تجربة الحكم في العراق بعد احتلالين

بقلم: نزار السامرائي

كلمة تمهيد لا غنى عنها أحاول في موضوعي هذا إجراء مقارنة بين تجربة حكم العراق بعد قيام الدولة العراقية الحديثة بداية عشرينات القرن الماضي، وتجربة الحكم التي قامت بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، الترجمة الأولى أدارها سياسيون وضباط سابقون في الدولة العثمانية وممن عمل بإمرة الملك فيصل أثناء مبايعته على عرش سوريا، واستعان بهم على إدارة دفة الحكم في العراق، انخرطوا في عملهم دون أن تصدر لهم فتوى دينية من مراجعهم للقيام بذلك، إذ أن علماء الدين السنة لم يسمحوا لأنفسهم بالتدخل في الشأن السياسي، وحتى لو أصدروا فتاوى بذلك فإن فتاواهم لن تجد أذنا صاغية عند أولئك الساسة الذين تحملوا لوحدهم المسؤولية التاريخية عما اختاروه، فإذا كان خيرا فهو لهم ولوطنهم، وإذا كان سوء فقد أخذوا وزره كاملا، لم تتلوث بآثامه عمامة أو جبة، ولم يشاهد عراقي طيلة تاريخ العراق الحديث منذ عام 1920 وحتى نيسان 2003، صورة لمعمم سني واحد في مكاتب الدولة على الإطلاق، على الرغم من أن جامع الحيدرخانة كان مركزا فعالا من مراكز الثورة على الانكليز.
وتجربة الحكم الثانية عاش العراق تحت ضغطها بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، تم الإعداد لمعظم صفحاته من قبل معارضة كان الكثير من رموزها من رجال الدين الشيعة يتنقلون بين العواصم الأوروبية وأميركا لشحن الأجواء ضد نظام الرئيس الراحل صدام حسين ويستجدون التأييد، وعندما تمت صفحات الاحتلال في 9 نسيان/أبريل 2003، كان أبرز مضيفي بول بريمر الحاكم المدني الأميركي ممن يضعون العمامات السوداء، ولأسماء لامعة بين أية الله وعلاّمة وحجة الإسلام كما كشف بريمر أسرارها في كتابه "عام قضيته في العراق" هذا غير الفتاوى الأخرى السرية والعلنية التي أجازت التعاون مع المحتلين أو عدم التصدي لهم بأي شكل من الأشكال في أحسن الأحوال.
وتحولت مكاتب الدولة من وزارات ومؤسسات خلال السنوات الست والنصف الماضية إلى معارض تتنافس فيها الألقاب والصور الملونة أو بالأسود والأبيض لمئات من المعممين، وأخذ التنافس بين الوزراء على وضع أكبر الصور لمراجعهم في المكاتب التابعة لوزاراتهم طابعا استعراضيا وسار التابعون على طريقهم، وإذا ما غادر الوزير منصبه جاء وزير يقلد مرجعا آخر فسوف تزال الصور القديمة وتحل محلها صور جديدة وكأن انقلابا مرجعيا قد حصل في البلد.
هناك طبقتان حكمتا العراق تفصل بين تجربتيها ثمانية عقود، ولا يمكن أن تلحق سلبيات أي منهما بالمذهب الذي ينمي إليه رموزها، فالمسؤولية تقع على رموزها السياسية المباشرة والرموز الخفية التي شجعتها، ولكن ما كتب عن تبرير التحاق الطبقة الحاكمة مع المحتل الأميركي مع ما تجربة الذين التحقوا بالحكم بعد عام 1920، لا بد أن يجد صعوبة في إقامة الدليل على ذلك لعدم وجود الصلة بينهما، فالفرق جوهري من حيث تبني الأطروحة من قبل المراجع الدينية بكل تجربة من التجربتين.
أردت في هذا الموضوع تقديم قراءة موضوعية ما استطعت فسميت الأشياء بأسمائها، وأعترف لغيري بأن تكون له قراءته الخاصة، ولكن تباين زوايا النظر بشأن ملف واحد لا ينبغي أن يوظف في توجيه اتهامات بالطائفية أو المناطقية، هناك حقائق على الأرض يجب أن يتم التعامل معها كما هي ليس من أجل القيام برصد صحفي وإنما لمعالجتها جذريا باعتماد المعايير الوطنية والكفاءة في إشغال الوظائف العامة، فما يجري حتى الآن ومنذ الاحتلال عملية استئثار بالوظيفة العامة يتم ملأها بعناصر تفتقد إلى الدراية والكفاءة والمؤهلات والنزاهة لمجرد الانتماء لذهب معين، وكل ذلك ينطلق من روح انتقامية تستنهض أحقادا معمرة لا يمكن أن تكون أساسا صالحا لبناء الدول التي تحترم القوانين والمواثيق الدولية وخاصة ما يتصل بحقوق الإنسان، وتحترم القوانين التي تسنها بنفسها وتعمل بموجبها وليس مجرد وثائق لا يجد المواطن فيها ضمانة له في حقه بالعيش الكريم والآمن في بلده بصرف النظر عن معتقده الديني أو السياسي أو انحداره العرقي أو الطبقي.
فالمعيار الوحيد الواجب الاعتماد في المفاضلة بين المواطنين هو معيار الكفاءة المرتبطة بالنزاهة، وعلى الرغم من أنني أتوقع توجيه تهم بالطائفية، لا لأنها متطابقة مع الواقع أو حتى قريبة منه، وإنما يراد ممارسة إرهاب فكري القصد منه إسكات أي صوت لا يتطابق مع ما يطرح في بازار السياسة المزدحم بكل غث وضعيف، ومن سيتهم فإنه سوف لن ينطلق من تجرد موضوعي في الحوار أو سيكون متجردا من موروثه، بل سينطلق من خلفية مزدحمة بالأفكار المسبقة والجاهزة، في منع المعارض من قول ما يؤمن به، فالانتماء لطائفة ليس مرضا فكل منا له طائفته وعشيرته ومدينته، ولكن الخطورة تكمن في تحويل تلك العناوين إلى عصبيات ترى نفسها فوق غيرها وتسعى لإقصاء الغير أو تهميشهم، ومهما يكن فما كتبت هو وجهة نظر قد تقترب أو تبتعد عن الكثير مما يطرح الآن لأن الغالب عليه المجاملة على الهواء والضغينة وراء الأبواب المغلقة، ويمكن لوجهات النظر الصريحة حتى وإن خدشت عيون البعض، فإنها وحدها القادرة على بناء تجربة ينعدم فيها الشعور بالغبن والمظلومية مما كان يشعر به الكثيرون وتنطلق آفاق الشعور بالمساواة، وإن لم يفعل من يشعر أن سفينة الزمن قد رست على شواطئه، فعليه أن يأخذ عبرة بمراكب التجارب السالفة التي مدت ظلالها فوق المعمورة، وها هي اليوم منزوية في متاحف التاريخ الطبيعي. تجربة العراق بعد الاحتلال البريطاني وبعد الاحتلال الأميركي هذا الموضوع ليس دفاعا عن تجربة مقابل إدانة لتجربة أخرى، بل هو محاولة لقراءة سياسية لتجربة عاشها العراق مرتين في أقل من قرن من الزمن الصاخب، ولكن لن يكون من حقي أن ارسم مسارا لنمط الأحكام التي يصدرها القارئ على ما أكتب، هي قراءة سريعة على كل حال قد تغري البعض بمتابعتها بتعمق أكثر، وآمل أن أسهم بفتح باب لحوار في قضية تهم بلدنا الذي عانى كثيرا من الأحكام الجاهزة، ودفع جراء ذلك ثمنا باهظا جدا.
الأطراف التي جاءت بالاحتلال الأميركي أو معه أو التحقت بعد ذلك وألقت بنفسها في العربة الأخيرة لقطار الاحتلال، هي جميعا ودون استثناء قوى معزولة حتى في الوسط الذي تقول إنها تمثله، ومعزولة تاريخيا لأنها سقطت في اختبار صحة التمسك بالمعتقد الديني بتراصفها مع القوات التي احتلت العراق خلافا لشعاراتها الدينية المعلنة ولمعتقداتها التي لا تجيز التعاون مع قوات الغزو الكافرة حتى إذا كان الإقليم المستهدف بالغزو بعيدا من حيث الجغرافيا ومختلفا من حيث المذهب، تماما كما سقطت في خطابها السياسي الذي لازم حقبة تصديها للنظام الوطني كقوة كانت تطلق على نفسها اسم المعارضة، وترفع صوتها بضجيج عال موجهة التهم له بالتعاون مع الولايات المتحدة، على حين أنها خططت وزورت الوثائق من أجل إغراء المحتلين على تنفيذ عدوانهم عام 2003، وجاءت معه أو بعده لتكون واجهة زائفة للحكم دون صلاحيات ملموسة، مع أنها تلوثت بتبعاته.
بسبب ذلك أخفقت الإدارة الأميركية في إنتاج عملية سياسية مقبولة على مستوى الشارع العراقي، ولهذا أجهدت نفسها في توليف عملية تلفيقية ما كان لها أن تنجح لولا جنوح بعض الأطراف السنية إلى الانخراط بالعمل مع المحتل ولو أنها نأت بنفسها عن ولوج هذا الطريق لأمكن نزع الشرعية عن المولود الأميركي في العراق الذي تم على يد القابلة بول بريمر، ولكن التلويح بسلة الإغراءات لبعض الأطراف التي استمرأت صفة تمثيل العرب السنة حينا، والتلويح لها بالعصا الغليظة أحيانا اخرى، جعلها تنساق تباعا وراء سراب السلطة وإغراء المال، وطرحت لتبرير ذلك على أنه تضحية بالنفس والرصيد السياسي والتاريخ الاجتماعي من أجل منع انهيار منظومة الدولة العراقية بخصائصها المعروفة وهويتها الوطنية والمحافظة على حالة التوازن السياسي والسكاني مذهبيا وعرقيا وعدم السماح لطرف أو أكثر بالاستئثار بالسلطة والمال، وكأنها وهي تنحدر نحو هذا الخيار أرادت أن تمن على من زعمت أنها تريد تمثيلهم في العملية السياسية أنها قبلت بكل هذه التضحيات من أجلهم.
حفل قاموس الحركات السياسية التي أرادت توصيف نفسها ممثلة للشيعة في العراق، بإدانة قاطعة لما أسمته بتعاون سنة العراق مع الاحتلال البريطاني قبل وأثناء قيام الدولة العراقية الوطنية عام 1920، في عملية إسقاط لتعاون قدامى ضباط الجيش العثماني من الذين ساندوا الثورة العربية الكبرى، على علماء الدين السنة، في محاولة من تلك الحركات لتوجيه إدانة دائمة لعلماء الدين السنة في كل مكان وزمان، باعتبارهم ممالئين لقوى الكفر على حساب أبناء جلدتهم، على الرغم من أن مسحا محايدا ومنصفا لرموز تلك الحقبة لم يسجل وجود عالم ديني واحد من السنة تنطبق عليه هذه الصفة كان من بين الفريق الذي وافق على التعامل مع الانكليز أو مد لهم يد العون على أبناء بلده، مع أن الجميع يعلمون أن عمامة في الحكم الملكي كانت عمامة رجل دين شيعي هو السيد محمد الصدر الذي تولى مسؤوليات سياسية مختلفة خلال العهد الذي يتهم السنة بأنهم أقاموه بالتعاون مع الانكليز، لقد كان السياسيون وحدهم من سمح لنفسه وتعامل مع الاحتلال البريطاني، ومع كل التركة من الطعون التي خلفها التراث السياسي والثقافي الشيعي على بدايات قيام الدولة العراقية، فإن المراقب يمكن أن يرصد المؤشرات الايجابية التالية:
1 – إن الدولة العراقية التي نشأت حينذاك أقيمت على أسس عصرية تناسب الزمن الذي نشأت فيه وتكونت من خلالها وزارات وأجهزة دولة حديثة من جيش وشرطة ومؤسسات بمختلف الاختصاصات ووضعت أساسا راسخا لنظام رقابة مالي ومحاسبي يحفظ المال العام من سوء التصرف وقطعت الطريق على الفساد المالي والإداري أو ضيقت الخناق عليه وجعلته في حدوده الدنيا، وفي جانب التنمية فقد رصدت الأموال اللازمة وخاصة بعد بدء إنتاج النفط وتدفق الأموال على العراق في مشاريع البنى التحتية من أجل رفع المستوى الاقتصادي للبلد والمعاشي للفرد، فهل يمكن إجراء مقارنة وبأي مستوى من المستويات بين ما جرى بعد عام 1920 وما حصل بعد الاحتلال الأميركي عام 2003؟ بل يمكن أن يصاغ السؤال بطريقة أكثر وضوحا، هل هناك تباشير لقيام دولة وطنية عصرية ذات مصداقية ولها برامج تنمية حقيقية في الوقت الراهن لاسيما وأن مداخيل العراق حاليا تصل أرقاما خيالية، ولكن معظمها يتسرب في مسالك الفساد الذي جعل العراق يتربع على عرشه دون منازع وحتى بفرض وجود دولتين تسبقانه في التسلسل فإن حجم الفساد إذا ما قيس بمقادير الأموال المسروقة، يجعل ما يحصل في وزارة محدودة الفعالية في العراق بحجم أضعاف مضاعفة عما يحصل في الصومال وميانمار.
أما الحديث عن السيادة وخطط أمنية تحفظ وحدة البلد أرضا وشعبا وتصون أمن المواطن فتبقى مجرد أحاديث الهدف منها تخدير المواطن وقتل روح الوعي بحقوقه وأبسطها فرض الرقابة على أداء أجهزة الدولة، فأين برامج الحكومة السياسية والاقتصادية والكفيلة بوضع حدا للفساد المالي والإداري والذي لم يشهد العالم له مثيلا من حيث الحجم؟
من يسترجع صور الفوضى التي شهدتها مدن العراق وعمليات السلب والنهب المنظمة بإشراف قوات الاحتلال وبعض الإدلاء الكويتيين والتي طالت دوائر الدولة ومخازنها ومؤسساتها المختلفة والتي بثتها الفضائيات بداية الاحتلال الأميركي للعراق على نطاق واسع بحيث لم تسلم حتى المؤسسات الثقافية مثل دار الوثائق والمكتبة الوطنية والمتحف العراقي منها، بهدف محو الذاكرة الحضارية العراقية، وحتى المنشئات النووية تعرضت للسطو على موجوداتها بما فيها حاويات لمواد مشعة ومعدات وأجهزة كومبيوتر تخص مراكز البحوث الطبية والزراعية والمكاتب الإدارية للجنة الوطنية للطاقة الذرية، وكذلك المستشفيات بما في ذلك الأجهزة والمعدات الطبية، لابد أن يصاب بصدمة مرة اخرى كما أصيب الرأي العام العالمي بصدمة كبيرة وذهول مروع أن يفعل شعب بممتلكاته ذلك القدر الهائل من التدمير والتخريب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أردفه الحاكم الأميركي بول بريمر بقرار حل الجيش العراقي وأجهزة الأمن، وكأنه يريد أن يطلق يد مافيا الجريمة المنظمة وقطاع الطرق واللصوص لتعبث بما بقي من موجودات الدولة العراقية، وترافق ذلك مع بدء دخول المليشيات التي نشأت في إيران مثل فيلق بدر أو العناصر المدربة في أوروبا من الفارين من العراق لعوامل مختلفة وكذلك المليشيات التي تشكلت بعد الاحتلال من القتلة والمزورين واللصوص والمنحرفين الذين أطلق سراحهم بقرار تبييض السجون عام 2002 مثل جيش المهدي وثار الله وغيرها من الأسماء، فضربت هذه القوى بتعليمات من مراجعها كل شاخص كان ما يزال قائما وزادت على ذلك الكثير من ابتكاراتها فعصفت بأمن المواطن والشارع العراقي دون رادع بل كانت قوات الاحتلال توفر لها مظلة الحماية لتنفيذ جرائمها.
وعندما قررت الإدارة الأميركية تشكيل أجهزة أمن، فإنها استقدمت ما استخبأته من نوازع متضاربة ومليشيات متصارعة فكونت منها النواة الأولى لأجهزة الأمن المستحدثة، ليس من أجل حماية حياة المواطنين وممتلكاتهم، بل لتكون أداة قمع محلية تقوم نيابة عن قوات الاحتلال بعمليات ترى القيادة الميدانية الأميركية أن من مصلحتها ألا تقوم بها بصورة مباشرة كي تحصر خسائرها البشرية والمعنوية في أضيق نطاق، وأكدت تجربة السنوات الماضية أن ما تكبده العراق خلالها، كان أكبر من كل ما تكبده في تاريخه منذ قيام الدولة العراقية وحصر سجلاتها وإتاحة وثائقها أمام الدارسين.
فهل هناك وجه للمقارنة في المجال الأمني بين حكومة العراق الأولى بعد الاحتلال البريطاني والتي توصف بأنها حكومة سنية مع حكومة العراق التي شكلها بول بريمر بعد الاحتلال الأميركي وهي حكومات تقودها واجهات دينية شيعية لا تخفي طربها بأنها استعادت حكما سلب منها منذ 1400 سنة؟
هذا في الجانب الأمني فماذا حصل في دور الحكومة في حفظ المال العام وممتلكات الدولة؟ وماذا أعدت من خطط لحماية ممتلكات المواطنين وأموالهم؟ وهل أن ما اتخذته حكومات الاحتلال الأربع كان متطابقا مع المهمات الأساسية لأية حكومة في العالم؟ وهل حاولت ولو مرة واحدة وبصورة جدية أن تؤشر مناطق الفساد في بنية الدولة وبالتالي تضع الخطط الكفيلة بالقضاء عليه ولو بصورة متدرجة؟
وكيف تسعى إلى ذلك وهي جزء من هذا الفساد وراعية له وتوفر الحكومة بأعلى رموزها المظلة اللازمة لحماية الوزراء الذين تثبت عليهم تهم التلاعب بالمال العام وتقاضي الرشوة، واكتناز المال السحت على شكل عقارات في مختلف دول العالم، وتحول هؤلاء من متسكعين على أبواب السفارات وأجهزة المخابرات، بين ليلة وضحاها إلى أثرياء يتنافسون على ألقاب أغنى الأشخاص في العالم، في حين أن حوالي ثلثي سكان العراق يعيشون تحت خط الفقر ويتسلم بلدهم مليارات الدولارات عن بيع النفط بالأسعار التي حلقت لأرقام غير مسبوقة، ونشطت السوق السوداء في تجارة النفط تهريبا للخارج لعدم تشغيل عدادات التصدير، وبيعا في الداخل دون رقابة حقيقة فتحول عدد من اللصوص ومافيات الأحياء الفقيرة والشوارع الخلفية، إلى أصحاب أرصدة منتفخة في بنوك أوربا والخليج العربي والأردن وأبراج شاهقة في دبي وغيرها من المدن الناهضة حديثا، كل ذلك كان يتم برعاية من أعلى المواقع في حكومات الاحتلال المتعاقبة، وحينما يتم الكشف عن واحدة من عمليات الفساد الكبرى، يتم العمل على صرف النظر عنها إلى نجاح ضئيل بتوجه الأضواء إلى عملية ملاحقة موظفة صغيرة في أمانة العاصمة وإلقاء القبض عليها في مطار بيروت، في محاولة بائسة لتلميع صورة القيمين على أموال العراق في هذا الظرف بأنهم يلاحقون الفساد حتى خارج الحدود، وهذا المثال يطرح مفارقة كبيرة حول تستر الحكومة على عمليات السطو الكبرى على المال العام من قبل أشخاص متنفذين ومن مكتب رئيس الوزراء، دون أن تحرك ضدهم قضايا لاسترداد الأموال المسروقة، ومتابعة القضايا الصغيرة ولموظفين غير محسوبين على الأحزاب الطائفية والمسؤولة عن توقيع عقود الدولة مع الجهات المتعاقدة من أفراد وشركات أو دول، فهل يستقيم بلد يحاسب صغار المرتشين ويغض النظر عن العمليات التي تستنزف المليارات من أموال العراق، ولعل ما حصل من ردود فعل مخزية لحكومة المالكي وبالذات وزير النفط حسين الشهرستاني، بشأن الاحتلال الإيراني لبئر في حقل الفكة العراقي، وما هو أسوأ من ذلك بكثير أن وزير النفط حاول أن يلقي في روع المواطن أن هناك حقولا مشتركة بين البلدين، والكل يعرف أن الحقل الوحيد المشترك بينهما هو حقل النفط خانة في محافظة ديالى، وأن الحدود بين البدين والتي رسمتها اتفاقية الجزائر لعام 1975 ليست لغزا محيرا بل كلها واضحة المعالم والاتفاقية كلها مودعة لدى الأمانة العامة للأمم وكذلك لدى الحكومة الجزائرية.
2 – ربما كانت تركيبة الحكم في ذلك الوقت ولأسباب معروفة ذات أغلبية سنية، ولكنها لم تختر هذا التوجه اختارا إراديا، بل فرض عليها ذلك الأمر لعاملين، الأول أن المرجعية الشيعية أفتت بعدم التعاون مع الحكم الجديد لأسباب ليست بالضرورة ذات أساس ديني، ويذهب البعض من متنوري الشيعة إلى أن تلك الفتاوى كانت قد صدرت كمحاولة من أطراف متنفذة داخل منطقة صنع الفتوى وقرار المرجعية للإبقاء على التبعية العمياء للفرد الشيعي بالمرجعية سواء ما يرتبط بالحقوق المالية من خمس وزكاة، أو من فهم يقول بأن مرحلة التنوير إذا شقت طريقها في الأوساط الشيعية فإنها ستؤدي إلى انهيار منظومة الانقياد الشعبي التلقائي للمرجعية أو على الأقل تنظيمه بصورة واعية وهو ما يفقدها مصادر القوة الروحية والمادية التي تتحرك بها، والثاني أن النخب المتعلمة كانت في معظمها من الوسط السني وهي لا تتحمل تبعة ذلك، ولكن ذلك كله لم يسمح لأي من رموز الحكم في أية مرحلة من عمره بمجرد التفكير بممارسة أي قدر من الإقصاء أو التهميش أو التطهير العرقي أو الطائفي ضد أي مكون من المكونات العراقية.
غير أن ما جرى منذ نيسان/أبريل عام 2003 كان خطة منهجية لإقصاء كفاءات العراق تحت لافتة اجتثاث البعث، واستقدام الجهلة وأنصاف الأميين لإشغال المناصب الوزارية واحتلال المواقع الإدارية والإدارات العامة، ومنحت رتبا في الجيش وأجهزة الأمن مما تم استحداثه بعد الاحتلال، للكثيرين الذين لا يحملون مؤهلا دراسيا، والبعض منهم ممن لا يجيدون القراءة والكتابة، وحتى الاختصاصات الفنية العالية أوكلت لأشخاص دون مؤهلات جامعية، وحتى الامتحانات الوزارية مورست فيها عمليات تزوير على نطاق واسع، إذ كان يتم توزيع أسئلة الامتحانات مع إجاباتها على طلبة محافظات معينة، وذلك للدفع بالآلاف من الفاشلين إلى مقاعد الدراسة الجامعية دون استحقاق علمي.
إن ما يجري من استئثار بكل مزايا الدولة يتم وفقا لحسابات طائفية صرفة على حساب التنافس بالكفاءة بين المواطنين المتقدمين لطلب الوظائف الحكومية أو المقاعد الدراسية، يخالف أبسط الحقوق التي رسمتها دساتير العالم كافة وهي المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بل أن العراق أتجه ومنذ عام 2005 وحتى الآن إلى استجلاب الآلاف من الضباط والموظفين من إيران ليملأوا الفراغ الناشئ عن استبعاد الكوادر المدربة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
يمكن أن نشهد خلال العهود السابقة تعيينات في مواقع أمنية أو إدارية مختلفة دون النظر إلى الانتماء العرقي أو المذهبي، وذلك لحسابات بعيدة عن الغرض الطائفي، لكن ما يجري حاليا هو عمل مخطط له بدقة من أجل إحداث تغييرات طائفية في التركيبة السكانية، ولو أجرينا جردا سريعا لمن يشغل الوظائف الكبيرة في الحكومة المركزية من درجة وكيل وزارة ورئيس مؤسسة ومدير عام لخرجنا بصوره مخيفة عن مدى احتكار المواقع الأمامية في الدولة والتي كرستها حكومتا إبراهيم الجعفري ونوري المالكي، فمن بين كل عشرين موظفا بالدرجات المشار إليها، يشغل وظائفها 19 مسؤولا شيعيا بأسمائهم المعروفة، وحتى الذين يشغلون المناصب الاخرى من السنة فهم مجرد واجهات لتحسين صورة الحكومة في المحافل الإقليمية والدولية ليس إلا، إذ أنهم مجردون من أية صلاحية حقيقية، والسلطة الكاملة بيد مساعدين لهم يراقبون عملهم ويصدرون الأوامر، ويمكن أخذ مكتب المالكي كعينة تصلح للحكم على مدى طائفيته من جهة وطائفية النظام الذي يحتل فيه الموقع الأول، فكل ألقاب المدراء العامين تؤشر بوضوح إلى انتمائهم المذهبي، أما المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء فقد سبق وأن عمل مراسلا لهيئة الإذاعة البريطانية في طهران وهذا وحده يكفي لإعطاء تصور عن وضعه كاملا، أما الأجهزة الأمنية وقوات الجيش، فإن أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من آمري الألوية والأفواج ينتمون إلى طائفة واحدة أما قادة الفرق والقوات فإنهم وبالكامل تقريبا من الطائفة نفسها، ويتم هذا بحجة عدم الثقة بالضباط السنة وهنا تكمن أسباب الحديث المكرر بين آونة واخرى عن احتمال وقوع انقلاب عسكري، وتتحرك هذه القوات وبقادتها المعبئين بالضغائن المستنهضة بفعل التثقيف الطائفي المقيت، لتمارس قمعا واضطهادا للسكان فتنتهك الدور وتدهم الدور وتنفذ عمليات الحجز والاعتقال وسرقة الموجودات دون سند أو سبب قانوني، وكأنها قوات احتلال بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
اعتمد دستور 2005 مبدأ الفدرالية كنظام للحكم، وأعطى لكل محافظة حق إدارة شؤونها الخاصة بالاعتماد على كوادرها البشرية، وخلال السنوات الماضية كان بإمكان المراقب أن يلاحظ وبصورة لم تعد الحكومات حريصة على إخفاء معالمها، أن محافظات الجنوب ترسم لنفسها أسلوب اختيار كبار موظفيها بمن فيهم القيادات الأمنية ولا تسمح للحكومة المركزية أن تدس أنفها في شؤونها الخاصة، وكذلك الحال بالنسبة للمنطقة الشمالية من العراق حيث تتمتع "سلطة إقليم كردستان" بشبه استقلال تام، وكانت حكومة المالكي ومن قبلها حكومة الجعفري، تستجدي المرونة من أربيل بشأن القضايا الصغيرة من أجل إظهار حالة التوازن في التعامل مع كل مناطق العراق، وحتى في هذه القضايا كانت أربيل تأبى بكبرياء مجرد الرد على توسلات بغداد وتمضي في إنفاذ خططها كما تشاء، أما المحافظات الموصوفة بالسنية فإنها تقد تحت رحمة الحكومة في تعييناتها للوظائف الكبيرة بمن فيهم المحافظون وفي عمليات استبعاد الموظفين، والزحف على الوظائف الوسطى والصغيرة قائم على قدم وساق، من أجل إحكام السيطرة الأمنية والإدارية على تلك المحافظات، وبالتالي وضعها ضمن خطة الاستهداف الطائفي المرسوم بقوة في مركز صنع القرار.
3 – إن الحكومة التي تأسست بعد تفكيك الدولة العثمانية (السنية)، قاومت نوايا تركيا بكل ما تملك من قوة على تواضع إمكاناتها للسيطرة أو التمدد على حساب أراضي الدولة العراقية الناشئة ولم تضع الانتماء للمذهب فوق الوطن بأي شكل من الأشكال، واجتهدت بل وكافحت من أجل الحفاظ على ولاية الموصل جزء من الدولة العراقية والتي كانت لتركيا التي ورثت ممتلكات الدولة العثمانية أطماع معلنة فيها، والحكومة العراقية لم تتصرف بخلفيات طائفية يمكن أن تؤثر سلبا على مصالح العراق الوطنية بل أن معظم رجالها السنة كان من قادة الثورة على السلطة العثمانية ولم يلتفت أي منهم لتحكيم الرابطة المذهبية في علاقاتهم مع الدولة التي كانوا جزء منها، واجتهدت الدولة العراقية من أجل إقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار واحتفظت مع إيران بعلاقات قوية أيضا بلغت ذروتها في حلف بغداد.
وطيلة عمر الدولة العراقية ومنذ أن انسلخت عن الدولة العثمانية لم تحاول تركيا الحديثة أن تمد لها أذرعا في العراق بل كان اعترافها بالعراق سريعا وأسرع بسنوات من اعتراف إيران بها، ربما باستثناء متابعة قوى ذات نزعة قومية متطرفة لشؤون التركمان في العراق كما هو الحال مع دول اخرى.
أما إيران فإنها ظلت تنظر إلى العراق نظرة مليئة بعقد سقوط الدولة الفارسية التي احتلت أجزاء من أرض العراق، ولم تكتف بذلك بل جعلت من المدائن العراقية عاصمة لتلك الدولة، ربما كانت هذه العقدة هي التي حددت مسار علاقات العراق مع جاره الشرقي، ونجحت إيران وتحت ذرائع مختلفة في إيجاد قوى محلية أو من مجاميع سكانية انحدرت من أصول إيرانية ظلت مرتبطة بها وتدافع عن أطروحاتها، وتم توظيف الحالة الطائفية لتخدم المشروع الإيراني ولتتقاطع مع المشروع الوطني العراقي، كان نصيب الكتل السياسية التي نشأت في إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية الأوفر في الاندماج بالمخطط الإيراني الذي واجه مقاومة وطنية من العراقيين الذين تمكنوا من إلحاق هزيمة عسكرية ستضاف مع أبعادها النفسية المدمرة، إلى عوامل تحريك الأحقاد التاريخية ضد العراق، وتصرفت القوى والأحزاب التي رعتها إيران لسنوات طويلة، على نحو أكد ارتباطها بالأجندة الإيرانية أكثر من دفاعها عن مصالح العراق وكأن الأمر مجرد رد الجميل لإيران عن الدعم والتأييد اللذين قدمتهما إيران لها في سنوات التشرد، ولعل تصريحات عبدالعزيز الحكيم حينما كان رئيسا لمجس الحكم ودعا فيها إلى تعويض إيران بمبلغ 100 مليار دولار عن خسائرها الناتجة عن حرب الثماني سنوات، وما ينطبق على عبدالعزيز الحكيم ينطبق على معظم وزراء الحكومة فوزير النفط أجهد نفسه أن يجد لإيران موطئ قدم في حقول النفط العراقية الحدودية، ففتح لها المجال للتسلل عن طريق الزعم بأن هناك حقولا مشتركة يجب الاتفاق مع إيران على وضع خطة مشتركة للإنتاج بين البلدين، وكثير من مثل هذه الشواهد مما حفلت به صفحات الصحف والانترنت عن فضائح تبني من يسمون أنفسهم مسؤولين عراقيين، لدعاوى إيران ولعل انحياز وزير التربية إلى جانب المزاعم الإيرانية بشأن تسمية الخليج العربي ما يعزز اليقين بأن هؤلاء مجرد موظفين إيرانيين معارة خدماتهم للمحتل الأميركي لتمشية أمور سلطة ضعيفة أمام المواطن العراق، حتى بات المواطن على حق حينما لا يشك بأن أي واحد منهم يتكلم الفارسية في بيته وإذا أخلد إلى النوم فإنه لا يمكن أن يرى حلما واحدا باللغة العربية، فكل واحد تتجسد أحلامه المريح منها والمزعج باللغة الفارسية، هذا كله ما يعزز بيقين أن قادة هذه القوى لا تفكر بمصالح العراق مطلقا وأن همها ينصب بالدرجة الأساس على الحصول لإيران على مكاسب ومنافع لا حق لها بها بأي حال، وفتحت حكومات الاحتلال المتعاقبة أبواب العراق أمام التدخل الإيراني الرسمي أو بواسطة قوة القدس والاطلاعات، للعبث بأمن العراق وممارسة الإرهاب الذي عصف بأمن العراقيين، فقد قدمت إيران عبر أذرعها المذكورة الدعم المفتوح لمليشيات بدر وجيش المهدي وثار الله وحزب الله العراق وعصائب أهل الحق لتقوض ركائز الاستقرار النفسي لدى المواطن، بعد تقويض الاستقرار الأمني والمعاشي.
4 – الدولة العراقية التي أقامها السياسيون السنة في العراق حافظت على المال العام من كل أوجه السرقة والسطو والرشوة، وبموارد محدودة أقيمت مشاريع زراعية وإروائية وصناعية وعمرانية كبرى ما تزال وبشهادة معظم العراقيين وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن من الزمن عليها شواهد على نظافة الجهاز الرقابي الذي أقاموه دون أن يعني ذلك أن جميع رموز ذلك الحكم كانوا متساوين في نزاهتهم.
أما بعد الاحتلال الأميركي وبعد ست سنوات ونصف، فأن مرورا سريعا على خارطة الملف الاقتصادي العراقي في شقيه الإنتاجي والخدمي يمثل صدمة لأي خبير في الشأن الاقتصادي، أما المواطن فإنه ما يزال تحت ضغط الظرف الطارئ المزمن من انعدام الخدمات الأساسية مثل الماء الصالح للاستخدامات البشرية والكهرباء وطرق المواصلات، على الرغم من أن إيرادات العراق تقترب سنويا وكمعدل من خمسين مليار دولار، فأين تذهب هذه المداخيل؟
أما الحديث عن الواقع الإنتاجي فسيبدو مغامرة محفوفة بالمخاطر، فالقطاع الزراعي انهار تماما ولم يعد قادرا على إضافة أية نسبة إلى حجم الناتج القومي، إذ توقف إنتاج المحاصيل الإستراتيجية أو كاد، وحتى البساتين عانت من الإهمال وتدنى مستوى إنتاجها إلى حدوده الدنيا، بما في ذلك بساتين النخيل نتيجة انعدام خدمات مكافحة الآفات الزراعية والأسمدة والمكائن الزراعية، وتحول العراق إلى أكبر سوق لتصريف المحاصيل الزراعية وخاصة من إيران بما في ذلك التمور التي كان يصدرها إلى أكثر من خمسين بلدا في العالم، واختفت من الأسواق الحمضيات التي كانت تشتهر بها محافظة ديالى، وفرضت قيود على زراعة الرز العنبر وكل ذلك ومداخيل النفط تتدفق على العراق كتدفق النفط إلى موانئ العالم.
وتعرضت المنشئات الصناعية إلى أكبر تدمير سبق العدوان بالضربات الجوية الأميركية، ومع ذلك فقد حافظت على دور مهم في رفد السوق العراقية بالكثير من المنتجات الصناعية ونصف المصنعة، حتى دخلت قوات الاحتلال فأطلقت اللصوص وقطاع الطرق لتدمير ما نجا من القصف الجوي، وحال العراق هذه الأيام كحال دول الخليج العربي بداية اكتشاف النفط فيها.
وتدهور التعليم في العراق على نحو لم يسبق لبلد أن عاش مثله على الإطلاق، فبعد أن تمكن نظام الحكم الوطني من محو أمية العراقيين من الشرائح العمرية المشمولة بالوصف، ها هو التعليم يصل مرحلة لم يعرفها العراق حتى قبل تطبيق الأساليب التربوية الحديثة، ووصلت نسبة الأمية في المجتمع العراقي حدا مخيفا حتى بمقاييس الدول المتخلفة وطورد أساتذة الجامعة، فقتل المئات وهاجر الآلاف إلى خارج العراق، وتسلم الملف التعليمي الجهلة وأنصاف الأميين ومزوري الشهادات.
وانهارت منظومة الخدمات الطبية الوقائية والعلاجية على حد سواء وتحولت المستشفيات إلى مصائد لضحايا المليشيات الطائفية، وقتل الأطباء على الهوية أو في جرائم الخطف للحصول على الفدية، وهرب الآلاف منهم إلى خارج العراق، وأصبح العراقي يبحث عن فرصة للتطبب في دول الجوار إما خشية التوجه إلى ما بقي من مراكز صحية، أو لعدم توفر الخدمات اللازمة فيها، وبعد أن كان العراق ملاذا لمعظم دول المنطقة في مجال الخدمات الطبية، أصبحت دول كانت متأخرة عن العراق بعشرات السنين، تترفع عن مد يد العون للمرضى الذين ضاقت بهم السبل داخل وطنهم، وضاقت ذات أيديهم عن تحمل تكاليف السفر إلى الدول المتقدمة في مجال الطب، أو لأن تلك الدول أغلقت أبوابها بوجه العراقيين، المذنبين حتى تثبت براءتهم.
هذه صورة الوضع في العراق بعد حوالي سبع سنوات من الاحتلال الأميركي، فلو أن السلطة التي أقامها الأميركيون قد نجحت جزئيا في إنجاز مهمات الحكومة (أية حكومة في أي بلد) في حماية سيادة البلد واستقلاله ووحدة أراضيه، ووفرت الخدمات الأساسية للمواطن، ربما كان ذلك سيمنحها هامشا للحركة بحيث تستطيع الزعم أنها تعمل على وفق برنامج وطني، وليس على نهج طائفي مرتبط بالمحتلين وأجندات أخرى لا تقل خطورة الاحتلال نفسه إن لم تتفوق عليه بخطورتها على مستقبل العراق وهويته العربية الإسلامية، ولكنها لم تفعل ولا تريد أن تفعل ذلك مطلقا. نزار السامرائي
محلل سياسي عراقي nizar_samarai@yahoo.com