سوق المتعة: فن مسخ الطبيعة البشرية

بقلم: محمد جبار الربيعي
متعة تنحدر الى مرض قاتل

هل يمكن للانسان ان يحب جلاديه ويتوسل اليهم ليعملوا على انتهاك كرامته واذلاله ويستمتع بذلك؟ وان حصل، فما هي الظروف التي دفعته الى النيل من انسانيته؟ هذا ما يطرحه الكاتب الكبير وحيد حامد الذي اقترن اسمه بالاعمال المهمة في السينما المصرية والتي يصعب على المشاهد نسيانها.
الافكار التي تتناولها افلامه تسيطرعلى المشاهد حتى بعد انتهاء العرض وتستفز عقله للتفكير مليا بما شاهده واسقاطه على واقعه وحياته وربما وجد نفسه في احد ابطال افلامه لانه يكتب من الواقع واليه، وبجرأة وذكاء مميزين.
كتب وحيد حامد قائمة طويلة من الافلام التي لها بصمة واضحة على خريطة الابداع السينمائي منها "طائر الليل الحزين"، "البريء"، "الراقصة والسياسي"، "معالي الوزير"، الارهاب والكباب"، "المنسي"، "اللعب مع الكبار"، "ذيل السمكة"، "كشف المستور"، "طيور الظلام"، "النوم في العسل"، "اضحك الصورة تطلع حلوة"، "محامي خلع"، "دم الغزال" وقائمة كبيرة من الافلام التي تنوعت بين الكوميديا وخفة الظل وبين الجاد المبكي وفي بعض الاحيان خلط النوعين في فلم واحد بخلطة جميلة هادفة تضرب السياسات والانظمة والفساد في مقتل.

اما المخرج سمير سيف فهو الآخر لديه سجل حافل بأهم الافلام منها "ذيل السمكة"، معالي الوزير"، "عش الغراب"، "الزمن والكلاب"، "شمس الزناتي"، "الراقصة والسياسي"، "النمر والانثى"، الهلفوت"، آخر الرجال المحترمين"، "غريب في بيتي"، الغول"، "ابليس في المدينة" وغيرها من الافلام.

سوق المتعة

محور قصة الفيلم هو شخصية احمد (محمود عبد العزيز) الانسان البسيط الذي يعمل في مطبعة يقرر السفر لكسب العيش وفي طريق سفره يحصل ما يغير حياته ويقلبها راساً على عقب. فقد تحول كيس الفستق الذي في حقيبته الى كيس هيروين، وبسبب ذلك يخسر عشرين سنة من عمره في السجن دون ان يعلم كيف تحول كيس الفستق الى مخدرات وبعد ان يقضي مدة محكوميته بسيرة محمودة جدا في السجن ويخرج ليعيش ما تبقى من حياته يفاجأ بشخص (فاروق الفيشاوي) يزوره ويخبره انه مبعوث من عصابة تتاجر بالمخدرات وبانه دخل السجن بسبب استبدالهم لكيس الفستق بالمخدرات وانه كان جزءاً من خطة وضعتها العصابة لإلهاء المفتشين لتمرير كمية كبيرة من بضاعتهم ولكن على حساب صاحبنا الذي يزج به في السجن بسبب ذلك وانهم اعتبروه شريكاً في تلك الصفقة وادخلوا حصته في اعمالهم فربحت وانه يملك اكثر من سبعة ملايين جنيه من جراء ذلك.
ويقول له انهم مستعدون لكل التسهيلات والمساعدات لكن عليه بالمقابل الا يسأل عن شيء وان هو فعل، فسيخسر حياته. ويخبره هذا الشخص بانه يُرى مرة واحدة فقط في الحياة اما اذا رآه مرة اُخرى فهذا معناه انه اتى ليقتله.
يفرح احمد بالمبلغ ولا يناقش الرجل كثيرا عن جريمتهم التي كلفته سنين عمره فقد علمه السجن ان يكون مطواعا كالعجينة لا يناقش في امر ما. ترسل له العصابة مساعدين لحين تأقلمه على وضعه الجديد وهم يقومون بخدمته بحفاوة كبيرة لم يعتد عليها فقد تعود هو على خدمة الاخرين والنزول الى رغباتهم ونزقهم.
والغريب انه يجد صعوبة في التأقلم مع وضعه الجديد ولا يحب الرفاهية التي وجد نفسه فيها فيجافيه النوم في سرير نومه الوفير في الفندق الفاخر ويفضل عليه النوم في دورة المياه بسعادة مدهشة.
ويكره الاماكن المفتوحة والواسعة مفضلا عليها الاماكن الضيقة والنتنة وقليلة الاوكسجين وغيرها من التصرفات الغريبة التي تؤكد بانه يحن الى ايام السجن فنراه يهش ويبش عندما يأمره ضابط مركز الشرطة بتنظيف دورة المياه ويسرع بسعادة لتنفيذ الامر وطلب المعدات اللازمة ليؤدي عمله على اتم وجه.
ثم لا يكتفي بذلك بل انه يعمل على شراء مكان معزول كعزلة السجن ويتوسل بالضابط المسؤول عنهم في السجن بعد تقاعده، والذي كان شديد الاعجاب به وبعنجهيته وقساوته، ويدفع له راتباً مغريا ليؤدي دور مدير السجن.
ثم يجمع زملاءه في السجن ليعيشوا سجنهم (القطاع الخاص) ويحرص حتى على ان يجلب سجيناً (سامي سرحان) كان يذل السجناء ويجبرهم على الرضوخ لرغباته الشاذة والسادية وكان يستمتع بتقريعه وبضربه واذلاله! فقد اعتاد على وضع ألفه طوال عشرين سنة استطاع بمطواعيته التي يحبه لا ان يرضى به فقط ولم يكن مستعداً لتغيير اولوياته وما اعتاد عليه فقد احب احمد سجنه وسجانيه ومضطهديه ولم تنفعه كل الاموال التي يملكها في الخروج من تلك الحالة.

ماسوشية من نوع خاص

الى هنا نعرف ان صاحبنا يعاني من مرض حب الاضطهاد وحب ايلام النفس واذلالها وهي شخصية مركبة استطاع الكاتب خلقها ببراعة كبيرة وفطنة عرف بهما، وربما هي شخصية مستترة في مجتمعاتنا وشعوبنا فقد علَّمت الانظمة الحاكمة في البلاد العربية شعوبها على الخضوع والاذلال بالخوف والقهر تارة وباستخدام الاموال والاغراءات المادية تارة اُخرى على رأي المثل "جوع كلبك يتبعك"، فيذعنون الى درجة الرضا والتسليم وربما بالحب.
وهو يذكرني ببطل الرواية الرائعة "1984" للروائي جورج اورويل عندما يصرح بطل الرواية وبعد سلسلة من التعذيب باساليب متنوعة وممارسة الاستلاب لشخصيته بانه يحب الاخ الاكبر وهو يقول ذلك بكل صدق والاخ الاكبر هو رمز السلطة العليا في الرواية وايضا كان من اشرف على تعذيبه بذاته او بسطوته وسلطته.
حتى العصابة بمحاولتها اغراءه بالمال لكي يرضى عنها ولا يسأل او يفكر بالسؤال عن القضية برمتها مارست عليه نفس الاسلوب فاستخدمت الاغراء تارة والتخويف تارة اُخرى.
الغريب انه ايضا حاول استلاب حرية بائعة الهوى التي تعرف بها عن طريق الانترنت (الهام شاهين) باغرائها بالمال وبالزواج منها للرضا بوضعه والعيش معه في سجنه الاختياري لكنها رغم حاجتها المادية وانتهاكها لشرفها للحصول على المال رفضت كل الاغراءات وفضلت حريتها على كل ذلك.
لم يغفل الكاتب الاستفادة القصوى من بائعة الهوى في الارتقاء بموضوعه والتركيز على الفكرة الاساسية بطلب احمد منها طلبات غريبة بتقليد اوضاع جلوس او ما شابه ذلك، كانت قد انطبعت في ذهنه من جراء اعتياده على مشاهدة الصور للفتيات شبه العاريات في السجن، فهو يستمتع بتلك الاوضاع المطابقة للصور اكثر من اي شيء آخر وهذا للدلالة على سطوة السجن على كل تفكيرة وغرائزه وحاجاته.
ثم مع تطور احداث الفيلم ورفض بائعة الهوى الزواج منه بسبب حالته النفسية تلك واحساسه بغرابة وضعه وبشذوذ رغباته يقرر الوصول الى رئيس العصابة وهو يعلم ان ذلك سيكلفه حياته وبعد الحاح منه يتم له ذلك ليلتقي برئيس العصابة (حمدي احمد) الذي قرر تصفيته بعد مقابلته ليسأله: لماذا مسختني وحولتني من انسان الى عبد لا يرضى بالحرية ولا يحبها؟ ليجيبه بانه كان على احدهم ان يكون الضحية وقدره وضعه في طريقهم فاختاروه وهكذا بكل ببساطة صادروا انسانيته.
ثم ينتهي الفيلم في مباغتة احمد لرئيس العصابة ولف سلك الهاتف على رقبته والقفز من النافذه مع استمراره بالتشبث بالسلك ليخنقه حتى الموت. ويقتل هو برميه بالرصاص من قبل عناصر حماية رئيس العصابة في حدث لم يكن مقنعاً وكان على الكاتب استخدام نهاية اكثر حبكة.
تألق محمود عبد العزيز كعادته في الادوار الصعبة والمركبة التي عودنا عليها، فهو يتالق في هكذا ادوار بشكل مدهش واستحق عن جدارة جائزة أحسن ممثل عن دوره في هذا الفيلم من مهرجان القاهرة الدولي.
واداؤه هذا يذكرنا بتالقه في اداوره الرائعة في افلام "الكيت كات"، جري الوحوش"، "العار"، "البريء"، "السادة الرجال" وغيرها من الادوار المميزة
الفيلم صعقة كهربائية لكل الشعوب العربية لرفض القهر والاستلاب والانتفاض على جلاديهم وينبههم الى ذلك المرض الخطير الذي يجرهم الى الهاوية ولكي لا تتحول بلادهم الى سجن كبير يتفرج عليهم جلادوهم من خلال القضبان.

محمد جبار الربيعي mohd10002001@yahoo.com