'اتيليه المنصورة' وتحديات الصحافة الإقليمية

كتب ـ أحمد فضل شبلول
ثراء أدبي وفني

أن تُصدر مجلة ثقافية وفنية جيدة خارج القاهرة، فتلك مشكلة يواجهها القائمون عليها، وتحدٍّ في الوقت نفسه لذواتهم وأنفسهم، ولمجلات القاهرة وصحفها أيضا. وأن تنجح تلك المجلة وتستمر في الصدور، وتحقق نوعا من الانتشار وأرقاما عالية في التوزيع، فتلك مشكلة أخرى يتوقف عندها ويدرسها القائمون على مجلات وصحف القاهرة.
صدرت مجلة "سنابل" في كفر الشيخ، في الستينيات وسرعان ما أغلقت بسبب قصيدة "الكعكة الحجرية" لأمل دنقل، وصدرت مجلة "أقلام الصحوة" في الإسكندرية وأغلقت أيضا، وصدرت مجلات أخرى عديدة في أقاليم مصر وأغلقت لأسباب متعددة، مرة بسبب عدم وجود التمويل اللازم لاستمرارية المجلة، وأخرى بسبب عدم التوزيع الجيد، وأحيانا بسبب عدم رضاء بعض مثقفي وكتاب القاهرة الذين يتخفون وراء أسباب غير مقنعة.
وأتذكر أن مجلة "الكلمة المعاصرة" وقت أن كان إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي يصدرها شهريا، وكنت أدير تحريرها منذ سنوات عدة، وأصدرت ملفات مهمة عن أدباء وأعمال أدبية محلية وعالمية، وفازت بعدة جوائز، بعدها استشعر عدد من كتاب ومثقفي القاهرة بأهمية المجلة ومنافستها لمجلات "ميتة" تصدر في العاصمة، ويصرف على العدد الواحد منها عشرات الآلاف من الجنيهات، فصدر قرار قاهري بإيقاف المجلة بحجة التطوير والتحديث وتغيير القطع.
وعادت "الكلمة المعاصرة" إلى الصدور (ميتة) تصدر مرتين في السنة بقطع كبير لا يزيد عن 96 صفحة، فنساها قراؤها وظنوا أنها توقفت، ولم يزل اسمي عليها مديرا لتحريرها، رغم أنني لا أعلم الآن عنها شيئا.
أسوق هذا الكلام بمناسبة صدور العدد الثاني من مجلة جديدة تحمل عنوان "اتيليه المنصورة" تصدر عن اتيليه المنصورة (جماعة الكتاب والفنانين) وهو يعد الثالث، زمنيا، بعد اتيليه الإسكندرية، واتيليه القاهرة، ويرأس مجلس إدارته الفنان يوسف عبدالله، ويدير تحرير المجلة الفنان والروائي محمود خفاجي، ويتكون مجلس تحريرها من: علي علي عوض، وعلي عبدالعزيز، ومجدي محمود، وتتولى الشاعرة فاطمة الزهراء فلا الإشراف على الجانب الأدبي بالمجلة التي تأخذ صفة النشرة غير الدورية حتى لا يكون هناك التزام بموعد ثابت لإصدارها إذا تعذر الصدور لأمر ما، وحتى يمكن الخروج من مأزق ضرورة أن يكون رئيس التحرير عضوا في نقابة الصحفيين بالقاهرة.
"اتيليه المنصورة" صدرت من القطع الموسوعي، واحتوت على دراسات ومقالات جيدة عن أم كلثوم بقلم محمد محمود عبدالعال، وعن الرائد المنسي الفنان محمد حسن الذي حافظ على الملامح المصرية في الصور الشخصية بالأسلوب الذي تعلمه في روما وحصل على وسام فارس من حكومة إيطاليا كما ذكر الكاتب فرج مجاهد عبدالوهاب.
ويكتب عبدالفتاح غالي عن زكريا أحمد الملحن المبدع، وتكتب فاطمة الزهراء فلا عن الشعر بعيون مبدعه، وتأخذ مثالا لذلك الشعراء: مصطفى السعدني، ومحمد محمود عبدالعال، وصفي الدين ريحان، وعلي عبدالعزيز.
ويدرس صبري قنديل المجموعة القصصية "سقوط البيت" لعلي عوض، حيث تبدو قضية الكتابة محددة بموضوع يمثل القاسم المشترك بين غالبية القصص السبع عشرة ـ إن لم يكن كلها ـ وهو موضوع الاستبداد السلطوي المفضي بدوره إلى الفساد والظلم والقهر.
ويتوقف الناقد د. محمد حسن عبدالله أستاذ النقد الأدبي عند ديوان "أزهار الخريف" للشاعرة مريم توفيق الذي بدا في جوانبه احترام قيمة الثقافة والوعي بمطالب الشعر، وحسن الأداء لحقوق القصيدة. بينما يتأمل د. محمد رزق شعير ظاهرة الازدواج اللغوي في ديوان "نعي الغلابة لبعضهم" للشاعر علي عبدالعزيز.
ويقدم عبدالفضيل السروي قراءة في رواية "زقاق عصفور" للسعيد نجم، ويتناول د. عبدالحميد القط الإبداع بين الواقع والفن.
ويكتب محمود خفاجي عن الفنان أمجد عبدالسلام الذي يستلهم التراث ويكشف القدرة الإيجابية للعمل الفني، كما يكتب خفاجي عن الخزاف مجدي صالح الأسدي والبحث عن اللغة التشكيلية، وعن الفنانة وفاء كرم والوداعة بين الكيان الغاص التناقضات.
وعلى الغلاف الأمامي نجد لوحة الفنان مجدي محمود السيد الذي يعزف بالألوان في أوركسترا يقودها بإبداع، ويؤكد الفنان يوسف عبدالله أن المجد بالأعمال وليس بالأموال.
وفي مجال الإبداع تنشر "اتيليه المنصورة" قصصا لسمير بسيوني، وشوقي وافي، ود. محمد العشري. وقصائد لشويكار سعد، وشيماء عزت حافظ.
هذا بالإضافة إلى أخبار الأدب والثقافة والفن التشكيلي، وفعاليات اتيليه المنصورة 2008/2009 بالصورة والكلمات. وينهي د. سيد عبده سليم صفحات "اتيليه المنصورة" بنداء إلى أصحاب الدعم.
هكذا نرى الثراء الأدبي والفني والثقافي الذي حملته "اتيليه المنصورة" على صفحاتها.
ويبقى ملاحظاتان: الأولى وجود أكثر من مادة لشخص واحد (له وعنه)، وهو أمر غير محبذ في ظل شكوى الأدباء والكتاب من محدودية فرص النشر (الورقي).
والثانية وجوب الانفتاح على الأدباء والكتاب والمبدعين خارج حدود المنصورة، وهذا الأمر سيعطي انتشارا أكبر للمجلة، ويمنحها رسوخا أقوى، وفي الوقت نفسه يطلع الأدباء والمبدعون الآخرون على المنجز الأدبي والثقافي والفني المتحقق على أرض المنصورة الغنية بأبنائها ومبدعيها وكتابها ومثقفيها وفنانيها، ويكفيهم فخرا أنها أنجبت أم كلثوم بنت السنبلاوين. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية