تركيا والاسلام الليبرالي.. الصعود الحيوي (4)

بقلم: سمير عبيد
الدعم التركي للبرزاني من دون الطالباني

البرزاني قلق من الطالباني وإيران ... ويراهن على دعم أنقرة

التوغل والتمدد التركي في شمال العراق سيزيد الأمور تعقيداً، وسوف يتصاعد تماشيا مع اتفاقيات سرية بين أنقرة والبرزاني هذه المرة، ولهذا سارعت أنقرة لعقد أتفاق استراتيجي مع إقليم كردستان في شمال العراق، وتحديدا في الأيام الأخيرة من عمر حكومة الإقليم التي كان يديرها أبن شقيق رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني وهو نجيرفان البرزاني وقبل أن يسلم المهمة إلى الدكتور برهم صالح وهو الساعد الأيمن لزعيم حزب الاتحاد الكردستاني جلال الطالباني.
حيث ستعمد تركيا إلى معاودة تقديم الدعم للبرزاني على حساب الطالباني المدعوم إيرانياً، وهذا سيدفع إلى عودة الصراع “الطالباني- البرزاني” القديم من خلال إحياء الثأر الذي يمتد لعقود خلت، خصوصا وأن هناك ملفات عالقة وهي شائكة جدا، ولن نستبعد بأن هناك يد لواشنطن و للبرزاني في دعم انشقاق مجموعة “التغيير” عن حزب الطالباني ليس حبا بهؤلاء بل لكي يتم صنع قوة ثالثة في شمال العراق تكون عازلة بين معاقل البرزاني في أربيل من جهة، ومعاقل الطالباني في السليمانية من جهة أخرى!.
علما أن هذا الصدام الحتمي قد أجله مسعود البرزاني عندما عقد صفقة سرية مع “الائتلاف الشيعي” بدعم جلال الطالباني رئيسا للعراق، وبهذا أنقذ البرزاني شمال العراق من معارك سياسية وعسكرية وثأرية، ولكن على حساب حقوق العرب في بغداد الذين فقدوا منصب الرئيس، ومنصب وزير الخارجية نتيجة هذه الصفقة التي جاءت بالضد من حقوق السنة العرب في العراق فيما لو تكلمنا عن المحاصصة التي فرضت في العراق!.
فالبرزاني عرف جيدا بأن الصدام مع الطالباني سيذهب مشروع توحيد الإدارتين الكرديتين بقيادة البرزاني أدراج الرياح، رغم التحضيرات منذ مطلع العام الحالي، ولكن يقظة العرب ــ السنة والشيعة ــ حول رفض استمرار الهيمنة الكردية على منصب الرئيس ووزير الخارجية أقلق البرزاني جدا وصار الصدام كابوسا مزعجا له لأنه سيساهم في عودة الاقتتال الكردي- الكردي الذي يوازيه الاقتتال الشيعي- الشيعي في جنوب ووسط العراق، فسارعوا في يناير عام 2010 إلى خطة “الاجتثاث” من خلال قرارات لجنة ـ المسائلة والعدالة ـ والتي هي لجنة غير دستورية، لأنها لم تحظى بتصويت وتأييد البرلمان، ولكنها أصدرت قراراتها بدعم كردي وشيعي لاجتثاث أكثر من 550 مرشحا على رأسهم السياسي السني المعروف ـ صالح المطلق ـ وهو المرشح إلى أحد المنصبين “الرئيس أو وزير الخارجية” وأنتفض من هناك الطالباني وباتفاق مسبق، ولكل طرف دوره في هذا المخطط فطالب باجتثاث النائب السني ـ ظافر العاني ـ الذي وجه انتقادا للطالباني ولبعض الأطراف الشيعية، ولكن الهدف هو منع العاني من الوصول إلى منصب وزير الخارجية وبنفس الوقت إبادة الرموز السنية سياسيا، والأمر عبارة عن مسرحية سمجة لخلط الأوراق والعودة إلى ما قبل عام 2005 أي العام الذي جرت فيه الانتخابات العراقية لولادة حكومة نوري المالكي من خلال صفقة سرية بين الحزبين الكرديين من جهة والأحزاب الشيعية “التي آمنت بالطائفية” من جهة أخرى.
ولكن هذا الأمر حسبت له الإدارة الأميركية حسابا فوضعت له إستراتجية جاهزة، فهو الأمر الذي يسهّل للقوات الأميركية بسط نفوذها، وإعادة احتلال العراق مجدداً أي العودة للمدن العراقية عند حدوث الخلل الأمني والذي بات متوقعا، وسوف تساعدها مجالس الصحوات والإنقاذ السنية التي ستقف حَكَماً بين قتال طرفي الحلف الشيعي- الكردي المدعوم إيرانياً.
فالولايات المتحدة تعاني الألم من الصفقات السرية بين الحزبين الكرديين والأحزاب الطائفية “الشيعية” وتراها سببا رئيسيا في تحطيم سمعة الولايات المتحدة في العراق والمنطقة كلها،لأن الجانبيين يبحثان عن مخططاتهما الحزبية، وعلى حساب الولايات المتحدة، وليس هناك اهتماما بالمواطن العراقي ومستقبل العراق!.
وهذا سيبطل أحلام ومخططات القادة الأكراد وتحديداً البرزاني الذي دفع بغريمه الطالباني إلى رئاسة العراق الفخرية، وبقي متربعاً على عرش كردستان العراق، ولهذا السبب ستسارع تركيا لاستباق تلك الأحداث التي سترغم إيران على التدخل في شمال العراق لصالح أحد القياديين والحزبين الكرديين، وتقطع الطريق على أي تدخل إيراني. . أي أن أنقرة تراقب عن كثب ومن البصرة حتى أربيل، ولن تسمح لإيران ببسط مشاريعها في العراق، وهناك اتفاقيات بين أنقرة وواشنطن في هذا الاتجاه!.

واشنطن أجبرت أنقرة على تقسيم الأكراد وضبط إيقاعهم!
وتفسر تلك الخطوة التي قامت بها وزيرة الخارجية الاميركي كوندوليزا رايس في زيارتها إلى أنقرة عام 2007 لتسوق حلا ـ دبلوماسياـ يقوم على تقسيم الأكراد إلى إرهابيين” تقف واشنطن إلى جانب أنقرة ضدهم، والى “غير إرهابيين” تطلب واشنطن من أنقرة الوقوف إلى جانبها في دعمهم من أجل نزع فتيل حرب كردية - تركية بين حلفائها في شمال العراق، وهو حل ينقذ كرد العراق من نتائج قرار وافق عليه البرلمان التركي بحسم عسكري ينهي مشكلة تحويل كردستان العراق إلى قاعدة لعمليات رجال العصابات الأكراد ضد تركيا.
و زيارة رايس لأنقرة ثم مشاركتها في اجتماع إسطنبول سلطا الأضواء على دور الولايات المتحدة في تفجير الأزمة الكردية التركية، وقد استنفرت واشنطن أمين عام الأمم المتحدة ـ بان كي-مون ـ ومسئول السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي خافير سولانا لحضور مؤتمر اسطنبول لدعم حلها “الدبلوماسي”، مما يشي بمدى الخطر الذي تستشعره واشنطن على مشروع احتلالها للعراق من احتمال اندلاع حرب كردية - تركية.
وقد أعلنت رايس في أنقرة أن حزب العمال الكردستاني التركي “بي كيه كيه” المصنف ـ منظمة إرهابيةـ في واشنطن هو “عدو مشترك” للولايات المتحدة وتركيا والعراق، والغريب أن جلال الطالباني ومسعود البرزاني وغيرهما من قادة الكرد العراقيين، الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها احتجاجا على توجه مماثل لحكومة نوري المالكي في بغداد لأنه لم يستشرهم في هكذا توجه، ولأنه بعث وزير داخليته إلى أنقرة ليوقع اتفاقا معها في هذا الإطار “من وراء ظهورهم”، لم يجدوا ما يقولونه اعتراضا على تصريحات الوزيرة رايس أو تأييدا لها حين قالت إن ـ لدينا عدو مشترك ونحن بحاجة إلى مقاربة مشتركةــ وأضافت: لا ينبغي لأي كان أن يشك في التزام الولايات المتحدة بهذه القضية.
ولقد شهدت السنوات القليلة الماضية محاولات تركية عراقية لاحتواء التمرد وتطويق الأزمة، كان منها “بروتوكول تعاون لمكافحة الإرهاب” بين حكومتي العراق وتركيا في آب ـ 2007.. ثم الاتفاقية الأمنية لـ”محاربة المتمردين الأكراد الترك في كردستان العراق” في أيلول ـ 2007 .. وفي 16 تشرين الأول 2007 أعلن “نائب رئيس الجمهورية العراقي” طارق الهاشمي عن توقيع مذكرة تفاهم عراقية تركية تتضمن منح الحكومة العراقية فرصة زمنية لمنع النشاطات الإرهابية عبر الحدود.. و ـ إذا لم تتمكن الحكومة العراقية من القيام بمسئولياتها فسيحق لتركيا عندئذ إن تفعل ما هو ضروري لحماية مصالحهاـ.
وبحسب تصريحات طارق الهاشمي، إن المدقق في المشهد العبثي القائم يرى من بين السطور الأصابع الاميركية في الأزمة، فيما يسمى بإستراتيجية “الفوضى الخلاقة الاميركية”.. إنه إرهاب ترعاه واشنطن في العراق، وفي معمعة الحرب الكلامية الدائرة حاليا بين الأتراك والأكراد ووسط لعلعة الرصاصات الأولى في القتال بين الطرفين تكاد تضيع حقيقة أن الصاعق الذي فجر الأزمة الراهنة كان أميركيا، ولكن السؤال: هل سيلعلع الرصاص قريبا وبنفس الصاعق؟ الجواب: نعم، هناك صواعق كثرة وكل صاعق أخذ التوقيت الخاص به أي لحظة الانفجار!.

واشنطن واللعبة المزدوجة في الملف الكردي!.

يقول ريس إيرليش الصحفي والمنتج الإذاعي المستقل، ومؤلف مشروع كتاب بعنوان أجندة إيران: القصة الحقيقية لسياسة الولايات المتحدة وأزمة الشرق الأوسط في تقرير له نشره في “موذر جونز” مؤخرا إن مصادر كردية وأميركية أكدت له أن الولايات المتحدة تدعم غارات يشنها رجال عصابات ضد إيران، وتمدهم بالمال عبر منظمات داخل كردستان العراقية، ويضيف، كما نقلت عنه “تيركيشويكلي. نيت”: عندما كنت في شمال العراق تأكدت بأن ذلك النوع من النشاط مستمر من الأراضي العراقية الخاضعة للسيطرة الكردية… وفي تعليق له على نفي حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة الاميركية لوجود رجال عصابات كهؤلاء قال إيرليش: إن مكالمتين بالهاتف النقال، والذهاب بالسيارة إلى الجبال تكفي لدحض نفي علم الحكومتين بوجودهم. وتحقق إيرليش بنفسه من وجود معسكرات لحزب العمال الكردي “بي كيه كيه” ولحزب الحياة الحرة لكردستان “بي جيه إيه كيه” التابع له للعمل في إيران.
وأضاف أن الـ “بي كيه كيه” قبل حوالي سنتين انقسم إلى أربعة أحزاب يعمل كل منها في العراق وتركيا وإيران وسوريا لكن الأحزاب الأربعة هي في الأساس جزء من التنظيم الأم، لكن الولايات المتحدة لا تعترف بالفرع التركي بسبب علاقات واشنطن الإستراتيجية مع أنقرة، ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، غير أنها تدعم الفرع الإيراني لل”بي كيه كيه” إن ثمة ثلاثة أطراف مشتبه بها تتقاسم الآن بشكل غريب هدفا واحدا على امتداد المثلث الكردي على طول الحدود العراقية- التركية الإيرانية..فهناك:
أولا: حزب العمال الكردستاني الذي هاله التقارب الاقتصادي الكبير بين تركيا وكردستان العراق “80 في المائة من الاستثمارات الأجنبية في الإقليم تركية” والذي أفزعته كذلك التيارات الكردية المعتدلة التي تفرزها الآن التجربة الاوردوغانية الإسلامية، فقرر تقويض كل ذلك بإشعال حريق كبير.
ثانياً: المؤسسة العسكرية التركية التي تبحث منذ خمس سنوات عن فرصة لنسف كل الإصلاحات الدستورية التي ينوي حزب العدالة والتنمية التركي ذو الجذور الإسلامية إدخالها، وعلى رأسها وضع دستور جديد يحل مكان دستور 1982 الذي فرضه العسكر، يحد إلى درجة كبيرة من دور الجيش في الحياة السياسية... وبالطبع، الحرب ضد الاكراد مدخل ممتاز لإعادة فرض جدول أعمال العسكر على برامج المدنيين الإسلامويين.
ثالثا: الولايات المتحدة التي تمارس سياسة أقل ما يقال عنها أنها سياسة ـ ميكافيلية ـ إلى أقصى الحدود، فهي من جهة تندد بقوة بحزب العمال الكردستاني الذي قتل خلال شهر واحد أكثر من 50 تركياً بين عسكري ومدني، ومن جهة ثانية تغَل يد تركيا وتمنعها من شن عملية عسكرية واسعة النطاق داخل منطقة كردستان العراق الجبلية الوعرة. و يدخل ذلك ضمن إطار خطة الفوضى الخلاقة التي أقرتها واشنطن كسياسة يجب أن تفعل تجاه دول الإقليم.

كل من هذه الأطراف الثلاثة يلعب دوراً كبيراً في قذف العديد من العيدان المشتعلة قرب برميل البارود الكردي، لكن الأخطر بينها هو الطرف الأميركي، ويرى بعض المحللين الأتراك في مقالات نشرتها صحيفة “توداي زمان “ ومجلة ”تيركيش ويكلي“، أن نذر عاصفة عاتية وزاحفة تحلَق الآن بخطر فوق العلاقات بين هذين الحليفين الإستراتيجيين التركي والأميركي اللذين يمتلكان أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي... وأن السب الرئيسي بهذا هي الملفات الجاهزة للاشتعال: الأرمن والأكراد، على الجانب التركي، والعراق وإيران والإستراتيجيات العليا على الجانب الاميركي.

الورقة الأرمنية... واللوبي اليهودي!
يمكن القول بكل ثقة إن القضية الأرمنية لم تكن لتبقى قضية، لولا الشتات “الدياسبورا” الأرمني في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. فالمهاجرون الأرمن في أوروبا وأميركا، هم الذين عملوا بجد وصبر ونشاط، وما زالوا، على إبقاء ما يسمونه "المذابح الأرمنية" أو "حرب الإبادة" في تركيا العثمانية العام 1915 في الذاكرة الحية.
إلا أن الدياسبورا شكلت خصوصاً "النافذة الوحيدة المفتوحة على العالم الخارجي" خلال أعوام الحرب الصعبة في إقليم كاراباخ... وفق الإحصاءات، يعيش العدد الأكبر من الأرمن المغتربين في روسيا “مليونا شخص” لكن الجاليات الأكثر أهمية في الغرب موجودة في الولايات المتحدة “مليون شخص” وفرنسا “بين 350 ألفاً و400 ألف شخص.. ويشير البروفسور فلاديمير باهوداريان، من أكاديمية التاريخ، انه من بين كل الجاليات الأرمنية الشرق الأوسطية، تتميز جاليات لبنان وإيران وسوريا بنشاطها الكبير.
فعلى سبيل المثال، عدد الصحف الأرمنية التي تصدر في لبنان يفوق عدد تلك التي تصدر في أرمينيا السوفياتية، وهناك ثمة اختلافات ثقافية جذرية بين أرمني من فرنسا وأرمني من إيران، أو بين أرمني من أميركا وآخر من لبنان، إلا أن ما يجمعهم ويمنحهم هوية مشتركة، هو علاقتهم بالتهجير العنيف الذي عاناه الشعب الأرمني في الأناضول تحت حكم الأتراك، في كواليس الحرب العالمية الأولى، ويُعتبر هذا الأمر إبادة جماعية في الوعي الأرمني الجماعي، وقد أحيا البابا ذكرى الضحايا أثناء زيارته البلاد، واحتفل بقداس رتّل خلاله أمير الأغنية الفرنسية شارل أزنافور، وهو الأكثر شهرة في سلالة الأرمن، الآفي ماريا.
فما حدث في ذلك العام واقعة تاريخية غامضة، فالأرمن يقولون أن العثمانيين قتلوا ما بين مليون ومليون ونصف أرمني لـ"تنقية" ما يعتبرونه أراض تركية من أي مطالب إقليمية فيها، فيما يقول الأتراك أن ما وقع تلك السنة، لم يكن سوى حلقة أخرى من سلسلة حلقات الأزمات التي خلقتها القوى الإمبريالية المتصارعة على تقاسم العالم خلال الحرب العالمية الأولى، عبر تحريك ورقة الأقليات... الروس، آنذاك، هم الذين حرضَوا العصابات والميليشيات الأرمنية على التمرد والاعتداء على مواطنيهم العثمانيين الأتراك والأذريين، فردت السلطات العثمانية بقتل بعض الأرمن”أنقرة تضع الرقم بين 30 إلى 50 ألفاً” وإعادة توطين بعضهم الأخر في مناطق وبلدان أخرى.
الحقيقة في هذا الجدل التاريخي تحتاج إلى لجنة مؤرخين دولية تخصصية، تقوم بإعادة قراءة الأحداث على أسس جديدة ومحايدة، لكن اللوبي الأرمني القوي في الولايات المتحدة، خاصة في ولاية كاليفورنيا، لا يؤمن لا باللجان ولا بالتحقيقات، إنه واثق بأن حرب الإبادة وقعت، وكل ما يحتاجه الأمر هو أن تعترف تركيا بها، ولأنه واثق، يعمد عشية كل انتخابات رئاسية أميركية إلى طرح هذه القضية كشرط لدعم مرشحي الرئاسة.
لذا نعتقد أن هذه القضية وسواء كانت “حقيقية أو مفبركة أو مبالغ فيها” سوف تبقى فتحة بركان مفتوحة لتبتلع تركيا في توقيت ما، ومثلما حدث مع نظام صدام حسين والعراق، وعندما أستخدم ملف استخدام الغازات السامة ضد مدينة "حلبجة" الكردية في شمال العراق، والتي أعطيت أبعادا دولية دخل فيها الكذب والتدليس والطرح والإضافة في المعلومات والأرقام، مع رفض الأكراد إلى اللجان التخصصية والمحايدة، فصنعوا منها هلوكوست كردية، وإبادة أرمنية وبدعم من باريس وواشنطن وإسرائيل ـ اللوبي اليهودي ـ والغرب، فبقيت ملفا ساخنا ومتصاعدا ضد نظام صدام والعراق، وبدعم من واشنطن والغرب حتى جاءت الفرصة أو التوقيت فكانت حلبجة سببا بغزو العراق وإدخاله في مشروع الفوضى الخلاقة، وجعله قلب مشروع الشرق الأوسط الجديد، ولهذا نتوقع لتركيا الأمر نفسه، ولكن قد يستغرق وقتا فيما لو بقيت الولايات المتحدة بقوتها أولا، وبإصرارها على مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولكن في حالة بروز تركيا كقوة إقليمية “دولة عثمانية جديدة” قد يتعذر هذا، وحينها ربما سيتم الإعداد السري لإقحام أنقرة بحرب ضد الصعود الإيراني، فيما لو رفضت أنقرة الانخراط في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهذا أمر مستبعد لأن تركيا حليفا رئيسيا لإسرائيل، ومن ثم هي ركن أساسي من أركان علاقات واشنطن في منطقة الشرق الأوسط وروسيا والقوقاز، ناهيك أنها رأس حربة حلف الناتو!!.
ما كان يحدث طيلة السنوات الخمسين الماضية أن الملف الأرمني كان يطوى بسرعة، مباشرة عبر استقرار غبار معركة الانتخابات، لكن هذا العام طرأ تطور جديد: الملف فتح ولم يغلق، بل هو تحَول إلى قرار أقرَته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، وسوف يعرض للتصويت أمام المجلس برمته، وهذا بحد ذاته نوع من الابتزاز ضد تركيا لكي تقدم التنازلات، وتدعم مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.

يهود الولايات المتحدة " إيباك" ولعبة الأرمن
هذا التطور كان كبيراً وجديداً، لكنه لم يكن مفاجئاً، إذ سبقه قبل نحو الشهرين من تحريكه بيان من مجموعة الضغط اليهودية الأميركية "إيباك" يؤكد أن المذابح الأرمنية كانت "حرب إبادة " بالفعل، وهذا ماتم حول ملف “حلبجة“ الكردية ضد العراق ونظام صدام، هذه كانت المرة الاولى التي يدير فيها يهود الولايات المتحدة ظهورهم لتركيا التي يعتبرونها أهم حليف إستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط،وأول دولة إسلامية تعترف بهذه الأخيرة بعد نشوئها، لكن لماذا أتخذ اليهود هذا الموقف؟
حتماً ليس لان ضميرهم أستيقظ فجأة بعد سبات قرن كامل على وقع صراخ أشباح المذابح الأرمنية، ولا بالتأكيد لأنهم باتوا أكثر قرباً من روسيا وجمهورية أرمينيا وجورجيا وإيران في صراعها مع تركيا وأذربيجان حول إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه.. في المسألة شيء أعمق بكثير وأشمل بكثير، شيء له علاقة مباشرة بالإستراتيجيات العليا، وبلعبة الشطرنج الكبرى التي تجري وقائعها هذه الأيام بخطى متسارعة على أرض مناطق الشرق الأوسط- آسيا الوسطى- القوقاز.
وهذا الذي يجري، يعيدنا بخطى متسارعة أيضاً إلى سؤالنا الأول: لماذا تتمازج قضايا الأرمن والأكراد والإيرانيين والعراقيين والأتراك في كوب كوكتيل متفجَر واحد؟.

ببساطة لأن سفينة العلاقات التركية- الأميركية تمر في مضايق مائية خطرة للغاية، وهي خطورة تزداد حدة، حين نتذَكر أن العلاقات بين الطرفين لها تاريخ طويل من الود والوشائج العاطفية، على العكس تماماً من العلاقات العربية- الأميركية التي تدهورت منذ ما بعد معاهدة فرساي في عشرينات القرن العشرين.

سمير عبيد: كاتب عراقي
Sa.obeid@gmail.com