يوميات فتاة عراقية تقاوم العنوسة (8)

بقلم: كلشان البياتي
من أدب المقاومة العراقية

ماتت سميرة وهي تلدُ طفلتها شموع، تشاجرت العمات والخالات وجدتاها مع بعضهنّ، كل واحدة تريد أن تأخذ شموع وتربيها مع أطفالها. أرنو إلى وجه شموع فينتابني رغبة ُملحة في البكاء. ألعن الزواج والرجال والاحتلال، شموع ستتربى يتيمة الأم، والأطفال يتيتمون حين تموت الأم وليس الأب.
انظر في وجه شموع فألوم سميرة وأناجيها: ليتك بقيتي عانسَ ولم تحمل رحمك شموعاً يتيمة من الحب والحنان. لا أحد يدري لماذا ماتت سميرة؟ دخلت صالة الولادة لتلد فوهبت حياتها لشموع وغادرت بصمت وتركت خلفها أسئلة ودموعا وذكريات وقلوبا حائرة.
ولأن دمع العانس يقف متوثباً على أعتاب العيينين، أية كلمة تجرح، أو موقف ُيغضب، يحفزهُ على الهطول، يتهادى مثل زخات المطر، مثل ريش النعام لأي سبب، تنساب الدموع من عيني كلما ألمح شموعا، وتمر إلى مخيلتي ضحكات سميرة ومزاحها اليومي معنا في الدائرة.
لاح لي ضوء الفجر من بين الفجوات التي يشكلها الهواء بين شقي ستارتي النافذة. كانت الغرفة مظلمة، رتيبة، برودتها وحرارة الفراش أغويتانٍي على البقاء مستلقية في الفراش، استرجع أحلام الليل وذكريات سنوات انصرمت وسنة توشك أن تنصرم.
ما آلمني في الماضي وأوجعني هو الذي يطفو إلى السطح دائماً، والحزن يسبق المسرة، والفرح يدوم ساعة، بينما الحزن يشق القلب وينغرس في الأحشاء، يدوم ما شاء الله من سنيين. صورة أبي وهو جثة هامدة يتأمل سقف الغرفة أول صورة ترد إلى ذاكرتي كلما أخلو إلى نفسي ويبدأ رأسي شغله الأزلي بلملمة الأحداث من هنا وهناك. لفظ أنفاسه الأخيرة وكنت حينها مراهقة لا أهتم إلا بتضفير شعري أو شده من الخلف مثل ذيل الحصان.
أذكر أنّ أبي كان ديكتاتوراً فيما يخص شعورنا نحن البنات، ينهر أمي ويزجرها حين تبدي رائياً بقص شعر إحدانا ولاسيما إنا سرى مدللته. حين يراودني الشعور بأني عانس، وأن إحساسي بالعنوسة مرهونة بتحرير الأرض وزوال الاحتلال ورحيل هذه الأرتال التي تمرُّ من إمام ناظري مثل قطيع من الوز، يتماثل أمامي صورة بنت بضفيرتين، تخط بالطباشير مربعات على الأرض وأحيانا ترسمُ مربعاً يقود إلى مربع وتنتهي بمربعاتٍ اثنتين ومربع يرتبط بمربعات اثنتين، لتلعب بعد ذلك برفقة هند ودعاء وبتول – مراهقات المحلة – تلك اللعبة المحببة (التوكي) – لعبة البنات تحديداً.
يُخيل لي أحياناً أن الاحتلال صادر اليوم الأرض التي كنا نخط فوقها المربعات ونلعب (التوكي) فلم يعد بإمكاننا أن نلعبها أو نعلم بناتنا أن يلعبن التوكي أو ينطن على الحبل ويقفزن بمرح الطفولة، نلهو كما يحلو لنا، غير عابئين بشيء. كل بنت يجب أن تلعب التوكي وتنط على الحبل، سمعتها من أمي وإنا صغيرة، كانت تصرفني بهذه الطريقة لتنشغل بأمور البيت.
لم تكن أمي تقف على الباب وتصرخ بعلو صوتها: ادخلي الدار وأوصدي الباب، لا حمل لنا بدفع فدية للخاطفين. تقول أمي: أمام عتبة الدار، حيث تخط البنت مربعات التوكي، أصبحت الأرض محرمةّ، فلن تجرؤ أي أم أن تصرف بنتها عنها لتلعب التوكي أو تنط على الحبل أو تحشر مجموعة خرز ملونة داخل شق صغيرة في الأرض.
ينبهني رقاص الساعة إلى اقتراب وقت النهوض للتهيئو للذهاب إلى الدائرة، أغادر السرير وشريط الذكريات يرافقني إلى المطبخ، اسكبُ الشاي في القدح، ارتدي أي شي من الخزانة، لم أعد أقف ساعات أمام الخزانة لاختيار ما ألبسه في الدوام. قد ارتدي التنورة نفسها أو السترة نفسها لمدة ثلاثة أيام أو أربعة. قبل الاحتلال، كنت أهيئ التنانير والقمصان من الليل، أنسقها قبل أن آوي إلى الفراش، وأنسقّ معها الإكسسوارات، لكن الوضع تغير كما تغير كل شيء في البلد، كأن الاحتلال جاء ليتحكم في كل شيء يخصنا. جاء لينسف الرغبات في دواخلنا.
بعد انتصاف النهار، اصطحب والداتي إلى بيت جارتنا أم نبراس لتوديعهم قبل السفر. ابنتها شهد صديقتي منذ نعومة أظفارنا. درسنا معاً إلى أن انهينا الدراسة الجامعية. عائلة شهد ستهاجر إلى روما لتلحق بابنها البكر نبراس المقيم في روما منذ سنوات. حزمت شهد المسيحية حقائب سفرها وانضمت إلى سرب المهاجرين عن الوطن بحثاً عن الأمان المفقود في مكانٍ آخر يمنح الأمان أكثر من الوطن.
عائلة أم نبراس جارتنا المسيحية أخذت حصتها من الإحزان والخوف والقلق. الضريبة التي صار إجباراً على كل عائلة عراقية أن تدفعها رغماً عنها، إن رضت أم أبت. مثلما كانت تدفع الإتاوات في عصر الإقطاعية. نالت حصتها من انفجار الملغماتّ. ليث شقيق شهد وسراج ابن عمها قتلا وهما يؤديان صلاة القداس في الكنيسة مع حشد من المسيحين. فقد ليث حياته وفقدت العائلة بأكملها الرغبة في الحياة والتواصل فقررت الرحيل هرباً من موت محتوم ينتظر الجميع. المسيحيون يُقتلون ويُهجرونّ من بيوتهم.
فشلت في إقناع شهد بالعدول عن قرار الهجرة وفشلت في إقناعي بالرحيل معها. رحلت شهد وخلفتّ وراءها الذكريات فقط.
- سنعود عندما تستعيد بغداد عافيتها وتعود دار الأمان.
مثل الآلاف الذين هاجروا وكانت أمنية عودة قريبة تهيمن على مشاعر الجميع. رحلت شهد وفي قلبها رغبة العودة مجدداً إلى بغداد. بغداد الآمنة، بغداد دار السلام والأحلام وليس دار الرعب والشقاء والموت المحتوم.
كنت وحيدة. هجرة شهد زادتني وحدة وعنوسة. كلما أغادر المنزل متوجهة إلى الدائرة أو السوق، أمرّ من باب شهد، فأسمع ضحكتها، ضحكتها وهي طفلة صغيرة، وهي صبية، وضحكتها وهي شابة على أبواب الزواج. أشتاق إلى نبرات صوتها وأحنّ إلى كلماتها. هل احتلتنا أميركا لتفرق شملنا وتذيقنا مرارة الفراق والهجرة. نحن جيران منذ خمسة وعشرين عاماً، نسكن في محلة واحدة، أحزاننا مشركة وأفراحنا مشتركة ونقسم الطعام بيننا. نلبس ثياب بعضنا ونستعير أحذية بعضنا في المناسبات.
أترقب الجوالّ حين يرنّ. انتظر هاتفاٌ من شهد أو شقيقها نبراس. لأطمئن على وصولهم إلى روما. أشغل الفراغ الذي خلفته شهد برحيلها المفاجئ بانتظار مكالمة منها أو خبر عنها.
وجع في ضرس والداتي منعها من النوم طيلة ليلة أمس لم تنفع معها المسكنات، هيأت نفسي لأرافقها إلى اقرب طبيب أسنان، وقبل أن أهم بالخروج من البيت، حضر عاصي ومنعنا من مغادرة البيت، هناك حظر تجوال فرض بعد انفجار سيارة مفخخة داخل سوق شعبي.
تأففت أمي وتبادلنا النظرات، كيف ستنام الليل وألم أسنانها في تواصل، أقنعنا عاصي بأنه سيصطحبها بنفسه عندما يتأكد من رفع الحظر. غابت الشمس خلف الأفق والليل أسدل سدوله. جلس عاصي مع أمي ينقل لها مشاهداته عن الانفجار الذي وقع قبل قليل في السوق، تناثرت صناديق الطماطة واختلط بالدم المسال من أجساد البشر، قال عاصي لم أميز بين ماء الطماطة والدماء التي كانت تجري.
ويقول تهاوت أكشاك الخضار على أصحابها، ولهول الفاجعة، ابتعدت عن المكان قبل أن افقد صوابي. طرق إذني صفارات سيارات الإسعاف والحريق وهي تصل المكان بعد انتشار سيارات الشرطة.
رقدت أمي في فراشها ولم تشكو من وجع الأسنان حتى الصباح، قالت إن إخبار الفاجعة هودة الألم فلم تعد تشعر بأي ألم. ألم كبير يمحو ألما صغيرا ويفجر آلاماً عظيمة.
أحياناً أحسد شهد واثني على قراراتها الصائبة، فقد أنقذت حياتها وشبابها فلن تكون أسيرة إحساس بالعنوسة مثلي. قد أكون أنا وحدي أشعر بإني عانس، ويتفجر إحساسي بالعنوسة كلما انفجر لغم أو سيارة أو حزام ناسف ونسف حياة العشرات من الأبرياء أو كلما وقع عيني على جندي أميركي يشهر سلاحه بوجه شاب عراقي أو شيخ طاعن في السن. كلما أخرني رتل أميركي في العودة إلى البيت ساعة أو ساعتين، كلما اختفى عاصي أو عمر وانقطع الاتصال بيننا. كلما اختفى شخص وفقد أثره وعثر على جثته في المشرحة. كلشان البياتي ـ كاتبة وصحفية عراقية
بغداد المحتلة العانس Golahanalbayaty2005@yahoo.com