لان قبل هذا الوقت كان مجلس الوزراء يتبنى قرارات لجنة المسائلة من خلال تصريحات صدرت عنه تنتقد من يشكك بشرعية وجودها وتصر على تطبيق توصيات الاجتثاث التي طالت مئات الشخصيات على اساس انها ترتبط بالنظام السابق او بالبعث المحظور وان ما بين اخر تصريحات للحكومة مع تصريحاتها السابقة حيال لجنة المسائلة فانها توضع نفسها في تناقض كبير لا تفسير له سوى انعدام السيادة والخيار العراقي.
ان المتفحص لهذه الفترة الحرجة التي ضاعفت لجنة الاجتثاث من وطأتها على حياة العراقيين عندما شطبت على جزء مهم وركن اساسي من اركان العملية السياسية بطريقة وصفها المشمولين بانها قرارات سياسية لا قانونية من طرف جهة لاحزاب سياسية تتشكل منها الحكومة تستهدف ابعاد المنافسين لهم من ممارسة دورهم ضمن حلبة التنافس الانتخابي على مقاعد مجلس النواب المقبل خاصة وانها اثرت على خيارات الناخب العراقي وخلقت امامه حالة ضبابية أوصلته لخيار وحيد هو رفض المشاركة بالانتخابات.
لكن المراقب للشأن السياسي العراقي اصبح متعثرا أكثر من أي وقت مضى بخطايا القوى السياسية المتناحرة فيما بينها حول أحقية اراء كل منها ضد الاخر لمصالح شخصية ضيقة على حساب المصلحة العليا، واذا كان الاتحاد الكردستاني والائتلاف العراقي الموحد وائتلاف دولة القانون يتمسكون بابعاد كل نائب برلماني او شخصية تعارض توجهاتهم خارج العملية السياسية ووجدوا في لجنة المسائلة والعدالة افضل فرصة لهم في اضيق وقت يقف امام ضحايا قراراتها للدفاع عن انفسهم بطرقة اعتبرت قانونية بنظرهم، ففي الجانب الاخر تصطف كتلة العراقية الوطنية باطرافها المشكلة منها والبالغة 63 كيانا وكتل صغيرة اخرى امام خصمهم متخذين من إشكالية شمولهم بالاجتثاث فرصة لاضعاف الخصم امام الجماهير بالتركيز على عدم شرعية لجنة المسائلة والعدالة وتبيان الكثير من الخروقات سيما وان البلد يدخل في متاهات التعبئة او التوجيه للناس والتركيز على اية سلبية يتعثر بها الخصم الاخر.
هذا الوضع في بلد تكون السياسة شرارة العنف الدموي الذي يتواصل بقضم اجساد العراقيين في ابشع مسلسل قتل جماعي يستهدف ارواح الابرياء في جميع المدن. ومعروف للكل بان القرار السياسي والخيارات الرسمية العراقية ليسا في يد العراقيين فهنالك الكثير من الخروقات الدولية والتأثيرات الخارجية وليس الامر عند هذا الحد فان هنالك الكثير من الخروقات الاجرامية التي تنفذ بدفع من قوى خارجية ليس من مصلحتها استقرار الوضع بالعراق والامر الاخر قيام جهات عراقية مسؤولة في الدولة العراقية تمارس نفس هذه الاجراءات والخروقات وملفاتها موجودة لدى الاجهزة المختصة ولكن تعودنا في العراق ان نتفرج على ساستنا وقادتنا ينهون مشاكلهم بالسكوت عن جرائم بعضهم البعض بصفقات تسوية جماعية بمعنى "تسكت عني أسكت عنك" اما الاطراف الخارجية فان ساحة العراق مباحة لها لتنفيذ الجريمة، وحيال هذا الوضع فان مصلحة الوطن غائبة تماما.
اذا غياب الشعور الوطني دفع المتصارعين من السياسيين الى استمرار جولات صراعهم تاركين الشعب بدون خدمات يتدبر امره بنفسه، لكن الشعب ليس عائلة او مجتمع قرية او حي سكني صغير حتى يكون الضرر اقل فانه تعداده يبلغ 31 مليون نسمة تائه.
ان رأي الشعب واضح ليس مع الانتخابات حتى هذه اللحظة لانه في حالة المشاركة بالانتخابات سوف يختار كتلا لم تقدم له نفعا وعلى مدى سنوات انشغلت بصراعات جانبية طائفية واذا كانت بالامس القريب سمكا صغيرا فانها اليوم تحولت الى قرش مفترس يحاول ان يقضم اخرين بقرارات واتهامات وجرائم غريبة وعجيبة. ولسان حال العراقيين اليوم هو ليس ما كان عليه بالامس، فاصبحت لديهم تجربة في الاختيار وفي تفنيد الاكاذيب وغيرها من الممارسات السياسية المؤذية لمصالح الوطن العليا.
ولابد من القول بعيدا عن الميول والعاطفة الشخصية فان لجنة المساءلة والعدالة بالاساس ملغاة دستوريا لان البرلمان فشل لاكثر من مرة بان يصوت على وجود كيانها او نظامها الداخلي، مضافا لذلك فانها وريثة للجنة الاجتثاث التي اوجدها بول بريمر. والغريب ان المدافعين عن قراراتها يهددون الامم المتحدة والولايات المتحدة التي عينت بريمر حاكما مؤقتا للعراق لمدة سنة عقب الغزو باجراءات قانونية عندما اعتبروا قراراتها غير شرعية واعتبروا ذلك تدخلا خارجيا سافرا من شانه ان يضر بالممارسة الديمقراطية بالعراق.
ولكن السؤال المطروح اين هو الخيار الديمقراطي المزعوم بالعراق اذا كان الجميع ينهش بلحم الاخر وكل طرف يتفحص زلة لسان هذا الطرف أو ذاك وماكنة التخوين تعمل باستمرار ضمن مشروع الاقصاء الطائفي، ان هذا بكل تأكيد يخالف مبدأ الخيار الديمقراطي الذي ينشأ ويترعرع في بيئة متسامحة متعاونة بعقول سليمة شفافة ومرنة. وهذا يذكرنا بالقول المأثور "العقول السليمة تنشا في بيئة سليمة" لكن ذلك يخالف الواقع العراقي الذي ينتمي لبيئة ملوثة برائحة الاحتلال الاميركي الذي اوجد عملية سياسية مصابة بمرض سرطاني لا يمكن علاجها مطلقا.
ان تدخل نائب الرئيس بايدن وهو صاحب مشروع تقسيم العراق المريب في الغاء لجنة الاجتثاث لا يعني انه انقذ العملية السياسية من ورطة ولا يعني انه انصف كتلا وشخصيات وطنية بارزة بالعكس فان تدخله يعني ان العمل السياسي العراقي ما يزال في يد الولايات المتحدة وان مجرد تدخله لاعادة شخصيات كادت ان تحرم من الانتخابات يعني ان سمعتها تلوثت بتدخل بايدن لاجلها، وهذا يؤكد للعراقيين بان نتائج الانتخابات المقبلة لن تحقق لهم الطموح المنشود بالتغيير حتى لو حصل للمبعدين عن الانتخابات الفوز بنتيجتها، لكن برغم كل هذه المساوئ فان العراقيين مدعوون لاختيار الاصلح ولا سيما الوجوه الجديدة المعروفة بالنزاهة والاعتدال السياسي والولاء الوطني. د. فاضل البدراني