أم الدنيا، سيدة الجدران!

بقلم: د. مصطفى الفيتوري

تحرص الحكومة المصرية على سيادتها فوق أراضيها هذه الأيام كما حرصت على تطبيق "قرارات الشرعية الدولية" أيام حرب العراق الأولى والثانية التي أودت بالعراق ورئيسه، تماما كما فعلت أثناء سنوات الحضر الأميركي على ليبيا أثناء وخلال حصار العراق وتجويعه (الى أن أستقل القذافي طائرته لينزل بها في مصر محرجا الشرعية والحريصون عليها).
وهذا الحرص على السيادة يدعو الى الفخر أحيانا ويدفع المواطن العربي من المحيط الى الخليج الى الزهو أحيانا أخرى كون حكومة "أم الدنيا" تكاد تقيم دنيا خاصة بها في ممارسة السيادة وتطبيق الشرعية الدولية واحترام قوانينها، والأمر في أبسط صوره مكسب عربي اولا وأنساني ثانيا والحكمة ورائه بسيطة: الاحتكام الى القانون والمحافظة على الشرعية من سمات الحكومات المحترمة وليس المزابل مثلا!
في حرص حكومة "سيادة الرئيس" على ممارسة سيادتها تكلف قراراتها الخزينة العامة المصرية عشرات بل مئات الملايين من الجنيهات التي "شحتها" فقراء مصر وجياعها في طوافهم حول العالم من اجل لقمة العيش فادا بها تُهدر على بناء جدار فولاذي مع غزة ويلحق به جدار بحري عندما ينتهي العمل فيها سيظهر أن شارون وجداره مجرد نكتة عابرة وان غباء شارون يحتاج الى دورة تنشيطية قد يجدها من خلفه في القاهرة!
ولعلنا نتذكر أن تلك السيادة هي نفسها التي أعلنت من تحت اعلى أسقفها (رئاسة الجمهورية) السيدة لفني، وزيرة الخارجية الصهيونية سابقا والفارة من وجه العدالة حاليا، أن الحرب على غزة آتية وانها لن تبقي ولن تذر، وكان وزير الخارجية أياه بجانبها!
وممارسة السيادة من قبل "حكومته" يتم بما يخدم ويصون الأمن القومي المصري الذي رآه الراحل عبدالناصر في حدود طهران وعلى تخوم جنوب تركيا وجنوب السودان ويمتد الى نجد في الجنوب الشرقي، وحتى حدود الجزائر الغربية ويشمل ليبيا على أتساعها لتثبت حكومة "سيادته" الحالية إن الرجل، أي عبدالناصر، رحل وهو على معصية تحديد مفهوم الأمن القومي وحدوده فأستغفر للراحل وباركوا للحاضر!
وفي إطار مفهوم ممارسة السيادة على الأرض وما تحتها استبسلت قوات الشرطة المصرية في الأشهر الأخيرة في قتل الفقراء من جياع أفريقيا وجنوب السودان وهم يحاولون التسلل الى دولة إسرائيل لنفس السبب الذي يتسلل من اجله مئات الألوف من تعساء وفقراء أم الدنيا باتجاه ليبيا. ولعنا نتذدكر أيضا أن هذه الأخيرة ارتكبت ذات مرة غلطة تاريخية بمحاولتها تنظيم هذا الزحف باتجاهها فكان أن قال لها الإعلام المصري ووزيرة العمل في حكومة "سيادته": افتحي الحدود بصمت والا أظهرنا خيانتك للقضية أمام الملأ! فكان أن صمت الليبيون، لا عن خوف، ولكن عن طيبة ولإيمانهم بان قطع الأرزاق أفظع من قطع الأعناق والزحف الهادر باتجاههم هو زحف أرزاق أولا وأخيرا!
طبعا هذا النوع من ممارسة السيادة والذود عنها تعدى هذه الحدود البسيطة ليصيب منتهكي السيادة في مقتل. فخذ مثلا غزة وسكانها: الغزاويون من الحماسيين وحتى أولئك الذين لا دين لهم يهاجمون الأراضي المصرية في رفح ليل نهار عبر سلسلة من الأنفاق وكر وفر على معبر رفح وهم مسلحون بالدولار الأميركي والجنيه المصري ليشتروا (وليس ليشحتوا) رغيف خبز وتنكة كاز وعلبة دواء وقميص محلي رديء الصٌنع، وبرميل ماء نقي (وليس بارودا) بعد ان منعه عنهم شارون وخلفائه فما كان من حكومة "سيادته" إلا ان جعلت معبر رفح عبرة لمن يريد العبور وضيقته حتى أضحى كسم الإبرة. ثم تفتق ذهن الحكومة أياها عن فكرة الجدار الفولاذي الذي سيدخل التاريخ جنبا الى جنب مع الأهرامات وخطيئة عبدالناصر في تحديد مفهوم الأمن القومي وبالتوازي مع زيارة القدس التي من نتائجها تحويل عرق الفقراء تحت حكومة "سيادته" الى بناء الجدران الفولاذية بعد ان بنوا الأهرامات وبنوا "مصر يا أما يا بهيه...يا أم طرحه وفراشيه" على رأي شيخنا أحمد فؤاد نجم الذي فاض بمرارته حتى ان السجون عافته!
وقد طورت حكومة "سيادته" مفهوم السيادة ليشمل أيضا السيادة ما وراء البحار والمحيطات فهي تقرر من أين يدخل المتطوعون (وهذا حقها) الى أراضيها وخاصة الأوربيين منهم الذين جأوا يحملوا حليب الأطفال وأكياس الأرز وإبرة البنسلين لمرضى السكر وحلوى العيد للغزاويين وأطفالهم فكان أن تم تطويع مسيرة وأعضاء قافلة "شريان الحياة" حتى كادت الحياة تخرج منها ولدرجة تدعو للفخر وعلينا إلا ننسى ان ذاك ضمن مفهوم السيادة التي يراها أبو الغيط لا تتأثر بالغارات الإسرائيلية على محيط معبر رفح ولكنها تهتز هزا عنيفا كهز العذراء لجذع النخلة من اجل الرطب اليابس وهو نفس هز الغزاويين لضمير حكومة أم الدنيا الذي لم يهتز أبدا! وفي أطار السيادة أيضا تم ابعاد النائب البريطاني جورج غالوي لأنه "ابن الغزاوية" مثيرا للشغب فقط لأن الرجل جاء ومعه بعضا من القوت والدواء لأهل غزة. ونطق أبو الغيط من واشنطن موضحا الأمر بالقول "لن تسمح مصر بمرور أي معونات الى غزة إلا عبر الهلال الأحمر المصري!" وعلينا ان نتذكر أن هذا "الغيط" نفسه الدي أعلن على الملأ ان الجزائر "مسئولة عن امن المصريين في الخرطوم" بعد المباراة أياها التي أرتكب فيها الوحوش الجزائريون جريمة الفوز!
لا ادري من أطلق عبارة ام الدنيا على مصر ولماذا، إلا أنني أجزم ان من فعل لم يكن يتصور ان تدفعها حكومة سيادته الى هذا الدرك!

أنني وكأي إنسان لديه ضمير وكأي عربي "غلبان" انأى بمصر عما قلت وأقدس تاريخها ونضالها ورجالها وفقرائها ولم أقصد قط أن أمس مصر بسوء. وكأي مواطن واعي و"غلبان" ادرك سطوة وجبروت المخابرات المصرية التي "ستعرف من أنا ولو كنت تحت طقاطيق الأرض" وأنها لن تسمح لي بدخول مصر (وهذا أضعف الأيمان) وهذا في الحقيقة مدعاة لأسفي لأنني لن أتمكن من زيارة الطيبين من أصدقاء ومعارف من علماء وفنانين وكتاب وزملاء سابقين لطالما دعوني لزيارتهم في مصر أم الدنيا ولطالما هممت بزيارتهم الا أن همتي بردت بسبب عارض ما! د. مصطفى الفيتوري
رئيس قسم إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس، الجماهيرية mustafafetouri@hotmail.com