الأصفر يعزز المشهد الروائي الليبي بأعمال جديدة

عصافير روائية

بنغازي (ليبيا) ـ عن دار الحوار بدمشق صدر للروائي محمد الأصفر ثلاث روايات جديدة هي: شكشوكة. عسل الناس. سُرة الكون. والروايتان "شكشوكة" و"عسل الناس" جديدتان لم تصدرا من قبل، بينما رواية سرّة الكون فقد صدرت عام 2006 من قبل مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، وطبعة دار الحوار تعتبر الطبعة الثانية لها.
ومعلوم أن للروائي محمد الأصفر حتى الآن تسع روايات صدرت منها سبعة واثنان مازالتا تنتظران إذونات الطبع من قبل رقابة المطبوعات بالدول التي ستطبع فيها.
وكتب عن أعمال الكاتب الليبي محمد الأصفر العديد من النقاد الليبيين والعرب منهم: د محسن الرملي، د صبري حافظ، الشاعر الشاعر سالم العوكلي، الناقد أمين مازن، د محمد أحمد وريث، الصحفي محمود البوسيفي، الشاعر السنوسي حبيب، الروائي والناقد السوري نبيل سليمان، الشاعر خالد النجار، الناقدة د. زهور كرام، الناقد محمد معتصم، الكاتب عبدالحكيم حيدر، الناقد عبدالحكيم المالكي، الشاعر صلاح عجينة، الشاعر مهدي التمامي، الكاتب ناجي العقيلي، وغيرهم.
يقول د صبري حافظ عن روايته الصادرة مؤخرا "شكشوكة":
لرواية محمد الأصفر (شكشوكة) نكهة خاصة ومذاق فريد، لا في الرواية الليبية وحدها، حيث لا تحس فيها طعم النصوص الليبية عند إبراهيم الكوني أو أحمد إبراهيم الفقيه، ولكن في الرواية العربية كلها، لما فيها من زخم خاص وشخصيات متفردة وعوالم بكر طازجة لم تكتب من قبل. فراوية (شكشوكة) كالأكلة التي تجعلها عتبة نصها ومدخله تنطوى على مكوناتها الحريفة اللذيذة معا من المسكوت عنه والمضمر الذي يشعل حرائقة في الفم والعقل اللسان معا. وتقدم توليفتها الروائية المتميزة من خلال سرد يتدفق بعذوبة وسلاسة. تتضافر فيه المشاعر والمصائر في سعي شخصياتها الطالعة من قاع السلم الاجتماعي لإضفاء المعنى على حياتهم البالغة القسوة والشظف.
وبرغم اختلاف (شكشوكة) عن النصوص الليبية السابقة عليها، اختلاف بنغازي عن غيرها من المدن، فإنها رواية ليبية خالصة، لأنها رواية واقع ليبي لم يكتب من قبل. واقع مدينة بنغازي والعوالم التحتية الليبية الصميمة وفضاءاتها ومخزونها الثقافي والسوسيولوجي بإحالاته واستعاراته ورؤاه الثرية المتراكبة. إنها من الروايات التي تفتح أمام قارئها عوالم ثرية وفريدة، ومع هذا فهي من فرط فرادتها وجدتها بالغة الألفة والحميمية معا. وهي حميمة صاغتها الكتابة السردية المتدفقة التي تتعدد فيها اللغات والأصوات، ويتجاور فيها الشعر مع النثر، والبلاغة التقليدية مع التعبيرات المباشرة أو الصادمة، وإلا كيف يمكن أن تكتب الرواية ما تعج به هذه عوالم بنغازي التحتية من تناقضات يتجاور فيها النبل مع الخسة، والرقة مع القسوة، والورع مع العهر، وأرقى المشاعر مع أكثرها فجاجة وانحطاطا، والحيوان مع البشر، بصورة لم تكتب من قبل بهذا الزخم الكثيف."
ويمضي د. صبري حافظ قائلا "فمحمد الأصفر يكتب عالم المهمشين الواقعين في قاع السلم الاجتماعي ويكشف لنا عما يمور به هذا العالم من ثراء وخصوبة. لأنه يكتب كتابة عامرة بالخبرة والمعرفة العميقة بل الحميمية بما يكتب عنه، وبأدق تفاصيله وخلجاته. فروايته تقوم بنوع خاص من الحفر الاركيولوجي في طبقات الشخصية الليبية المتراكبة، وتراكمات اللغة المحكية والمكتوبة، وفضاءات بنغازي وتواريخ ليبيا الحديثة منذ الاحتلال الإيطالي وحتى الغارات الأميركية الغادرة في ثمانينيات القرن الماضي. يكتب هذا كله بدراية وحميمية، وفي تدفق سردي تتغير إيقاعاته مع تبدل الأحداث وتغير المشاعر، بصورة يصبح لإيقاع السرد نفسه ولبنيته اللغوية والشكلية محتواها الدال، وقدرتها الرهيفة على التوصيل والتأثير. لذلك كانت روايته من هذا النوع النادر من النصوص الذي يثري خبرتنا بالحياة، ويؤكد لنا أنه من الممكن سحق الإنسان، ولكن هزيمته غير ممكنة."
بينما يكتب الشاعر الليبي سالم العوكلي عن روايته "سُرة الكون":
".. في كون الأصفر السردي الدروب متاهة، والاستقامة وهم، فكل مستقيم هو في الواقع معوج، روايته لا تستجدي مقولات، مثل البنية، والخط الدرامي والسياق .. وغيرها، إنها متاهة حقيقية، لكنك لا تملك إلا أن تستمتع بالضياع فيها ومعها، روايته لا يكتبها بأصابعه، أو بعقله، أو بوعيه، إنما يكتبها بأقدامه التي أينما حطت أو تحط يشتعل السرد، لا شيء يفعله سوي أنه يتسلي بتحريف (نسبة إلي الحرف) حياته .. وبتحريف (نسبة إلي الانحراف) مسار كتابته كلما أحس أنها تماثلت إلي الحكي الحكيم.
الحياة المكتوبة شيطان ليس أخرسَ، وعلي جميع من دخلوا حياة الأصفر أن يدفعوا الثمن، حيث لا مفر من خضوعهم لطقوس التعري التي يمارسها راقصاً. إنه بظفر حاد يكتب علي البخار المتكثف علي زجاج الحياة ليتمكن من الرؤية والرؤيا، ويلهث دون هوادة في صحراء لا دروب لها. آثار أقدامه علي الورق تشي بعطش قديم إلي البوح، عطش لأن يحكي ويشعر ويشتم ويقبّل ويبصق في وجه أي أحد، لا شيء بمعزل عن هذه اللعبة الأثيرة، ولا مقعد حجرياً لا يمكن أن تدفئه مؤخرات الكلام المباح وغير المباح."
ويضيف العوكلي "في هذه الرواية كما في الصحراء يمكنك أن تعرف مكانك بشم التراب الذي تطأ عليه، أو بلصق أذنك علي الرمل القائظ لتسمع نبض قافلة بعيدة. يمكنك أن تنظر فوق، إلي السماء لتعرف أين تحط أقدامك وأين تتجه. يمكنك أيضاً (أن ترفع إصبعك الوسطي إلي السماء) ليكف نزيفك علي الأرض، ولتعرف أنه ليس بمقدورك أن تعرف إلا حين تتمرغ بوحل المكان ومجازه، ولا يمكنك لكي تعيش وتضحك إلا أن تحب كل شيء فيه، الحشرات، الشعراء، مستنقعات المجاري، العاهرات، الأبطال، أذان الصلاة، الدراويش، وحتي (الحجر الأصم). ليس بمقدورك أن تعرف هذه البقعة من العالم إلا بمزيج الحب والكراهية، أن تحبها كلها. من باتوس إلي مورينا، إلي اليهود الذين أجبروا علي الرحيل منها، أو بمعني آخر وكما يقول السارد: (هكذا هي الحياة علينا أن نكرهها ونحب هذا الكره لها) حينما نكره نرى بوضوح وحينما نحب هذا الكره نكتب بشغف، لنكتشف في النهاية أن كره الأصفر ما هو إلا شيفرة لحب مختلف.
بدأ الأصفر روايته من قورينا الغائبة تحت حشائش النسيان والحاضرة في وجداننا بحب مشوب بأسئلة الهوية. قورينا في ليبيا لكنها ليست ليبية، نفتخر بها ونخاف منها، لذلك تركنا الحشائش تتراكم فوق أطلالها، ورق التوت الذي نستر به عورتنا التاريخية، أو إهمالنا للذاكرة التي لا تخلو من الريبة، من هنا بدأ الرواية لكنه كان لا بد أن يذهب إلي طرابلس ليبحث عن السلفيوم وليكتشف ليبيا، كان يفر من ميثولوجيا الكتب ليشيّد أساطيره الخاصة في حاضرة هذا الكيان، وكان لا بد أن تقتحم مورينا هذه الرواية لتصبح قدرها، وليحفر في مناجم كحلها بحثاً عن مخلفات ليبيا القديمة الراهنة، ليبيا التي سيعشقها حتي الجنون، ويعطيها كل شيء حار في داخله، والتي بدورها ستبخل عليه حتي باسمها الذي عليه أن يسحبه من الرواية، كان لابد أن يخترع أسطورة مهجة لتستمر الرواية. شخصية يستدعيها من نطاف الأصلاب، من الحلم العصي، من ركام الكذب الذي يردم حياتنا اليومية المقنَّعة، لنحاكم الجميع، ولترافع عن الخطيئة المرعبة التي مازالت تلاحقنا. مهجة هي المسيح الذي (نطح البكارة برأسه)، وأصبح في وجدان العالم معجزة. بين الخطيئة والنبوة شعرة، تحاول مهجة أن تلفها علي ظفر سبابتها وتشير بها إلي السماء المخدوشة. بين الخطيئة والمعجزة عَقْد أخلاقي هو الذي دشن الإنسان فوق الأرض في أكثر لحظاته صدقاً وتمرداً، مهجة لم تتكلم في المهد لكنها تكلمت وهي مشطورة بين الصلب والمبيض.
مهجة هي عبدالسلام الأسمر الذي اختار أن يغني من منفاه المعتم، معجزة الأصفر الذي يحاول بها أن يثبت نبوته المارقة في أرض يتآكلها الضلال. تتسع لكل شيء، للقمامة ومحطات النفط والمقاصل والسجون والبوليس، وتضيق عن حالة حب تكتب نفسها، أو تنكتب كل لحظة في شوارع طرابلس وأزقتها ومقاهيها. كيف يمكنك أن تحلم في أرض، فيها اسم الأنثي عورة، والمزهرية قرب السرير تهشمها الأحذية التي تدخل دون استئذان؟ أسئلة الأصفر الضمنية التي لا يبحث عنها، وليس مأخوذاً بأية إجابة لها. يهذي لأن أقدامه تهذي. يسير مثلما يسير النائم علي حافة الجسر. يسقط بمجرد أن يستيقظ، والأشياء التي يمر عليها تتأنسن بنزواتنا، جذوع الأشجار والجدران والمراحيض. لا تتأنسن وتدفأ إلا بالبذاءات التي يخطها العابرون، وما وعدنا به في بداية وأثناء السرد لم يأتِ أبداً، لأن مورينا العصية لم تخرج منه. هذا المس الذي لم تنفع معه التعاويذ ولا الضرب، هو في الحقيقة ليبيا المليئة كهوفها باللوحات والغيلان والجنون، البحث عن السلفيوم، وحلول روح باتوس في الكاتب الذي سيؤسس ليبياه هو، سيملؤها بالأساطير والمذابح والمعابد."
ويمضي العوكلي قائلا "الرواية بمجملها نبتة سلفيوم تنمو بداخله (رواية تائهة كالكرة الأرضية لأن لا أحد يعرف شيئاً، حتي الكاتب نفسه عن مصيرها) إنها لا تتوخي سوى المتعة كشرط فني وحيد لها (فمن رحم المتعة يولد الأحرار ويتلاشي الدمار) هو يحب أن تتشكل في الظلام حيث الأحلام اللذيذة والهترسة التي لا يحكمها منطق ..الظلام الذي يضيء نورنا الخادع .. من ظلام الرحم يستنطق مهجة .. نبتة السلفيوم الأخرى التي يبحث عنها في ارتعاشة حلمية مؤجلة لزواج أزلي، يقع في التاريخ واللحظة، في الواقعة والأسطورة، في النور وفي العتمة، في أحلام الظلام اللذيذة وكوابيس النور التي تحيكها المدينة بعناية.
هذه الرواية تستفزك من جملتها الأولى. تتشاجر معها وتلعن ديكها فتلعن ديكك. تُضحكك وتبصق في وجهك، توشوش في أذنك نكتة بذيئة ثم تصفعك وأنت تضحك. يدخلها كاتبها وهو لا يعرف شيئاً عنها، حيث الكتابة وسيلة للمعرفة وليس العكس. يدخلها القارئ متوجساً أن يجد اسمه فيها، وخائفاً أن يتيه فيها إذ يتيه بها، القارئ الذي يدعي المعرفة المتعالية عن نص يتشكل بين يديه سيتعب كثيراً ويكابد هذا التداعي الذي يهدد نرجسيته، وسيقابل كثيراً من الشتائم الموجهة إليه مسبقاً، بإمكان أي قارئ أن يكون أحد شخصيات الرواية حسب موقفه منها."