الأردن: إصلاح ملتبس بضده

بقلم: إبراهيم غرايبة

منذ عقدين ونحن نشهد في الأردن (وهي حالة يمكن تعميمها عربياً) انتخابات نيابية وحكومات تشكل وتحل، ومؤتمرات وندوات تعقد تحت عنوان الإصلاح. ولكن شيئاً من وعود الإصلاح لم يتحقق. المديونية تتزايد، ومستوى المعيشة يتراجع، والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية تنهار، والمرافق والخدمات الأساسية عاجزة مترهلة آيلة للسقوط، والحريات العامة والسياسية وحقوق الإنسان تراوح بين مستوى الاتجار بالبشر والقمع والتهميش، الخ.
فمن يتابع الشأن العربي يلاحظ القدر الكبير في التعاطي مع الإصلاح، لكنه يكاد يشعر بمتاهة التنظير والجدل والردود، والأسوأ أنه يجري تحويل الإصلاح من شأن عام يهم كل مواطن إلى موضوع متخصص ومبهم وملتبس بالرطانة والمصطلحات والأناقة والبزنس والعلاقات العامة، وأخيرا الوصاية على المواطن والتفكير بالنيابة عنه، وكأن المجتمعات القائمة هي مجتمعات من الأيتام والقاصرين، وربما يكون ذلك أسوأ عملية فساد وقع بها نشطاء الإصلاح والتنوير، برغم أن الهدف الأول والأخير للإصلاح هو مشاركة المواطن واحترام رأيه وتقديره.
فالمواطنة هي العقد القائم بين الأفراد والدول والمجتمعات والشركات في ما بينهم على التقدم والازدهار، وبالتالي فإن المواطن هو جوهر العملية الإصلاحية. فلماذا يتجه التنظير والتفكير والتخطيط في مسار بعيد عن معرفة ووعي ورأي المجتمعات والأفراد؟ من أين حصلت النخب على هذا الحماس للعمل والتفكير لأجل مجتمعات لا تعرفهم ولا تشاركهم الرأي ولا تفكر كما يفكرون ولا تتألم كما يتألمون ولا تتطلع إلى الاحتياجات والأولويات التي يقدرها النخب والمفكرون والمسؤلون، .. والأوصياء؟
نسمع كثيرا عن الإصلاح السياسي، لكن المواطن يتساءل عن مستوى التعليم والمدارس، ويغرقنا شباب وسيمون مدللون بالحديث عن تشجيع السياحة والاستثمار، ولكننا نتساءل ونفكر في السكن المناسب والتغذية الصحية والصحة والمرض وسوء التغذية واللباس.
ومرحلة المعرفة المؤمل دخولها تقتضي بالضرورة معلمين مؤهلين ويجدون الفرصة في حياة كريمة، ولا يمكن أبدا بالظروف الحالية للمعلمين في المدارس الحكومية والخاصة أن نحلم بالمعرفة حتى لو أغرقنا المدارس بالحواسيب والمجتمع والبوادي والغابات بشبكة الإنترنت، وبالطبع فإن المعلمين يتساءلون عن علاقة الإصلاح والديموقراطية والإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي بفرص حصولهم على مستوى لائق من الحياة الكريمة.
الحكومات لديها قدرة وكفاءة عالية في جمع الضرائب وتقنينها، تجعل كل الحديث عن تراجع دور الدولة وتعاظم المجتمعات المدنية والعولمة خرافة مضحكة، فهو تراجع لم يكن إلا في التعليم والصحة والرعاية، ولكنها لا تملك إجابات واضحة ومقنعة عما تفعل بهذه الضرائب أو كيف توزع أعباءها على المواطنين، وتكاد الخريطة الإصلاحية تكشف عن تحالف بين الحكومة والشركات الكبرى والأغنياء ضد المجتمع، فالإعفاءات والتسهيلات لا تفيد سوى الأغنياء، والضرائب المتسعة والمتزايدة تطال الطبقات الوسطى والفقيرة، والتشريعات تسهل على الشركات والمستثمرين وتضيق على العمال والمواطنين.
المنتظر ببساطة ووضوح هو أن يكون لكل مواطن رقم ضمان اجتماعي، وبطاقة تأمين صحي مناسب، وفرص تلقائية في العلاج والتكافل في المسؤولية الاجتماعية والقانونية والحماية في مواجهة الشركات التي تقدم خدمات أساسية ويومية مثل: الكهرباء والماء والاتصالات والتأمين، وحقوق أساسية في قوانين العمل والاستغناء، وأن يتنافس المواطنون بشفافية وعدالة على الوظائف والفرص، العليا والعادية، في المؤسسات الحكومية وفي الشركات والقطاع الخاص أيضا، ففي اقتصاد المعرفة والخدمات سيكون جوهر الديموقراطية والتنمية فيه قائماً على فرص العمل والتدريب وقواعد التنافس والترقية والتوظيف والاستغناء والحوافز.
واليوم فإن الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة دبي بخاصة تتيح لنا أن نعبر بصوت عال طالما أن المتخصصين وقادة الشركات والدول وعباقرة الرطانة والعلاقات العامة كانوا يواجهوننا بصوت عالي طوال السنوات الماضية كلما تحدثنا عن العدالة الاجتماعية والمشاركة بين القطاع الخاص والحكومات والمجتمعات أو حاولنا أن نفهم الموارد والاحتياجات الأساسية، ويحق لنا أن نقول اليوم بصوت عال إنه جرى عمليات إرهاب شنيعة مورست على المجتمعات وأصحاب الرأي وكل من ليس من أنصار اقتصاد الوهم والأسهم والعقارات والعلاقات العامة، ونحتاج اليوم نحن ضحايا هذه البرامج والمقولات التي فرضت علينا أن نفكر بأنفسنا ونجرب ونفحص ونتساءل، وعلى أية حال فلن نخسر شيئا جديدا طالما أننا خسرنا كل شيء تقريبا، المدراس والتعليم الرسمي والرعاية الصحية والاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية والعدالة، بل إن كل إنجازاتنا التنموية تكاد تكون في مهب الرياح.
بالتأكيد إن عالماً جديداً بدأ بالتشكل، وإن كنا اليوم نجزم بخطل الليبرالية الاقتصادية وأنظمة السوق المتوحشة فيجب أن نقول أيضا إن النظريات والنماذج السابقة أيضا قد أفلست وفشلت.
ولكن يمكن ملاحظة كيف استطاعت دول أن تنشئ اقتصادا حقيقيا وموارد جديدة تتفق مع المرحلة العالمية الجديدة، كما حدث على سبيل المثال في إيرلندا والدول الاسكندنافية، وفي الهند والصين، ونحتاج للتعرف على الفرص الجديدة المتاحة ولفحص أين كان الوهم والخلل والتضليل وأيضا النصب والاحتيال الذي يمرر علينا.
في النموذج الاقتصادي الجديد فإنه للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية لم يعتمد الازدهار والغنى على الثروة الموجودة، بالتأكيد فإن مرحلة اقتصاد المعرفة أتاحت فرصا جديدة وألغت حالات سابقة مزدهرة، ولكن السؤال هل كانت البرامج والتحولات الاقتصادية والاجتماعية مكافئة للاقتصاد الجديد؟
الواقع أننا بحاجة اليوم إلى حكومات جديدة مختلفة عن تلك السابقة التي كانت رب العمل الأكبر، او ما سميت دول الرفاه والتنمية، وتختلف أيضا عن حكومات البزنس، ليس مطلوبا اليوم حماية الشركات المحلية والصناعات الوطنية بأي شكل من الأشكال، وليس مطلوبا أيضا فتح الباب على مصراعيه للشركات والأعمال الاجنبية لتستولي على كل شيء، ولكنا نحتاج لشراكة من نوع جديد مختلف، ونحتاج إلى المشاركة في العولمة الجارية ولكن على النحو الذي يعود علينا بالعدالة الاجتماعية والرفاه والتقدم الاقتصادي والتنموي، وليس بتحويل البلاد إلى فرص لقلة من الشطار والفاسدين.
الازدهار اليوم يقوم على المعرفة والمهن والتعليم المتقدم والمشاركة والمنافسة المعرفية والمهنية، وهذا يحول وظيفة الحكومة إلى الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص من أجل توليد الازدهار، وليس فقط إنشاء البنى التحتية، فقد قامت مشاريع واسعة النطاق تختص بالبنية التحتية الملتبسة الاستعمال واقتصرت فوائدها على تعزيز المقاولين والشركات ومجموعات أخرى لها مصالح مميزة. إبراهيم غرايبة
كاتب أردني - عمان