لحظة عربية ودولية متأخرة

بقلم: فيصل جلول

التقى في بيروت الاسبوع الماضي مئات من المثقفين والناشطين السياسيين والنقابيين والعاملين في اطار الجمعيات الحقوقية وغيرهم من ممثلي المجتمعات المدنية في دول عربية واجنبية جاءوا جميعا للتعبير عن تضامنهم مع تيارات المقاومة العربية للاحتلال الاجنبي في فلسطين ولبنان والعراق واصدروا "نداء بيروت" الذي اذيع في الجنوب اللبناني المحرر مرتين من الاحتلال الصهيوني وعلى بعد خطوات من الحدود مع الدولة العبرية.
وكانت مبادرة مماثلة قد تمت العام الماضي في دمشق واذيع بيان تضامن مشابه في الجزء المحرر من الجولان السوري المحتل مع التذكير بالمبادرة الاولى في هذا السياق التي تمت قبل ثلاثة اعوام في اسطنبول للتعبير عن الالتزام بحق العودة للفلسطينيين الذين طردوا من اراضيهم بعد تاسيس الكيان الصهيوني.
ان مجمل هذه المبادرات التي تتولاها منظمات وجمعيات أهلية عربية ودولية ينسق فيما بينها "المركز العربي والدولي للتواصل والتضامن في بيروت" تتيح تظهير الفضاء الواسع الذي يتعاطف مع تيار المقاومة والممانعة في العالم العربي وهو تيار آخذ في الاتساع والتجذر مستفيدا ليس فقط من مشروعية وحتمية المقاومة والممانعة للاحتلال والارادات الاجنبية في ظل هيمنة الامبراطورية الواحدة ونزعتها التسلطية على العالم باسره وانما ايضا من التخاذل الذي يميز سياسات معظم الدول العربية التي يهادن بعضها المحتل ويخضع لارادته ويشارك بعضها الاخر في تبرير وتغطية جرائمه.
ولعل الابرز في ملتقى بيروت الدولي الاخير هو السعي لربط التيار العربي المقاوم مع تقليد المقاومة والممانعة في العديد من دول العالم وبالتالي تحطيم الصورة الظالمة التي ترسمها بعض وسائل الاعلام الاجنبية للمقاومين والممانعين العرب بوصفهم ارهابيين ورافضين للاخر وكارهين للاجنبي لانه اجنبي وليس محتلا. وانهم لا يميزون بين سياسات الدول المحتلة ومواطنيها ومجتمعاتها التي غالبا ما تعبر عن رفضها للحروب والاحتلال بل هي تضغط احيانا من اجل انهائه كما هي حال الشعب البريطاني الذي تظاهر بالملايين ضد حرب العراق والشعب الاميركي الذي اجبر قادته على الرحيل من فيتنام تزامنا مع عظمة المقاومة الفيتنامية المظفرة.
والجدير ذكره في مؤتمر بيروت هو تلك اللحظات التي فتحت خلالها تجارب المقاومة في فرنسا ومصر والجزائر وافغانستان والولايات المتحدة و بلجيكا واسبانيا وايطاليا وروسيا وغيرها على تجارب المقاومة العربية حيث بدت الدوافع مشتركة بل متشابهة حتى التماثل احيانا وتبين من خلالها ان كل تجارب المقاومة في العالم واجهت ظروفا تكاد تكون واحدة ابرزها التالي ذكره:
1 ـ تتم المقاومة بمبادرة من فئة لا اجماع حولها وغالبا ما تكون صغيرة الحجم ومجهولة يقودها نفر من الرافضين للامر الواقع والمتميزين بحس وطني او ايماني واخلاقي رفيع والمستعدين للتضحية حتى الموت في قتال الاجنبي المحتل والمطالبة برحيله.
2 ـ غالبا ما يحظى المحتل بفريق محلي يغطي احتلاله وجرائمه ويعاونه في تثبيت احتلاله ويصبح من بعدا جزءا لايتجزأ منه ويرحل معه او يدفع ثمنا باهظا لموقفه المتواطئ مع المحتل كما هي حال الحركيين في الجزائر وانصار جيش لبنان الجنوبي في لبنان والفيتناميين الجنوبيين الذين دعموا اليانكي والروس البيض والمصريين الطائفيين الذين قاتلوا مع بونابرت او انصار فيشي الذين تحالفوا مع النازية .. الخ وكل هؤلاء من صنف واحد.
3 ـ مع تعاظم المقاومة يظهر المحتل ضعفا متزايدا في الدفاع عن نفسه ومن ثم يرحل خائبا.
4 ـ مع كل انتصار للمقاومة تتغير الاوضاع في البلدان المحتلة وغالبا ما يتولى المقاومون شؤون بلدانهم ومعظمهم يسعى من بعد للتسامح وللوحدة الوطنية.
5 ـ في كل البلدان المحتلة كانت المقاومة تتهم بالتبعية للخارج فالجنرال ديغول الذي كان المبادر الاول لاعلان 18 حزيران عام 1940 من لندن بعد يوم واحد من الصلح الفيشي مع المحتل النازي
كان ديغول متهما بالتعامل مع بريطانيا وتابعا لها وجبهة التحرير الجزائرية كانت متهمة بالعمالة لمصر والمقاومة الفيتنامية كانت متهمة بالعمالة لموسكو السوفييتية والمقاومتان اللبنانية والفلسطينية متهمة بالعمالة لايران وسوريا والمقاومة العراقية متهمة بالعمالة لسوريا وهكذا دواليك.
ما من شك ان فتح تجارب المقاومة والممانعة في العالم على بعضها البعض في مؤتمر بيروت كان امرا مهما للمقاومين العرب الذين شعروا احيانا وكانهم يبذلون تضحيات دون ان يلمسوا صداها الايجابي خارج حدود بلادهم ناهيك عن الاحساس بمشروعيتها وانتظامها في تاريخ الانسانية المشطور بين غزاة نازعين للهيمنة والنهب والاحتلال واخضاع الاخرين ومقاومين مدافعين عن حرية بلدانهم وكرامتها.
وإذا كانت مبادرة الملتقى العربي والدولي لدعم المقاومة قد تأخرت كثيرا قبل ان تلتئم في عاصمة المقاومة العربية للمحتل الاجنبي فان انعقادها افضل من غيابه وخير ان تأتي متأخرا من الا تأتي ابدا كما يقول الفرنسيون بلا ملل. فيصل جلول