حادث نجع حمادي في مصر ومخاطر الاستقواء بالخارج

بقلم: مي عبدالرحمن غيث

في أثناء احتفال الاخوة الاقباط في مصر بعيد الميلاد المجيد في احدى الكنائس بالصعيد قام عدد من المسلحين بالهجوم على عدد من الاخوة الاقباط الذين كانوا يحتفلون بعيد الميلاد المجيد في الكنيسة وقد اسفر هذا الهجوم عن مقتل ستة اقباط وعسكري مسلم وكان من أثر هذا الحادث اندلاع مواجهات بين قوات الامن والاف الاقباط الغاضبين.
ويمكن ملاحظة ان مثل هذه الاحداث الخاصة بالفتنة الطائفية بين المسلمين والاقباط قد ظهرت في الآونة الأخيرة. فقد كان دائماً الاقباط والمسلمين في مصر يعيشون جنباً الى جنب دون وجود مثل هذه الفتن او هذه المنازعات. فمثل هذه الأحداث تستغلها العديد من الاطراف الدولية التي تحاول ان تقيد وتفرض سيطرتها وتضغط كثيراً على السياسة الخارجية المصرية فيما يتعلق بملف حقوق الانسان والاقباط في مصر فنجد مثلاً إدانة وزير خارجية ايطاليا فرانكو فراتيني وقوله في بيان له "أعمال العنف التي ترتكب ضد الطائفة المسيحية القبطية في مصر تثير الرعب والاستنكار". وأضاف قائلاً: "لا يمكن للمجتمع الدولي أن يظل غير مبال، وينبغي ألا يستكين في مواجهة التعصب الديني الذي يشكل انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان الأساسية"، مشددا على أن بلاده ستواصل "دفاعها في كل المحافل عن مبدأ حرية الدين، باعتباره حقا مطلقا وغير قابل للإنكار". كما قال وزير الخارجية الكندي لورانس كنون في بيان ان "هذا الاعتداء هو مأساوي كون الضحايا كانوا مدنيين ابرياء يشاركون في احتفال ديني".
وبالتالي يمكن القول أن الاطراف الخارجية تصيد في الماء العكر وتحاول ان تتحين الفرص للتدخل في الشئون الداخلية في مصر بل وتشجع الاقليات دائماً على الاستقواء بهم.
كما أنه من المهم إدراك أن رصد حالات هذا التدخل الأجنبي في أي دولة لصالح أقلية ما لا يستهدف غالباً صالح الأقلية بالضرورة، رغم أن هذا هو الهدف الظاهري، ولكنه يستهدف استغلال الحدث واستقواء الأقليات به في ابتزاز الدولة ككل، وتحقيق "مصالح إقليمية" للطرف الأجنبي، لا مصالح هذه الأقليات.
وفي ذات الإطار أيضا يمكن رصد عدة خطوات أميركية للصيد في مياه التوتر الطائفي في مصر، والمطالب التي قدمتها منظمات قبطية في المهجر تشجع على هذا التدخل على النحو التالي:
1- طالبت الولايات المتحدة الحكومة المصرية بـ "وقف الهجوم على الأقباط"، و"نزع فتيل التوتر بين المسلمين والمسيحيين". وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماركورماك عقب الهجمات الثلاث على كنائس بالإسكندرية يوم 14-4-2006 وتداعياتها التي أسفرت عن مقتل قبطي ومسلم: "يبدو أنه مخطط لتنفيذها مع الاحتفالات بعيد القيامة".
2- في 15 يناير 2006 قام النائب الأميركي فرانك ولف بزيارة الى القاهرة مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني "لبحث المشكلة القبطية التي تتفاعل حدتها نتيجة العناد ووضع الرؤوس في الرمال التي يتبعها النظام العربي الإسلامي في مصر" حسبما قال "التحالف القبطي من أجل الحرية" في أميركا، ودعاه موريس صادق رئيس التحالف القبطي للحرية، للحذر من لقاء "بعض الشخصيات القبطية العميلة لمباحث أمن الدولة والنظام". وتم الكشف عقب انتهاء الزيارة أن تشيني طلب من القاهرة تنازلات في قضايا إقليمية تتعلق بالعراق وفلسطين ودارفور، ولم يرد أي ذكر لأقباط مصر.
3- خلال جلسة الاستماع بالكونغرس الأميركي 16 نوفمبر ‏2005‏‏ جري تبني مطالب وأجندة الاتحاد القبطي الأميركي في جلسة غير رسمية ضمن ما سمي "فتح الملف القبطي"؛ حيث تبنى النائب فل إنجلش (بنسلفانيا) كل دعاوي "الاتحاد القبطي" في تقريره، مثل خطف واغتصاب الفتيات القبطيات والتطهير العرقي وأعمال القتل ضد المسيحيين، وما سمي بقتل أقباط "على أيدي الإخوان المسلمين بالاشتراك مع أمن الدولة".
4- قدم اتحاد المنظمات القبطية (الاتحاد القبطي الأميركي، والجمعية القبطية الأميركية، ومنظمة "الحرية الآن") للسيناتور سام براون باك رئيس لجنة اتفاقية هلسنكي لحقوق الإنسان يوم 15 يناير 2006 عدة مطالب للأقباط أبرزها: خلق توازن سياسي في التعامل بين الأقباط والحكومات الإسلامية، وسماح الحكومة الحالية في مصر بإرجاع تراخيص حمل السلاح الشخصي الذي تم سحبه من الأقباط، وتسهيل الحصول على تراخيص جديدة للدفاع عن النفس، إضافة الى المطالبة بالبدء فورا في مشروع تمويل وتدريب شرطة خاصة بالأقباط في المناطق التي يعيشون بها، على أن يكون هذا خصما من المعونة العسكرية لمصر والتي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويا.
ومازال السيناريو مستمر بعد هذه الاحداث الاخيرة في نجع حمادي وسيتضح الايام القادمة ماذا يريد الغرب من تنازلات تقدمها مصر على الصعيد الاقليمي والدولي.
ويمكن استنباط او استخلاص بعض النتائج من الاحداث الطائفية (كما اطلقت عليها الدول الغربية) في مصر منها؛
1) ان الهدف من هذا التصعيد من قبل الدول الغربية والكبرى هو اخذ هذه القضية كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية في مصر واخذها كورقة ضغط على السياسة المصرية وخاصة السياسة الخارجية خاصة على المستوي الاقليمي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وكذلك على المستوي العالمي.
2) أن الهدف هو التدويل أو إذكاء الطائفية في مصر لإضعاف المجتمع وسهولة السيطرة عليه من خلال فرض الشروط على نظام الحكم أو تهديده بالسقوط.
3) أن الهدف من ذلك كله هو مصر بشعبها (مسلمين واقباط).
وبالتالي يتلخص الحل هنا في قدرة الحكومة المصرية والشعب المصري بجميع طوائفه على حل مشاكله الداخلية دون الحاجة للاستقواء بمنظمات وجهات خارجية تعمل فقط لخدمة مصالحها دون مصالح الفئة التي تلجأ اليها، ويجب ان يتم امتصاص الغضب من جانب الطرفين والعيش في سلام وحث قيم السلام والتعايش السلمي بين الاخوة المسلمين والاقباط والتركيز على انها احداث طارئة وليست مستمرة او دائمة. وتصدي الحكومة المصرية لها بكل حزم وجدية لعدم جعل وجود فرصة لاطراف خارجية وأجنبية للتدخل. مي عبدالرحمن غيث
باحثة دكتوراه في العلوم السياسية