تراث فرنسا الثقافي يلحق بالركب الرقمي

لا شاتر (فرنسا) - من صوفي هارداش
المشاعر.. في هذا أم في ذاك؟

وسط حقول واسعة بوسط فرنسا يعد فريق من الموظفين وخبراء تكنولوجيا المعلومات تراث أوروبا الادبي للعصر الرقمي.

والشركة التي يعملون لحسابها وهي شركة "سافيج" واحدة من بضع مؤسسات أوروبية تحول الكتب المطبوعة الى كتب رقمية.

ويضعها هذا في قلب خطة لفرنسا لانشاء مكتبة هائلة على الانترنت ومحاولاتها للتفاوض على صفقة للكتب الرقمية مع غوغل، عملاق الانترنت الأميركي.

وفي اشارة الى تلك العملية قال كريستوف دانا المسؤول عن المشروع "نحن في فترة تتسم بالحساسية السياسية" وأضاف قائلا ومن خلفه تعالت أصوات أجهزة المسح الضوئي واذرع آلية تقلب الصفحات "مهما كانت النتيجة فانها ستحدد مستقبل سوق الكتب".

ويرى المعجبون بخطة فرنسا التي تتكلف 750 مليون يورو (مليار دولار) لتحويل مكتباتها ومتاحفها كي تصبح رقمية أنها تمثل اتحادا بين الفخر الثقافي والاستراتيجية الصناعية.

ويشير مشككون الى أن اي جهد فرنسي حتى الان مثل عقد سافيج ومدته ثلاث سنوات لمسح 300 الف كتاب لحساب المكتبة الوطنية يتضاءل بجانب الكتب الرقمية لغوغل والبالغ عددها عشرة ملايين كتاب.

وأحد النتائج المحتملة هو التوصل الى تسوية مع غوغل يمكن أن تسرع من عملية التحويل الجماعي للكتب لتصبح كتبا رقمية.

وقال دانا "هذا مثل المصنع نوعا ما. لا نصنع السيارات لكن هناك تشابها كبيرا". وتحصل سافيج عن أجرها مقابل الصفحة بغض النظر عما اذا كانت تمسح رواية كلاسيكية أم "القانون البلجيكي للنقابات المهنية" وهو مجلد ضربت أوراقه الصفرة في انتظار تحويله الى كتاب رقمي هنا.

ويرى بعض المحللين تشابها ثانيا فمثلما حدث في صناعة السيارات اتهمت فرنسا بالحمائية والعداء تجاه المؤسسات الاجنبية وهي تعيد تشكيل سوق النشر فيها والبالغة قيمتها أربعة مليارات يورو.

وتعهد الرئيس نيكولا ساركوزي بألا تسمح فرنسا لنفسها بأن "تجرد" من كنوزها الادبية وانتقد مثقفون احدى المكتبات في ليون لتوقيعها اتفاقا مع غوغل لتحويل الكتب الى كتب رقمية ووصفوه بأنه "تحالف مع الشيطان".

ويشعر الكثير من الفرنسيين بأن مسرحيات موليير وقصائد بودلير كنز قومي له أهمية اكبر من صناعة السيارات وأن الدولة محقة في أن تعطيها اهتماما خاصا.

ويريد روبرت دارنتون مدير مكتبة جامعة هارفارد أن تحذو الولايات المتحدة حذو فرنسا.

وقال للصحفيين على هامش مؤتمر بباريس "التكنولوجيا موجودة وربما الاموال موجودة لخلق جمهورية الحروف من جديد".

وأضاف "يجب أن تدعم الدولة تكلفة تحويل ما تطلق عليه 'التراث' ممتلكاتنا التي تملكها الامة بأسرها الى كتب رقمية".

وكانت فرنسا قد أبدت استعدادها للحديث مع غوغل بشأن مشروع مشترك لكنها تريد الحصول على شروط اكثر سخاء بكثير من تلك التي حصل عليها شركاء اخرون على سبيل المثال تبادل الكتب مجانا.

ويمثل هذا الموقف تحولا بعد ان ترك جان نويل جانيني منصب مدير مكتبة فرنسا الوطنية عام 2007. وكان جانيني من أشد منتقدي غوغل بل انه ألف كتابا يهاجم فيه مشروع الكتب الذي أقامته الشركة الأميركية بوصفه تهديدا لكل ثقافة غير انكليزية.

وبموجب الاتفاق المقترح يمكن أن تسمح المكتبة الوطنية الفرنسية لغوغل باستخدام كتبها الرقمية وفي المقابل يتاح لها استخدام مجموعة غوغل الاكبر بكثير مجانا.

وقال سايمون موريسون المتحدث باسم غوغل "نرحب بروح الاقتراح. يسعدنا الحوار".

وباتت المسألة ملحة بعد تزايد الاهتمام بتحويل الكتب الى كتب رقمية على مدار العام المنصرم. ومع اكتساب اجهزة القراءة الالكترونية (اي-ريدر) شعبية سيكون قطاع الكتب القطاع التالي الذي تشمله ثورة الانترنت بعد الموسيقى والافلام.

وتقدر شركة فورستر لابحاث التكنولوجيا مبيعات أجهزة القراءة الالكترونية في الولايات المتحدة وحدها بثلاثة ملايين وحدة في عام 2009 وتتوقع أن يتضاعف هذا العدد ليصل الى اكثر من ستة ملايين في عام 2010.

ويخشى البعض من أن يقتل هذا الكلمة المطبوعة بكل ما فيها من سحر بينما يتلذذ البعض بفكرة ان يستكشفوا على شاشاتهم الجواهر التي نفدت طبعاتها والتنقيب في "وثيقة الحقوق" البريطانية او الطبعات الاولى من رواية مدام بوفاري لغوستاف فلوبير.

وعلى الرغم من الجانب العملي لمشروع تحويل الكتب الورقية الى رقمية، ينافس الموظفون الذين يكسبون قوتهم ايضا من هذا المشروع اكثر محبي الكتب حماسا حين يصفون الكلمات المطبوعة التي يصورها الماسح الضوئي كل يوم.

ويتحدثون عن الاثارة التي ينطوي عليها تحويل سجلات الاديرة المكتوبة بخط اليد الى رقمية او الصدمة التي يشعرون بها عند اخراج رسوم كاريكاتيرية عنصرية قديمة من أعماق المكتبة الوطنية.

وقال كولان كليمان (25 عاما) وهو يشرح الماسحات الضوئية المختلفة "تحويل الكتب الى كتب رقمية أمر جيد لحماية الاعمال الاصلية من الاستخدام المفرط واتاحتها ليطلع عليها الجميع".

"لكن النسخ الرقمية اقل بكثير من ناحية المشاعر. ففي حالة الاعمال الاصلية، شخص ما لمس هذا الكتاب بالفعل".