...غير المنصُوب عليهم؟!

بقلم: محمد هجرس

قبل قرابة خمس سنوات، تشرّفت بأن أكون أحد الصحافيين الذين كرمتهم السفارة المصرية في السعودية، بمناسبة بوم الإعلاميين المصريين الحادي والعشرين.

لم أصدق الكلمات الرقيقة التي كتبت على الدرع التذكاري، من أن سبب التكريم يعود لـ"الخدمات الجليلة" التي قدمتها إلى بلدي مصر (!!) وفي كلمتي باسم المكرمين داعبت السفير الرائع والخلوق محمود عوف، والمستشار الإعلامي السابق الصديق شعيب عبد الفتاح، بالقول إن الخدمة الجليلة التي قدمتها لبلدي، هي أن تركتها وهاجرت، وفرت عليها عناء مواطن إضافي يرهقها في طابور من أجل رغيف الخبز، أو يثقل عليها بحثا عن مكان في أتوبيس يئن بمتسلقيه، أو يكلفها مزيداً من شبكات الصرف الصحي!

وبين تصفيق الحضور، أضفت: إن الخدمة الجليلة الأخرى، هي تلك الحفنة من الدولارات التي أحوّلها شهريا، للإنفاق على أسرة قدرها أن تظل على أرض مصر، ولا تلحق بعائلها في الخارج!

تذكرت هذه الكلمات، وأنا أقارن حالي بعد أكثر من عشرين عاماً في بلاد الله الواسعة، وحمدت ربي على أن مصيري الذي حسمته مبكراً، لم يكن قد عرف بعد، رحلات الانتحار الجماعي على شواطئ أوروبا الجنوبية ليستقر حلم الشباب في بطن حيتان وأسماك البحر الأبيض، أو أن يتحول العدو الإسرائيلي يوماً إلى جنّة تستقطب أكثر من 40 ألف شاب مصري مسكين! نسوا ذكريات الحروب، وتضحيات الشهداء تحت وطأة ظلم اجتماعي حوّل العدو إلى صديق و"نسيب" أيضاً!

تذكرت هذه الكلمات، وأنا أستدعي كل شجاعتي، حينما تضيع تحويشة عمر بين أصابع نصّابة، قبل ستة أشهر، حينما أحاول تحقيق حلم أبنائي في علبة اسمها شقة ترى موج البحر، بالقرب من شاطئ ميامي بمدينة الإسكندرية، ولا تدري أن هذه الأمواج ستبتلعها دون شفقة، بأوراق مزورة، وفي عملية نصبٍ لا يشفق عليها أحد. بل ربما يشمت فيها كثيرون!

وعندما يكتشف "أهبل" مثلي أنه لا يفهم قوانين العيش في بلده، التي أصبح فيها واحداً من الجالية المصرية ليس في الغربة، لكن في نفس وطنه الأم.. بعد أقل من 21 يوماً فقط وعلى يد محضر، يخبره بأن الشقة التي اشتراها بدمه وبعرق السنين، ولا يزال مديوناً لأنه استكمل ثمنها من بعض أصدقائه، وغيّر عدّاد الكهرباء بها باسمه، وأدخل إليها عداد المياه، والتليفون.. أنما تعود لشخص آخر رفع عليه دعوى كسر بابها، واغتصابها وتبديد منقولاتها، وليدخل في دوامات قانونية، يدخل على إثرها قسم شرطة، وهو الذي لم يدخله يوماً في وطنه أو في بلاد الغربة، ويكتشف أن كل العقود التي بيده مزورة، ولا أساس لها، بمشاركة بوّاب له سابقتي سرقة، ومهندسة زراعية بمهنة تاجرة شقق ونصابة، وزوج عرفي وقت اللزوم ليقضي وطراً.

كان من الممكن ساعتها، أن يتحول المرء إلى مجرم محترف، ليأخذ حقه دونما حاجة لواسطة، أو معرفة، لكن شخص مثلي يحترم القانون، ويحرص على أن يعطي للدولة مالها دون تذمر، ويدافع عنها، ويشرفها عبر نموذجه الذي يلقى الاحترام خارجها.

كان من الممكن أن يبحث المرء عن واسطة، أو شخص له نفوذ، لكن الإيمان بالقانون، وبالعدالة يدفعه لسلوك الطرق القانونية، وتسليم الشقة لصاحبها بمجرد حكم تمكينه منها، ولم يكن ينتظر فقط سوى حقه الذي دفعه وعقاب من نصب عليه.
واحتراماً لهذا القانون كان للنيابة مشكورة إجراءاتها، وتحقيقاتها، والتي أدانت المتهمين من خلال أقوالهم واعترافاتهم، وأصدرت قراراً بحبسهم وعرضهم على المحكمة، ليفرج عنهم بعد ذلك، انتظاراً لجلسة 22 ديسمبر.

وقتها، كان الأمل مفعماً في القضاء العادل، وكانت الثقة تؤكد أن كل كلام يثار للتشكيك فيه لا مجال لصحته، وأن كل الأحاديث عن الرشاوى وسرقة أوراق القضايا هي أقرب لحديث الإفك، وأن مصر ستظل بخير، مهما مرَّ بها من كبواتٍ أو عثراتٍ، وأن ما يحدث في "برِّ مصر" الآن.. هو مجرد حالة طارئة، غُمّة أو سحابة صيف، ستنقشع يوماً، وأنه لا فرق بين مواطن يريد أن يعيش مستقلاً، وبين آخر يتبجّح بأنه عضو حزب وطني، أو أنه قريب لمسؤول نافذ، يكسر على حسه إشارة مرور، أو يضرب له البعض "تعظيم سلام" ويتباهى على الآخرين بأنهم "ما يعرفوش هو ابن مين؟".

وفي الأخير: حكمت المحكمة.. يخرج الجميع بالبراءة!!!
نعم؟ هكذا وبدون توضيح للأسباب أو الحيثيّات!

...وهكذا تساءل ابني حازم وهو يكاد ينفجر بكاءً.. ليه؟
ـ أحسست على البعد بدمعته العصية، وهو الذي بعد أشهر قليلة سيتخرج من كلية الهندسة رافضاً الغربة، أو أي وطن آخر غير مصر، التي يريد أن يخدمها في مجال الكمبيوتر!

ـ أحسست بصوت حسام، وهو الذي يفاخر دوماً عبر دراسته في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، بأن البلد لا ينصلح إلا بالعدل، وأن دور وسائل الإعلام لا بد أن يكون تنويرياً وأن فضح الفساد، لا بد أن يكون على يد قاضٍ عادل!

تنهّدت بحسرة عمرٍ، وبحرقةٍ على شعارات ضاعت، وقيم يبدو أنها لم تكن سوى في أذهان الواهمين أمثالي وتساءلت: هل يمكن أن أصبح مجرماً وآخذ حقي بيدي؟

هل يمكن أن أتحول إلى نصاب، ينصب على مخاليق الله دون ضمير ودون أن يلقى جزاءه؟
صدقوني..

شكراً لبلدي.. الذي أفقد أبنائي انتماءهم، وجعلني أتحسّر على أيام وسنوات غربتي، التي كانت كل ثمرتها درع تقديري وعبارات نحاسية عليها علم مصر، أرفعه أنا فوق رأسي، بينما يدوسه آخرون بالأقدام في معاملاتهم، وسلوكياتهم!
طيّب.. لماذا سافرت وقد كان بإمكاني أن أكون مليونيراً من إياهم دون حسيب ولا رقيب ولا خوف من خالقٍ أو خَلْق؟

ـ كلها شحنة فراخ فاسدة، أو كيلو هيروين أو تجارة عملة، أو سمسرة في شقق مفروشة، دون حاجة لبهدلة الغربة!

ـ كلها "بريزة" من تحت الطاولة لتمرير أي مصلحة، وهناك كثيرون مستعدون لـ"شلن مخروم" فقط من كثر الحرمان!

ـ كلها عملية صغيرة، و"شاهد ما شافش حاجة" واللي يشوف ممكن "يرمش" عينه و"يطنش" وفي الطناش ابتعاد عن الضغط والسكر والقلب وغيره.

ـ كلها عملية اقتراض بسيطة بكذا مليون أو مليار من بنك، ومشروع وهمي، وتذكرة سفر لأي مكان، ولا يهم خبر فقد قيمته في الجرايد، عن هروب رجل أعمال، ثم بعدها مصالحة مع الحكومة، وإعادة أي مبلغ، ثم يشار لي بالبنان!
بسيطة.. سامحوني، سأصبح منذ اليوم لصاً.. وأخدع غيري من البسطاء.. وعِدّة النصب موجودة.. مجرد بدلة وكارافتة، واتنين بودي جارد، وسائق يقود سيارة أي حاجة لزوم المنظرة والأهمية.

هكذا يريد لي النظام وهكذا تريد لي الحكومة!
ماذا يهم أن أكون صحفياً أو كاتباً أو شاعراً أو مواطناً صالحاً، طالما أن المهم هو أن يكون لي "فيتامين واو" في قسم شرطة، أو في مصلحة حكومية، أو أن أعمل بحكمة الشاعر الراحل نجيب سرور :".... أم المثل، نفّعني واستنفع"!

***
في إجازة قصيرة قبل أسبوعين، سمعت إن شاباً ألقى نفسه من أعلى عمارة، ليسقط على الأرض غارقاً في دمائه، احتجاجاً على ضرائب باهظة فرضت على محله المتواضع، ساعتها سألت: في رقبة مَن نعلق ذنب هذا الشاب؟

هل يتحمل الوزر الدكتور يوسف بطرس غالي الذي يملأ الفضائيات حالياً لتبرير وتمرير ضريبة الوحدات العقارية؟ أم أن هناك آخرون؟ وإن كنت أخشى أن يطالبني الوزير بالضريبة إياها على الشقة إياها، عملاً بالحكمة الحكومية "ادفع ثم استأنف"!

تحسست رقبتي فجأة، ونظرت إلى قطراتٍ من الدم نزفت من أنفي إثر الاصطدام بالباب الزجاجي لمبنى الصحيفة التي أعمل بها، وفكرت قليلاً دون أن أمسح هذا الدم.. خاصة وأنني أمام خيارين، هل ألقي بنفسي أنا الآخر من أعلى المبنى بعدما طردت من الشقة التي اشتريتها، وبرأت المحكمة من باعوا لي، ولم يفكر أحد في إعادة فلوسي.. ودون أن يقول لي أحد: من هو المجرم؟ وأين الجاني؟ أم أتحوّل إلى نصّاب ومجرم أنا الآخر؟

وبما أنني اخترت الحل الأخير .. أجد من الضروري عليّ كمواطن صالح، أن أتوجه بالشكر للجميع..
الشكر لسيادة الرئيس.. والشكر لجهود الحكومة، ولسعادة رئيس الوزراء، ولمعالي وزير العدل ومعالي وزير الداخلية، شكراً للمسؤولين، وشكراً لكل الضباط والقضاة والمحامين.. وشكراً لقيادات الحزب الوطني، ولجنة السياسات، ورئيسي وأعضاء مجلسي الشعب والشورى، ومديري الأمن، ولكل الذين أقنعوني بأن مصر بكل خير.. وتعيش أزهى عصور الديموقراطية، وأكثر أزمان العدالة والحرية.. والكرامة!

وبهذه المناسبة، دعوني أغني وأرقص مع الفنانة الرائعة شادية في أغنيتها الشهيرة: "مصر اليوم في عيد.."
الحمد لله.. لقد بقيت على قيد الحياة.. وأصبحت مجرماً!
لم أنتحر؟!

محمد هجرس
كاتب صحافي مصري (جريدة اليوم السعودية) mediasoso@yahoo.com