صخر صدقي.. كلام ناعم يخلو من الدوي

بيروت - من جورج جحا
وجع في قص مصري

تشكل مجموعة صخر صدقي القصصية "محطة بيت المسنين" في غالبها اعمالا ابداعية مميزة تختزن نواحي مهمة من الحياة وواسعة احيانا في لحظات مكثفة شديدة "القول" وشديدة الايحاء.
ينقلنا الكاتب المصري صخر صدقي في قصص هذه المجموعة من حالات تبدو محدودة - نفسية او من الواقع- الى ما هو ابعد منها بكثير فتتحول اللحظات المكثفة عنده الى اكثر من لحظات وأحيانا الى حقائق انسانية كبيرة واسعة وطويلة الأمد يعجب القارىء احيانا كيف وسعتها تلك "اللحظات" وأين اختزنتها قبل ان يطلقها الكاتب.
الكتاب الذي ورد في 94 صفحة متوسطة القطع احتوي على39 قصة قصيرة وصدر عن "دار ميريت" في القاهرة.
يركز الكاتب احيانا على حالات الضعف والعجز البشرية وعلى حالات الفقد والوحشة والحنين. قد يتمثل العجز عنده في حالات من الشيخوخة الفعلية وقد يتجسد في غير الشيخوخة. وفي معظم الحالات والأحداث الفعلية والنفسية الذهنية التي يرسمها لنا يسري دفء من التعاطف والشفقة واللوعة لا على انسان ما في وضع ما فحسب بل على الإنسان في شكل عام.
صخر صدقي يجد نفسه في كثير من الناس فيرسم ذلك بصدق يجعلنا كقراء نجد انفسنا في اشخاصه كما نجد انفسنا فيه ككاتب مبدع. ولعل من ابرز ما يظهر عنده دقة في كلام هاديء ناعم غالبا يخلو من الادعاء والدوي.. ولعل ذلك واحد من اسباب قدرة هذا الكلام على التأثير.
نبدأ بالقصة الاولى وهي قصة نموذجية في تمثيلها اجواء المجموعة اجمالا. عنوانها هو "الناحية الاخرى". بعد الانتهاء منها قد يشعر القارىء بما يماثل ذلك الشعور الذي يسيطر عليه بعد قراءة امرىء القيس في كلماته الاخيرة قبيل موته.. كلمات يوجهها الى تلك المرأة الغريبة التي دفنت في المكان نفسه الذي اقعده فيه السم الذي وضع له في درعه كما تقول الروايات. قال الشاعر الذي لقب بالملك الضليل لتلك المدفونة قربه قبالة جبل عسيب "ايا جارتا انّا غريبان هاهنا/ وكل غريب للغريب نسيب".
في قصة صخر صدقي هذه نكتشف ايضا ان ضعف الاخرين قد يستفز القوة الكامنة بل شبه الراحلة عند ضعفاء من امثالهم. ان نشفق على الضعفاء يبدو احيانا كأنه مرادف للاشفاق على الذات. اليست بعض معاني الانسانية من هذا القبيل احيانا.
يبدأ الكاتب بالقول "وقفت وسط الطريق تتلفت في كل اتجاه في بحث دائب عن يد تمسك بيدها المرتعشة لتعبر بها الى الناحية الاخرى من الطريق. خجلها وعزة نفسها يمنعانها من الطلب المباشر للمساعدة... وسط عربات لا ترحم وضجة لا تنتهي.. لم تكن الدنيا هكذا..! الحمد لله لم يبق من العمر الكثير... كاد قلبها ينخلع على الصبي الذي مرق من امامها كالسهم ليصبح في ثوان على الجانب الاخر... تمتمت بالدعاء "ربنا ينجيكو يا ولاد" ...
"لمحها وهو في طريقه الى التأمين الصحي في مستشفى في نفس الاتجاه الذي يسير فيه. كانت مثله كبيرة السن ولكن عندما يتعلق الامر بالسن فالمسألة نسبية. فهي تبدو اكبر منه ولياقتها تبدو اقل منه بكثير...".
وكأن الكاتب يطرح سؤالا او اسئلة عما يمكن لبعض الامور ان تثيره فينا من حالات وتحرك فينا من قيم وقد تقدم لنا مكافأة نفسية "هنا" فضلا عما يمكن ان يسجل لنا في الآخرة.
اضاف الكاتب في هذه القصة النموذجية ملتقطا بقدرة وصفية حركة الشارع المرعبة وحالات الخوف والهلع التي تسيطر على من يجد نفسه -خاصة اذا كان مسنا- وسط موجة السيارات المجنونة "سألها بصوت امر وكأنه يعرفها "عاوزة تعدي". سقط رأسها غصبا عنها بالموافقة وبنفس اللهجة الآمرة طلب منها ان تعطيه يدها. مدت اليه يدها على استحياء... تمتمت بامتنان "اشكرك يا ابني".
"كانت المسؤولية كبيرة ولكن سعادته بما يقوم به كانت اكبر وخاصة عندما نادته "يا ابني".. كانت العربات تسير في الاتجاهين. كان من المستحيل ان يقوما بالعبور على مرحلة واحدة.. وعبر بها في المرحلة الاولى. توقفا في منتصف الطريق بين العربات. كان قلبها يسقط ويرتد... قال لها مشجعا " ما تخافيش"... كانت العربات تحاصرهما من الجانبين... كان يستمد قوته من ضعفها...
"وصل بها بر الامان. بعد ان ودعته وغابت عن نظره راح يبتهل الى الله ان يمنحه نفس الشجاعة التي واتته وهو معها كي يرجع الى الناحية الاخرى بمفرده".
في قصة "تواصل بالسكوت" وصف لحالات رائعة من التفاهم الروحي تبدو اقرب الى الحالات الصوفية. هكذا كانا قبل ان تموت. "كنا نجلس معا بالساعات ولا نتبادل كلمة واحدة. كان الصمت يغلفنا بغلالة من حرير خفيفة وشفافة. لم يكن احد منا بحاجة لان يتكلم حتى ينقل له ما يشعر به ... لم يكن عزوفنا عن الكلام الا نوع من الصلاة تلتقي فيها ارواحنا وتمتزج مع حلاوة واتساع الكون...."
وجاءت الزوجة الثانية فلم يعد يتذوق متعة الصمت معها. ترفع صوت الراديو او التلفزيون كلما وجدته صامتا ثم تسأله "انت ساكت ليه.." و"في حاجة مزعلاك". يقول الرجل ان الحال وصلت به الى ان اصبح يكره الصمت ويكره الكلام "عزائي الوحيد هو الركن السري بدولابي الذي احتفظ فيه بصورتها اخرجها من مخبأها الآمن اتطلع اليها بشوق... اتأمل ابتسامتها الوادعة وأعيش معها لحظات الصمت التي سعدنا بها معا".
في "الرسالة" يجد الجد تعزية وتعويضا عن النهاية في حفيده الصغير. وفي "حائط الذكريات" مرارة مشاهدة الزمن والواقع يأكلان احلامنا بقسوة. وفي "القانع" عالم سريالي بغرابة ممتعة تثير التساؤل.
صخر صدقي يروي بقدرة وجمال ويأخذنا من المحسوس العادي وعبره الى ما هو ابعد من ذلك... اي الى ما تمتلىء به النفس حينا وإلى ما تفقده احيانا وإلى الحلم في احيان اخرى. وبينما يوحي لنا بمهارة بأنه يرسم باليومي على "جلد الحياة" يغوص بنا الى اعماقها وبمهارة مماثلة.