سياسات المراوغة والتورية أو في انتقاد من ليسوا منا!

بقلم: ماجد كيالي

بحسب نكتة متداولة، فقد صدف أن تباهى أميركي على عربي بمستوى الحرية ببلده، مدللا على ذلك بأن باستطاعة أي أميركي أن يصف رئيسه بأقذع الألقاب، وأن يقذفه، مثلا، بالطماطم أو البيض، فما كان من العربي إلا أن قال له مستخفا: ونحن نستطيع أن نصف رئيسكم بذلك، وأن نقذفه حتى بأحذيتنا البالية! وطبعا فهذه نكتة من النوع المضحك المبكي، في آن، حيث أن "شر البلية ما يضحك"، كما قيل.
لكن هذه النكتة تشرح، أيضا، حال معظم المشتغلين بالسياسة، أو المتعيشين منها، في العالم العربي، على الرغم من سيادة الدولة التسلطية العربية، حيث تهميش المجتمعات، ومصادرة الحريات، وتغييب العمل العام.
كذلك فإن هذه "النكتة" تفضح، كيفية الاشتغال بالسياسة، وحيازة عدّة "الشغل" (أو النصب بالمعنى الدارج)، في العالم العربي، والذي يتطلب (في كثير من الأحوال)، إنكار الواقع، أو مجاملته، والاستبداد بالرأي، والتلهي بالمهرجانات، والإطناب بالمزايدات، بالتوازي مع نفي الآخر، وتغييب النقد، ومصادرة العقل.
هكذا ابتلينا في العالم العربي ليس فقط بهذا النوع من الأنظمة العتيقة، والجامدة، والمتشبثة بكراسيها، إلى ماشاء الله في خلقه، ولكننا ابتلينا أيضا بقادة، ونشطاء سياسيين، من ذات طراز حكامهم. وفي ذلك تصديقا لقول قديم قائل: "الناس على دين ملوكهم"، وهو قول يصحّ في وصف أوضاعنا السياسية البائسة، بدليل استمرار هذه الأحزاب، واستمرار طبقتها السياسية، بالتوازي مع استمرار الأنظمة القائمة، على رغم أن هذه الأحزاب لم تحقق شيئا من المهام التي أخذتها على عاتقها منذ نصف قرن.
أيضا، فمن مراجعة واقعنا العربي يمكن ملاحظة سيادة نمط من السياسة القائمة على المراوغة والتورية والانتقائية والشعبوية والثورية اللفظية، وكل ما يفيد بالتمكن من حيازة "عدة الشغل". مثلا، ثمة مفارقة في الحديث عن فظائع سجن "غوانتانامو"، وهي فظائع حقيقية تدان الولايات المتحدة عليها، ويجب وضع حد فوري لها، في حين لايجري الحديث البتة عن "الغوانتانومات" عندنا! وذات الأمر ينطبق على الحديث عن انتهاكات بعض الدول الغربية لحقوق الإنسان، في معاملتها العرب (في رحلات الطيران وغيرها)، وهي بالطبع مدانة ومرفوضة، في حين يجري السكوت عن امتهان الإنسان العربي، والحط من شأنه ومن كرامته، في المطارات ونقاط الحدود العربية.
وبالنسبة للوضع الفلسطيني، فقد كتبت في مادة سابقة عن مفارقة جارحة، تتمثل بمطالبة إسرائيل بإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين من سجونها، في حين إن فتح في الضفة، وحماس في غزة، لاتطلقان المعتقلين من سجونهما! فكيف نطالب العدو، بما لا نطالب به أنفسنا؟!
أيضا، في الموضوع الفلسطيني، فإن وقف حماس لأي شكل من أشكال المقاومة من غزة، وذهابها نحو القبول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وانخراطها من النظام السياسي لاتفاق أوسلو، يعتبر عند بعض السياسيين الراديكاليين (أو المقاومين) تكتيكا، وصوابا، وخطة إستراتيجية وطنية، في حين أن ذهاب فتح في هذا الاتجاه يعتبر تفريطا واستسلاما، مع إنهما وصلا إلى النقطة ذاتها!
وقبل أيام فقط سمعت كلاما تلفزيونيا من شخصية فلسطينية محسوبة على التيار الإسلامي تحدث صاحبها (من قناة فضائية غربية ناطقة بالعربية) عن ضرورة التزام الدول الأوروبية بالتعددية وحقوق الإنسان، واحترام الرأي الأخر والتمسك بتراثها العلماني (هكذا بالحرف)، في معاملة مواطنيها من المسلمين! في حين انه كان قبل أيام في ندوة في بلد عربي، خصصت للبحث في المصالحة الفلسطينية، يتحدث بلغة أخرى مغايرة تماما، أي بلغة استئصالية إزاء الآخرين، الذين وصفهم بالعلمانيين الخارجين عن تراث الأمة (الإسلامية)!
واستطرادا على ذلك فقد شهدنا مؤخرا مؤتمرات صحفية وحملات إعلامية تتحدث عن طرف خياني في الساحة الفلسطينية، مرتبط بالسياسة الإسرائيلية، في ذات الوقت الذي تتحدث فيه عن دعوة هذا الطرف للمصالحة والوحدة الوطنية وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني؛ بخفة عجيبة، وباستخفاف، أو بتلاعب، مريع بعقول الناس.
وقد شهدنا في مرحلة سابقة كيف أن عديد من السياسيين الناشطين، على المستوى القومي، سكتوا عن شطحات العقيد القذافي الأفريقية، وعن طرده الفلسطينيين وأحيانا المصريين وأحيانا أخرى التوانسة (من الجماهيرية)، كرمى لعيونه وشعاراته أو "خزعبلاته" القومية. وهو ذات الأمر تكرر مؤخرا في سكوت "المقاومين" عن حملات التنكيل التي شنتها الميلشيات المسلحة الموالية لإيران ضد الفلسطينيين في العراق. بالمقابل فإن هؤلاء شنوا حملات ضد السلطة (بشأن موقفها من تقرير غولدستون)، وضد الجدار الذي تبنيه مصر مع الحدود مع غزة، وهم محقون في كلا الموقفين، ولكن القصد هنا أنه ينبغي التعامل مع كل هذه الأمور بمبدئية، وطنية وأخلاقية، وعدم التعامل معها بطريقة انتقائية واستخدامية.
هكذا يتبين وبكل أسف بأن السياسة عندنا باتت هي الشيء ونقيضه، في ذات الوقت، وباتت بمثابة نوع من التلاعب بعقول الناس، ومشاعرهم، أكثر بكثير من كونها فن قيادة البشر لتحقيق المجتمعات والارتقاء بها.
الآن، يجري اختزال السياسة في بلادنا إلى نوع من المهرجانات، التي كلما كانت أكثر عددا وأزيد من حيث الشعارات كلما كانت أكثر نجاحا. ومع كل الاحترام، فإن الشخصيات التي تقف وراء هذه المهرجانات، أو المؤتمرات، والتي تشارك بها، تدرك بأنها لا تستطيع تنظيم أي نوع من أنواع العمل الجاد والمسؤول، ولا إطلاق أي إطار له صفة الديمومة والفاعلية في الواقع العربي (القطري والقومي).
ومثلا، فهي لا تستطيع إطلاق ورشات عمل نقدية حول إشكاليات المقاومة في الواقع العربي، ولا حول مسؤولية النظام العربي عن تراجع الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا بشأن غياب دولة المؤسسات والقانون، ولا حول ظاهرة استشراء الفساد وهدر الثروات، ولا بما يخص حقوق الإنسان، كما ولا تستطيع تشكيل مجرد لجنة لرعاية أحوال المسجونين، أو إطلاق بعض سجناء الرأي، إلى غير ذلك.
بالمقابل فإن هؤلاء يدركون أيضا أنهم يستطيعون، فقط، إقامة ما يريدون (ومع كل مستلزمات الدعم) من مهرجانات ومؤتمرات، حول القدس وحق العودة ودعم المقاومة ومناهضة استيطان إسرائيل، وفضح عنصرية إسرائيل، وجرائم الحرب الإسرائيلية، والفساد في إسرائيل، وقرب زوال إسرائيل.. كما عن الفساد في الولايات المتحدة، وانحلال المجتمع الأميركي، وتدهور الاقتصاد الأميركي، وثغرات الديمقراطية الأميركية، وتراجع نظام القطب الأميركي الواحد، إلى عدد كبير من المواضيع والعناوين الأخرى؛ بمعنى أن ماهو متاح لهم فقط هو اللعب خارج ملعبهم الخاص.
هكذا، ففي ظل تهميش المجتمعات، وانعدام المشاركة السياسية، وغياب دولة المؤسسات والقانون، وفي واقع لا تعتمد فيه القوى السياسية على شعبها، وإنما على موارد خارجية، تصبح السياسة مجرد "عدة شغل"، أي مجرد لعب، ومراوغة، وتورية، ونوع من تواطؤ متبادل؛ وإلى حين أخر. ماجد كيالي