باحث مغربي يناقش نظرية فن الإخراج المسرحي

كتب ـ عبدالحق ميفراني
من أجل مزيد من الجمال

عن مطبعة دار النشر بالبيضاء، صدر في طبعة أولى الجزء الأول من كتاب "نظرية فن الإخراج المسرحي: دراسة في إشكالية المفهوم" للباحث المسرحي أحمد آمال. أستاذ بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي وخريج أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد ـ فرع الإخراج الدرامي.
يقع الكتاب في 198 صفحة، ويضم ست محطات بحثية أساسية. يركز الباحث أحمد آمال في بحثه عن مفهوم الإخراج المسرحي، معيدا استكشافه تاريخيا من خلال التيارات والمدارس والاتجاهات الفنية معتمدا على خصوصية المسرح. وعلى خاصية مفهوم الإخراج باعتباره فاعلا أساسيا لتحقيق العرض المسرحي.
وينطلق الباحث آمال من معطى أساسي يتركز في محاولة إزالة هذه المفاهيم المغلوطة لمفهوم الإخراج المسرحي، رغم اعترافه أن المفهوم زئبقي مما أوجد كثيرا من التعاريف والمقاربات للمفهوم زادته تعقيدا إضافيا.
كتاب "نظرية فن الإخراج المسرحي" محاولة لتعريف عملية الإخراج المسرحي في مراحل تكونها، وتحديد بعض المصطلحات والمفاهيم الفنية والجمالية التي ترتبط بنشأة المفهوم وإشكالاته، واختار الباحث أن يكون الجزء الأول نظريا على أن يعود في الجزء الثاني إلى الجانب التطبيقي.
في المحطة الأولى ركز الباحث على "مفهوم الإخراج" كفن تجسيمي ويعتمد على التركيب والإنشاء لإنجاز تكوين عام، هو عمل تطبيقي أكثر منه تنظيري. وتنبني عملية الإخراج أساسا على أنها عملية تخطيطية قصد تحقيق فعل قائم داخل زمان وفي مكان محدد بكل أبعاده، والعمل الإخراجي هو تحقيق لنتاج بواسطة نوع من الحرفية. وفي فن الإخراج يكون المخرج هو المقترح للرؤية ومحققها، أي أنه المحقق للعرض المسرحي.
فن الإخراج، حسب الباحث أحمد آمال، حركة تقنية شرط أن تكون إبداعية، تعتمد في تحقيقها على ما هو تكويني أو بنائي أو إنشائي أو تعييني أو تجسيمي وهو فعل يقام في المواجهة أي ما يمكن رؤيته. بمعنى تحقيق النص الدرامي على الركح، إذ مهما كان النص الدرامي مكتملا في قراءته فإن اكتمال صورته تكون على الركح.
يحد الباحث بداية فن الإخراج الدرامي في القرنين 18 و19، حين كانت أوروبا ورشا مفتوحا، تتباين فيه التيارات والأفكار، مع إصرار الباحث على تحديد إشكال يتعلق بسؤال بداية الإخراج كعملية قائمة بذاتها أو المخرج كفاعل للعملية. لذلك قدم الباحث فصلا للفضاء، وترتيب الحرف الإبداعية، علاقة المخرج بالنص، وينهي الباحث المحطة الأولى بإدراج رؤية إميل زولا في مقالات كتبت سنوات (1876ـ1880)، منتهيا عند مميزات المخرج الطبيعي.
يتوقف الكتاب في المحطة الثانية عند تجربة رائدة هي تجربة ستانسلافسكي الإخراجية، ومن خلالها نتعرف على علاقة النص بالإخراج، حيث كانت العملية الإخراجية حرفة غير مستقلة عن المؤلف، ومن خلال اشتغال "ستان" على نص تشيخوف "النورس" نكشف سمات هذا الجدل وما أفرزه لاحقا من عملية انتقال الى العرض المسرحي، ومن فهم جديد لفن الإخراج.
في المحطة الثالثة، يتحدث الباحث عن "الحاجة لمسرح جديد" من خلال تجربة ستنسلافسكي مع مسرح الأستوديو التجريبي، تجديدا لأسلوب الإخراج، وتجربة بريسوف ـ كونميل ـ إيفانوف من استنبات أشكال جديدة ويتوقف الباحث عند تجربة مايرخولد الذي ترأس الأستوديو التجريبي والذي حدد أهدافه في البحث عن أشكال جديدة تمثلت في المسرح الشرطي الذي يناضل ضد الطريقة الإيهامية، مسرح يبني نظاما جديدا له بنيته الجديدة ونظامه الخاص به ليكون خطة مستقلة. الشرطية نوع من التكنيك الخاص الذي تبنى به الوحدات الكلية لصورة العرض. إنها إجراء تكنيكي لتحقيق العرض.
في المحطة الرابعة ينتقل أحمد آمال من تجربة المسرح الروسي إلى أوروبا حيث "بيان المستقبلية"/1909، تلتها ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، ويتقصى الباحث أثر هذين الثورتين على التجربة المسرحية. ويصل الباحث في المحطة الخامسة إلى مفهوم الحركة عند مايرخولد المؤدية فيما بعد إلى البيوميكانيكا أو علم القوى المحركة، ويحدد الباحث سمات نقدية/ جمالية محددة لخصها في البعد الجمالي حيث قدسية الحركة، وفي تنظيم المادة، والإيقاع وفي الحركة في الزمان، وفي البعد الإيديولوجي.
ينتهي الباحث أحمد آمال إلى سؤال إشكالي عميق الدلالة: ما يرد من كلمة إخراج؟ بموازاة توقفه عند تجربة مايرخولد. يؤكد الباحث أن الفعل الإخراجي فعل متطور في الزمن، ويتحكم فيه خيال ممارسيه. لدلك ينتهي الباحث عند مقولة دالة للمسرحي مايرخولد العميقة: "لا توجد هناك قاعدة، لا يجب كسرها من أجل مزيد من الجمال".