فتح ما بين الاحتفال والاحتقان في ذكرى انطلاقتها

بقلم: سامي الأخرس

لم تغب الثورة منذ انطلاقتها عن بؤرة اهتمام المواطن الفلسطيني الذي يجد بها تعبيراً عن مضامين الثورة والانتماء، والتأكيد على أهدافه الوطنية، ورمزيته الحزبية، وهو ما دأبت عليه القوى والأحزاب الفلسطينية في الفترة الأخيرة في التحضير لإحياء ذكرى انطلاقتها لتضمن وجودها والتعبير عن نفسها وسط ضجيج الحالة الفلسطينية، وضوضاء قسمت الوطن لجناحين متصارعين.
قبل عدة أيام احتفلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بذكرى الانطلاق والتأسيس، واليوم تحتفي فتح كبرى الحركات الوطنية بذكرى تأسيسها وسط ضجيج من نوع خاص، يعلو سنة تلو سنة وسط حالة من الانقسام السياسي والجغرافي، يفرض حظراً شاملاً على عناصر فتح ويمنعهم من التعبير عن مشاعرهم بالاحتفال بذكرى التأسيس في غزة المسيطر عليها من حركة حماس، وهو من باب المناكفة السياسية بين القطبين (فتح وحماس).
تأتي انطلاقة الثورة الفلسطينية (فتح) هذا العام في خضم حالة من الجدل الداخلي في حركة فتح التي لا زالت لم تستفد كثيراً مما حدث في غزة قبل عامين، فلا زالت فتح تعيش في زمن بعيد عن الواقع السياسي والتنظيمي الذي أصبحت عليه الحالة الآن، حيث لا زالت فتح تضم في جنباتها كل أصوات الاسترزاق السياسي، حاملوا طبول الجعجعة والزفات الإعلامية للحصول على مكتسبات مادية وفخرية على حساب البذور الأصيلة المغروسة في تربة فتح التي نعرفها، فتح الأصالة التي رسخ مبادئها خليل الوزير، وصلاح خلف، وياسر عرفات وجيش من الشهداء على رأسهم عروس فلسطين دلال المغربي، ورفيق السالمي، وزياد مصران......الخ من قافلة لا زالت تعمد الأرض بالدم والبارود.
خمسة وأربعون عاماً من تأسيس حركة فتح التي عاصرت وقادت الثورة الفلسطينية، سواء اتفقنا على ذلك أم اختلفنا فإنها حقيقة قائمة لا يمكن القفز عنها أو إنكارها أو تجاوزها، كما لا يمكن الإجحاف بحق هذه الحركة الكبرى في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني، والتي تعتبر مكون هام وحيوي من مكونات التاريخ الفلسطيني الذي شهد انجازات وانتصارات، إضافة للإخفاقات والانتكاسات التي حدثت ولكنها لم تكسر الثورة، ولم تقض عليها أو تنال منها بل كانت دوماً تزيدها قوة وعنفواناً وتوجهاً واشتعالاً.
فاليوم فتح تحتفي بانطلاقتها وهي تتعرض لظروف غاية في التعقيد سواء على الصعيد السياسي الفلسطيني الذي شكلت نظامه العام وعموده الفقري الأساسي والركزي، أم على المستوى التنظيمي الذي يشهد حالة من التجديد على المستوى القيادي بعد انعقاد مؤتمر الحركة الأخير وإعادة انتخاب لجنتها المركزية ومجلسها الثوري، أم على المستوى الوطني الذي استطاعت أن تضع من خلاله مشروعها السياسي وتسير به من الثورة إلى السلطة التي جُسدت في غزة والضفة الغربية، وأضحى مهدد بالفشل والانزواء تحت ضغط الانقسام وممارسات الاحتلال، إضافة لعدة ظروف أخرى تحيط بحركة فتح.
خمسة وأربعون عاماً ولا زال التاريخ يدون أن حركة فتح لا زالت على رأس الهرم السياسي الفلسطيني، تخوض التجارب والمعارك تجربة تلو الأخرى، ومعركة تلو الأخرى، دون أن تنكسر أو تنزوي، رغم حالة الضعف التي ألمت بها عن السابق، وهو حالة طبيعية أمام التحديات التي واجهتها فتح ولا زالت تواجهها وخاصة على صعيد مكوناتها التنظيمية الداخلية التي ترهلت منذ بسط السلطة الوطنية، حيث بدأت الانتماءات الوظيفية تغلب على الانتماءات الحزبية، وأصبح ينظر لفتح كشركة استثمارية عامة يمكن من خلالها الاستثمار الوظيفي وتحقيق المصالح الخاصة لبعض المنافقين والموتورين بعظمة الذات والجاه، ويتنافسون في النفاق والدجل باسم فتح لإدراكهم أن انتمائهم لا يكلفهم أي تضحية كانت، بل هو انتماء في زمن جني الغنائم، فكيف أقارن بين من يدعي فتحاويته لأجل مكسب في منصب بأحدي الوزارات أو الجامعات ويبحث عن الفتح لاستثمار اسمها، وبين فتحاوية ضحت براتبها وبحريتها لتحلق بمؤتمر فتح في بيت لحم وتتحدى بأنوثتها كل الصعاب؟!
فاليوم فتح تحتفل بذكرى تأسيسها وهي في وضع غاية بالصعوبة والخطورة، ولكنها قادرة على تخطي هذه المرحلة والنهوض بثوب جديد أكثر رونقاً عندما تعقد العزم على التصحيح الداخلي، وتتمسك ببذورها الأصلية التي عشقت فتح وضحت لأجلها، وعندما تغربل الولاءات والانتماءات بعيداً عن بطاقات التعريف في الروابط والجمعيات والجامعات والمنتديات، ففتح انطلقت من جدران المخيم، وشوارع المدن، وأزقة القرى، وجنبات الألم، ولم تكن فتح بيوماً شركة استثمارية الهدف منها منصب وزير أو عقيد أو مدير، أو عميد جامعة......الخ. من مرضى المناصب وربطات العنق المزركشة بالنفاق والخداع، ففتح بحاجة لأبن بار لا يلقي بندقيته ويولى الدبر، ويترك موقعه وينحرف لأقصي المسار.
ففتح الثورة الفلسطينية التي يجب الحفاظ عليها سواء مدحناها أم انتقدناها، لأنها جزء حيوي من النسيج الوطني النضالي، ولا بد الحفاظ على هذا الجزء الذي اختلفنا وسنختلف معه لكننا لن نحاربه ونقتله لأنه إن سقط يسقط مشروعنا الوطني.
فذكرى فتح الخامسة والأربعون ذكرى لكل فلسطيني ارتوى من ضرع الوطن حباً ..... وانتماءاً... وإخلاصاً.. سامي الأخرس