كيف نتابع ما ينشر للأطفال رقميا؟

كتب ـ أحمد فضل شبلول
شكوى مضاعفة

متابعة ما ينشر من إبداعات للأطفال على الشبكة العنكبوتية، والأقراص المدمجة، ليس أفضل حالا من متابعاتها نقديا في عالم النشر الورقي سواء في الصحف أو المجلات أو الكتب المطبوعة، على قلتها نسبيا.
بل أننا نرى أن عددا من الذين من الممكن أن نقول إنهم مهتمون ويتابعون ويكتبون عن الإبداعات أو الأعمال الموجهة للأطفال ورقيا، لا علاقة لهم بما ينشر على الأقراص المدمجة أو على مواقع الإنترنت المهتمة بأدب الأطفال مثل موقع (أدب الأطفال العربي دوت كوم، الذي فاز مؤخرا بجائزة الشيخ سالم العلي الصباح للمعلوماتية عن فئة المواقع المختصة بالآداب والفنون).
وعليه فإن شكوى المتابعة النقدية المنهجية تأتي مضاعفة في العالم الرقمي عنها في العالم الورقي.
وأعتقد أنه آن الأوان لمتابعة نقدية ممنهجة من كبارنا لما ينشر لصغارنا على الشبكة العنكبوتية والأقراص المدمجة، لأن هناك كوارث تحدث في الإنتاج الرقمي الموجه لأطفالنا، دون أن يدري الكثيرون عنها شيئا، وسأحدثكم عن بعض هذه الكوارث من خلال أسطوانة (C.D). ففي أسطوانة بعنوان "الطاووس المغرور"، (وهي قصة تتوسل بالتقنيات الحديثة)، نجد التالي:
1 ـ كثرة الأخطاء اللغوية في القصة. ومثال ذلك، قول الطاووس للديك (ص 1): كيف يصادق جميل مثلي (بشع) مثلك. وصحتها: كيف يصادق جميل مثلي بشعًا مثلك. وفي (ص 8) أيضا، يقول الهدهد للطاووس: عندما ينبت لك (ريشا جديدا). وصحتها: عندما ينبت لك ريشٌ جديدٌ.
2 ـ كثرة أخطاء النطق، وعدم سلامة العبارة من الناحية الصوتية على لسان كثير من الطيور والحيوانات، وبطبيعة الحال فإن من ينطق بلسانها هو أحد الأطفال غير المدربين على النطق السليم، أو على مخارج الحروف بطريقة صحيحة.
3 ـ كثيرا ما نسمع إشارات وتعليمات مخرج البرنامج الصوتية أثناء الحوار. ومن ذلك على سبيل المثال، يكحُّ المخرج ليبدأ أحد الأطفال بالكلام، فيسمع المستخدم مثل هذه (الكحة) التي هي عبارة عن إشـارة بدء، أو إشارة انتهاء من قول ما، أو تعليق ما. وكان المفروض أن يستعين المخرج بإشارة من يديه أو من عينيه أو عن طـريق الإيماء للأطفال المؤدين هذا العمل، وفي هذه الحالة لن يظهر صوت التعليمات أو الإرشادات. حتى في حالة استخدام الإشارات الصـوتية، كان ينبغي تدارك الأمر بمسحها من على البرنامج أو الأسطوانة قبل عرضه للبيع في الأسواق.
4 ـ توسَّلَ البرنامج بالنشيد والأغنية، ومنها "الزهور":
نحن الزهور نحن الزهور ** منا تفوح أحلى العطور
ألواننا أجمل ألوان ** ولا نصاب بالغرور
ومنها أغنية "الفئران":
نحن الفئران نحن الفئران ** نحيا في الغابة بكل أمان
نحب الماء، نحب (....)** نحب أكل الأشجار
وقد أصيبت هذه الأناشيد والأغاني بكسور في الوزن، وصعوبة رد كل منها إلى بحر شعري معين، وقد نتج ذلك اللجوء إلى تسكين الكلمات أثناء حشو البيت، وهو ما لا يجوز من الناحية العـروضية. ويبدو أن مَنْ قام بصياغة هذه الأبيات ليس شاعرا، ولا يعرف طبيعة الكتابة الشـعرية، أو النظم الشعري. وكان من الأوفق الاستعانة بشاعر متخصص في كتابة الشعر للأطفال يكون على علم بمتطلبات الكتابة الشعرية الصحيحة، فلا يهرب منه الوزن أو البحر الشعري، أو اللغة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، استكمالا للحديث عن أخطاء النطق، وعدم تبيان مخارج الألفاظ أو الحروف، فقد عجزتُ تماما عن تفسير الكلمة الأخيرة في الشطر الأول بالبيت الثاني من أغنية الفئران: نحب الماء ، نحب (....) ولعل هذا يرجع ـ كما سبقت الإشارة ـ إلى عدم سلامة العبارة من الناحية الصوتية.
5 ـ من الأخطاء الأسـلوبية الواردة في البرنامج، قول رامي لأخوته: انظروا إلى (ريشي) الجميل. والمفروض أن يقول: انظروا إلى (شَعري) الجميل. فرامي طفل بشري، وليس طيرا أو حيوانا.
غير أننا لا نعدم وجود بعض المزايا في هذه الأسطوانة أو البرنامج مثل:
1 ـ سهولة التحميل والتشغيل والاستخدام.
2 ـ توسله بالموضوعات الإسـلامية والمفردات القرآنية في كثير من المواقف والأحداث. وبخاصة في الحوار واللعب.
3 ـ اعتماده على أكثر من وسيلة فنية وأدبية: مثل السرد والحوار والأغنية، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية المختلفة. ويلاحظ أن الحوار في "الطاووس المغرور" غلبَ على السرد الذي جاء على لسان الأم. وهو عكس ما رأيناه في قصة "القرد والغيلم" المحركة، حيث كان السرد على لسان الفيلسوف هو الغالب.
4 ـ اعتمد البرنامج على الألوان القوية أو الساخنة التي تجذب بصر الأطفال، ويفرحون بها، ويتفاعلون معها.
5 ـ على الرغم من تركيز البرنامج أو القصة على نبذ فكرة الغرور، فإنه حمل بعض القيم الإيجابية الأخرى بطريقة غير مباشرة، مثل قيم التعاون والصداقة والمحبة والتسامح بين مجموعة الطيور والحيوانات.
وأعتقد أنه لا بد من وجود وسيلة أو منهج ما يقف أمام منتجي ثقافة الأطفال الجديدة، حتى لا تتكرر الكوارث اللغوية والأدبية في ما يقدم للأطفال، ومن هذه الوسائل الملاحقة النقدية المستمرة لما ينشر أو يذاع لهم، فإذا وجد هؤلاء العابثون بثقافة الأطفال وأدبهم من يتصدى ـ علميا ـ لهم، ويلاحق منتجاتهم الغثة بمقالات نقدية تبين أوجه العيوب والقصور في إنتاجهم، فإنهم إما يتوقفون عن إنتاج هذا الغث، أو يلجأون إلى أهل الخبرة والاختصاص والمهارة والاحتراف.
كما أعتقد أنه لا بد من تلاق أو اجتماعات دورية ممنهجة بين كتاب الأطفال المتميزين والمبرمجين من ذوي الخبرة والمهارة لقراءة أفكار بعضهم البعض وتنفيذ الصالح منها إلكترونيا أو رقميا، من أجل إصدار مادة جديدة وجيدة لأطفالنا.
ويا حبذا لو كان كاتب الأطفال نفسه مبرمجا، يجيد التعامل مع عدة برامج مثل البوربوينت والفوتوشوب وبرامج الفلاش والتحريك وغيرها، لينتج بنفسه الأسطوانة المحركة للأطفال، ويبثها على أحد مواقع الإنترنت.
أيضا لا بد أن تضاف جائزة الإبداع الأدبي الرقمي للأطفال إلى الجوائز المهتمة بأدب الأطفال عموما في الوطن العربي، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب (فرع أدب الأطفال) وجائزة الدولة للأطفال في قطر، وجائزة أدب الطفل لدى المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وغيرها من الجوائز المحلية والعربية، لجذب الانتباه نحو هذا الأدب الرقمي للأطفال. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية