جدارٌ فولاذي لفَلِّ الأنفاق!

بقلم: جواد البشيتي

مفردات وعبارات ومصطلحات سياسية كثيرة تَفْقِد معانيها، وتَسْتَغْلِق على الفهم، ما أنْ تتحدَّث بها الدول والحكومات العربية؛ أمَّا السبب فيكمن في حقائق الواقع التي لسوء حظ "المتحدِّثين" تُفْسِد "حبكة الرواية".

في رواية "الجدار الفولاذي"، والذي ليس بصفة "الفولاذي"، على ما يقوله رسمياً البُناة، وَرَدَت وتكرَّرت كثيراً، في سياق التبرير أو التعليل أو شرح الحيثيات، مصطلحات من قبيل "السيادة" بحقوقها، و"الأمن القومي" بمصالحه واحتياجاته ومتطلباته، وكأنَّ الغاية هي تصوير كل معترِض على هذا "الجدار"، فكرةً وواقعاً، على أنَّه مارقٌ مِمَّا يشبه الدين، فالدول كافة، ولو كانت من النوع العربي، يحقُّ لها أن تبني وتهدم في داخل حدودها وأقاليمها ما تشاء، وكما تشاء، فـ "السيادة القومية" للدول تعلو ولا يُعْلى عليها؛ أمَّا "أمنها القومي" فهو في منزلة "الحقيقة المُطْلَقَة"، وإنَّ أحداً من الأقربين أو الأبعدين لا يحقُّ له أن يجالها فيه.

مصر هي الآن في مناخ "كروي" قومي حار جدَّاً؛ وفي مقدورها، بالتالي، أن تجعل كل قول ضدَّ "الجدار الفولاذي"، الذي تبتنيه على حدودها مع قطاع غزة، والذي تُصوِّره على أنَّه عمل من أعمال السيادة، ويستهدف درء المخاطر عن أمنها القومي، كزيتٍ يُصبُّ على نيران "الشعور القومي".

إنَّنا لن نقبل جَعْل "السيادة" و"الأمن القومي" كالأصنام والأوثان، فلقد اختبرناهما، عربياً، حيث تُخْتَبَر الحقائق والأوهام؛ ولا بدَّ لنا، بالتالي، من أن نقف منهما الموقف الذي تَسْتَنْسِبه إجابة السؤالين الآتيين: "سيادة ضدَّ من؟"، و"أمن قومي ضدَّ من؟".

"الجدار الفولاذي"، الذي به يظهر ويتأكَّد بعضٌ من معاني "السيادة القومية" لمصر، ويُحْفَظ ويُصان "أمنها القومي" من كل شرٍّ، إنَّما هو حربٌ على "الأنفاق"، التي لولاها، في هذا الزمن العربي والفلسطيني الرديء، لنَفَقَ الزَّاد في قطاع غزة المحاصَر المجوَّع المدمَّر، ولنَفَقَت أرواح الأطفال هناك، ولمَات البشر وكأنَّهم ينفقون نفوقاً.

و"الحرب على الأنفاق" هي أيضاً "حربٌ على التهريب والمهرِّبين (الذين يتضاءل الفَرْق بينهم وبين "الإرهابيين")"، وإلاَّ فَقَد الاستذراع بـ "الأمن القومي" منطقه.

عَبْر "الأنفاق"، التي هي تجارة تُنْفَق فيها الأرواح، يُهرَّب (من مصر إلى قطاع غزة) كل شيء تقريباً، فالحياة الاقتصادية، في هذا الشريط الساحلي الفلسطيني الصغير والضيِّق والذي يقطنه نحو مليون ونصف المليون (فقير) فلسطيني، هي الأنفاق؛ والأنفاق هي الحياة الاقتصادية. ويهرَّب أيضاً، وعلى ما يُزْعَم، بعضٌ من السلاح والذخيرة. وبدو سيناء هم ذوو المصلحة الكبرى في بقاء "تجارة الأنفاق" بمنأى عن مخاطر "الجدار الفولاذي".

إنَّنا نقف ضدَّ ثالثة الأثافي، وهي "الجدار الفولاذي"؛ ونقف، في الوقت نفسه، ضدَّ أثفية "الأنفاق"، وأثفية "التهريب"، فالتجارة الشرعية الحرَّة بين مصر وقطاع غزة هي وحدها التي يجب أن تكون، وأن تنمو وتزدهر؛ وهذا إنَّما يعني أنْ تقرِّر مصر، وعملاً بحقِّها السيادي، فتح معبر رفح من بوَّابته المصرية، ولو من أجل تزويد الفلسطينيين في قطاع غزة ما يحتاجون إليه من غذاء ودواء وكساء.

إنَّ لمصر ـ الوسيط الحق في أن تفعل ما تشاء، توصُّلاً إلى إقناع حركة "حماس" المسيطرة على قطاع غزة بقبول مقترَحِها لتسوية النزاع، أو إكراهها على قبوله؛ ولكنَّ هذا الحق يُنْفى إذا ما تعارض مع "الواجب (القومي والإنساني)"، أي إذا ما تُرْجِم بأعمال وأفعال تؤذي أهل القطاع جميعاً، وتشدِّد الحصار (الغذائي والدوائي..) عليهم، فسياسة "العقاب الجماعي"، وأشباهها، يجب ألاَّ تكون جزءاً من نهج الوسيط؛ والقاهرة ينبغي لها أن تميِّز، في ضغوطها، "القيادة" من "الشعب"، الذي يكفيه ما حلَّ به من كوارث ومصائب.

اعتراض المعترضين على بناء "الجدار الفولاذي" كان سيَفْقِد كثراً من منطقه وحججه لو أنَّ القاهرة قالت في "قرارها" إنَّها ستبتني هذا الجدار ضدَّ "التهريب" و"المهرِّبين"، وضدَّ تهريب السلاح والذخيرة، على وجه الخصوص؛ ولكنَّها ستقوم، في الوقت نفسه، بفتح البوَّابة المصرية لمعبر رفح، وستسمح، من الآن وصاعداً، بمرور الغذاء والدواء وسائر السلع المدنية إلى قطاع غزة، كَسْراً للحصار المضروب عليه، وعملاً بقرار العرب الجماعي كَسْر هذا الحصار.

إذا كانت مصر لا تؤمِن بجدوى تسلُّح قطاع غزة، أو تتهيَّب عواقبه، أو ترى فيه إضراراً بأمنها القومي، فإنَّها تستطيع أن تفعل ما تشاء لجعل حدودها مع القطاع عصيةً على تهريب السلاح والذخيرة إليه، على أن يقترن هذا السلبي من الموقف المصري بشيء من الإيجابية القومية والإنسانية، أي بكسر الحصار الغذائي والدوائي.. المضروب على أهل القطاع.

إنَّني لا أستطيع أن أفهم بناء "الجدار الفولاذي" على أنَّه عمل من أعمال السيادة القومية لمصر؛ لأنَّ فكرته جاءت بديلاً من فكرة تعزيز الوجود الأمني والعسكري لمصر على حدودها مع قطاع غزة، فإسرائيل التي وافقت، من قبل، على مضض، على توسيع الرقابة الأمنية والعسكرية المصرية على تلك الحدود، رفضت السماح بمزيدٍ من التوسيع لهذه الرقابة.

وأحسب أنَّ القانون الدولي لن يفهم بناء هذا الجدار على أنَّه عمل من أعمال السيادة القومية لمصر؛ لأنَّ السيادة القومية للدول يجب ألاَّ يُعْمَل بها بما يجعلها انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وإلاَّ أصبحت "الجريمة"، أو ما يعدلها ويشبهها، طريقاً إلى إظهار وتأكيد تلك السيادة.

لقد اتَّخَذت إسرائيل من "القلعة" نمط عيش وحياة؛ ولقد أُسِّس لهذه القلعة "جدارٌ أمني" ضدَّ الضفة الغربية، و"جدارٌ فولاذي" ضدَّ قطاع غزة؛ وعلى الفلسطينيين أن يتعلَّموا ويعتادوا العيش بين "الجدارين"، وفي جوار "القلعة"! جواد البشيتي