في السعودية، ماذا ننتظر؟

بقلم: سامي جاسم آل خليفة

أشعر بمرارة للحال التي وصلت إليها الهوية السعودية عند شعوب العالم فمعنى أن تكون سعوديا فأنت إرهابي تكفيري تؤمن بالإقصاء وتتلذذ بالدم وتنعم بالجريمة وتستهويك التفجيرات. وإن بعدت عن هذه التهم فأنت سعودي تعشق الجنس وتبحث عن الخليلات وتشتري الغرام حتى لو دفعت كل ما تملكه من ثروة نفطية ومن يريدك فليبحث عنك في المطارات الدولية فإما أن تكون الأول أو الثاني والأول أشد خطرا وأقوى فتكا بأعصاب الدولة.
انها صورة سيئة انطبعت في أذهان الآخرين بسبب مجموعة أقل ما يقال عنها أنها ترمي انحرافاتها الفكرية على قارعة الطريق وتهمش الوطن وروح التوافق بين مكوناته وكل تصريح جديد أو إساءة لأي طائفة إنما هو في حقيقته حلقة جديدة في مسلسل الإساءة للوطن بالداخل والخارج لا تخلو من أمراض نفسية تهيمن عليها حب الذات وتغليبها على المصالح الوطنية.
سنوات ونحن ندير طاولة الحوارات الوطنية ونعقد الاجتماعات متنقلين من منطقة إلى أخرى ولم تنتج تلك الحوارات غير المزيد من الأجنة المشوهة التي تسقط يوما بعد يوم في حقيقة مؤلمة تقول إن الأمر بحاجة إلى وقفة صارمة من القيادة تجاه من ينسف تلك الجهود ويعطل حركة السير نحو منهج وطني موحد يأخذ على عاتقة التنوع المذهبي والاجتماعي لكل أطياف الشعب لا أن نساير تلك الدعوات المنحرفة ونعزز من تواجدها على الساحة وكأنها ظاهرة صحية لا تمدد سرطاني يرمي بجذوره في قلب أفراد الوطن ويدمر طيف أنسجته المتعددة الثقافات.
لسنا بحاجة إلى حوارات عقيمة ما دامت النفوس تخفي النوايا السيئة والأحقاد الدفينة التي تطل علينا عبر خطب المنابر وفي القنوات الفضائية والصحف تكفر وتشتم وتسب وما من رادع يردعها ويلجم ألسنتها ويقول لها كفانا فرقة وآن لنا أن نتوحد ونلتف حول بعضنا فلسنا بحاجة إلى فرقة وتناحر فالوطن يتسع الجميع دون طائفية مقيتة تجر على البلد المزيد من المشاكل والصعوبات وأعتقد أن هذا الدور هو من واجب الدولة ومحاربة تلك الأبواق الطائفية هي حق مكتسب لجميع الأفراد حتى ينعموا بالاستقرار والحرية.
في اعتقادي أن دستور الدولة لم يأخذ الطائفية والتكفير والسباب والشتم أحد بنوده حتى يخرج علينا كل فترة من يدندن على تلك النعرات ويتلبس لباس الوطنية عن طريق ذم الشيعة في البلاد والنيل من مقدساتهم وعلمائهم ووصفهم بالولاء لدول أخرى والانتقاص من وطنيتهم. فالشيعة والسنة في هذه البلاد عاشوا جنبا لجنب وتقاسموا الحياة في الشدة والرخاء ودافعوا عن كرامتهم أمام أي معتد ولا يوجد مفصل من مفاصل الدولة لا يتواجد فيه شيعي بجوار سني فلماذا الانتقاص والعداوة.
أظن أن التعايش الوطني مطلب هام على الجميع السعي لتحقيقه من خلال الارتكاز على جملة من الدعائم - سبق أن أشرت إلى بعضها في مقال سابق - أرى أنها تحقق التوافق الوطني لو صدر بها مرسوم ملكي نافذ على الكل وأهم تلك الدعائم:
• الإيمان المطلق بواقع التنوع المذهبي والفكري والاجتماعي تحت مظلة الدين وأن لكل طائفة عقائدها وأماكن عبادتها وعلى كل طرف احترام ذلك وعدم المساس بها أو النيل منها بالتعريض أو الشتم أو المصادرة أو العبث بالممتلكات أو الإزالة أو المنع أو الحجب أو الإقفال.
• المشاركة الفعالة من جميع القوى والمؤسسات الوطنية في الفعاليات والمناسبات الدينية التي تتعلق بأي مذهب أو طائفة وهذه المشاركة قد تكون بالتنظيم أو الحضور أو الدعم وتسليط الأضواء عليها إعلاميا على المستوى المحلي والدولي حتى يرى الآخرون أصداء هذا التناغم والتعايش المذهبي والاجتماعي للدولة.

• الاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع والإيمان القوي أن الحرية مكفولة للجميع ما دامت لا تتعدى على حريات الآخرين وحقوقهم ولا تتعارض مع القانون أو السيادة الوطنية.

• احترام القانون من قبل الجميع وأن الكل يخضع لسلطة القانون مهما كان انتمائه وتوجهاته وأفكاره وأن لا يحق لفرد أو جماعة التعدي على الآخرين تحت أية حجة أو مبرر.

• اليقين الراسخ عند الجميع أن تنوعنا المذهبي والثقافي والاجتماعي لا يُلغي عقيدتنا أن الأجداد والآباء تقاسموا العيش في السراء والضراء منذ وجودهم على هذه الأرض وأن هذا التقاسم امتد إلى الأجيال اللاحقة فالكل يواجه التحديات والكل ضد أي اعتداء على أرض الوطن والجميع في صف واحد مع قيادته ولهذا فالمزايدة على حب الوطن أمر مرفوض فالكل أبناء لهذا الوطن والكل ينعم بالقيادة مهما كان انتمائه المذهبي ومهما كان انتمائه الاجتماعي.

• من المفيد ونحن في مواجهة التحديات العالمية أن نقدم صورة ناصعة البياض للدول الأخرى لمكونات مجتمعنا بجميع طوائفه وعليه فلا غلبة لشخص على آخر مادام يؤدي عبادته أو عمله دون أن يضر الآخرين لأن الغلبة والممارسات اللامسؤولة من أي شخص كان لا تخدم مصالح الدولة وتقدمها ولا تساهم في بناء التفاهم والوفاق الوطني بل على العكس يسيء إلى ذلك كله وتدمر جهود الدولة وسعيها الدائم لتحقيقه.

• الابتعاد عن أي عبارات مستهجنة ضد أي جماعة أو أشخاص مهما كان انتمائهم ووضعهم الاجتماعي وفي هذا الصدد أؤكد على حرص القيادة في هذا المجال فدائما نسمع كلمة مواطن ومواطنة حتى في التعاملات الرسمية ولم نر أي أوصاف أو أسماء أخرى مثل (رافضي – زنديق – فاجر - قبيلي – مشرك – بدعي - سني – صوفي – زيدي - لحجي - شيعي – حضري – بدوي – قروي.... إلخ) أما أن يأتي شخص ويطلق ما يستهجن من تلك الأسماء والأوصاف على شخص أو مجموعة وهم تحت قيادة الدولة فهذا أمر لا تقره أنظمة الدولة وسياستها الوطنية ولا بد من معاقبة مطلقها مهما كان وضعه لأنه بفعله هذا يبدد الجهود الوطنية في خلق روح التوافق بين أفراد الوطن ويخلق روح التنازع والمشاكل بينهم.
وأخيرا أؤكد أن تلك الدعائم يجب أن تسير بجانب المحاسبة والتهذيب لكل من يخل بها مهما يكن وضعه ولهذا فالمكاشفة والمناصحة والوقوف على الأسباب والمؤثرات والدواعي مطلب وطني للجميع كما أن وقوع أي مشكلة لا يعني تركها حتى تتفاقم أو تحدث مرة أخرى كما لا يعني عدم بحثها مرة وأخرى للوقوف على السبب الحقيقي لبروزها على الساحة وفي هذا المجال نحن بحاجة إلى مؤسسة للعقلاء تجمع عددا من العلماء وأصحاب الفكر من جميع الطوائف والمذاهب تأخذ في التباحث وإصدار البيانات المشتركة وتفعل كل ما يخدم التقارب بين مكونات النسيج المتعدد للدولة وأن تكون قراراتها ملزمة للجميع مادامت تلك القرارات تحترم جميع الأطراف ولا تقلل من شأن أي مجموعة على حساب أخرى.
في السعودية ماذا ننتظر؟! أجيبكم:
ننتظر الخروج من مأزق المتشددين واحترام الكل. سامي جاسم آل خليفة sksp@maktoob.Com