خسارة فاروق حسني تشعل قضية صراع الحضارات

كتب ـ محمد الحمامصي
عوامل انهيار المجتمعات والأمم والحضارات

كثر الخلاف حول الثقافة والحضارة عندنا وعند الآخرين، وأصبح هناك خلط في مفاهيمها ومعانيها، ليس بين أصحاب الثقافات والحضارات المختلفة فحسب، بل بين أبناء الثقافة والحضارة الواحدة أيضا.
وقد أشعلت خسارة فاروق حسني وزير الثقافة المصري بالفوز بمنصب مدير اليونيسكو، وفوز وزيرة الخارجية البلغارية السابقة، قضية صراع الحضارات والثقافات، صراع الشرق والغرب، والحضارة الإسلامية والغربية المسيحية، ليتم تبادل الاتهامات في سياقات فكرية تارة وسياسية تارة أخرى.
وعلى الرغم من التردي الذي تعاني منه الحضارة الإسلامية، وهو أمر واقع، وأسبابه واضحة للعيان، يكفى أن نشير إلى أمر واحد هو الفساد الذي طال كل شيء، لكن على الآخر ألا يتجاهل فضل هذه الحضارة على الإنسانية في كافة مناحي الحياة والعلوم والفنون ..إلخ.
وهنا في هذا السياق نشير إلى أن ابن خلدون العربي المسلم كان أول من استخدم فكرة الحضارة كفكرة مستقلة، فهو يعتبر أن الحضارة هي التفنن في الترف واستجادة الأحوال والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه مثل الصنائع المهيئة لعمل وصناعة المطابخ أو الملابس أو المباني أو الفراش أو الآنية.
أما في الغرب فلم تكن معروفة، وفي سنة 1388 ظهرت كلمة civil في اللغة الإنجليزية، ولم تظهر كلمة حضارة بمعني ضد البربرية إلا سنة 1722 أي بعد ابن خلدون بثلاثة قرون تقريبا، وكان أول من استخدم كلمة حضارة في كتاب منشور في الغرب هو المركيز دي ميرابو سنة 1757، والتعريف الذي ذكره يتشابه مع تعريف ابن خلدون، وعندما اكتشف مفهوم الثقافة تم الربط بينها وبين الحضارة، مع ملاحظة أنه قبل سنه 1780 حيث لم تكن الثقافة موجودة كانت الحضارة بمفهومها الذي ذكره ابن خلدون موجودة ثم مرت بعملية تطور.
كل هذه الأمور طرحها د. محمد الجوهري في كتابه "الثقافات والحضارات .. اختلاف المفهوم والنشأة" الصادر هذا الأسبوع عن الدار المصرية اللبنانية، ليصل إلى جذور هذه قضايا الثقافة والحضارة ويحلل عناصرها بمنهجية علمية محايدة إلى حد كبير من منظور إسلامي محايد، طارحا لسؤالين جوهريين: هل الحضارات الجديدة تقوم بقيام اعتقاد ديني جديد؟ هل تنهار الحضارات بانهيار الاعتقاد الديني الذي قامت عليه؟ كاشفا عن أن التغير في الدين والكتب المقدسة يؤدي إلى انهيار الثقافة والحضارة التي قامت عليه، وأن الشرك والكفر والفساد والبغي والطغيان من عوامل هذا الانهيار، وقد جاء ذلك في العديد من آيات القرآن الكريم.
ويرجع ذلك إلى "أنه إذا لم يكن هناك رادع أو مانع لاستمرار الشرك والكفر والفساد والبغي والطغيان، فإنه قد يحدث اختلال عظيم في الأرض أو المخلوقات بما فيها الإنسان نفسه، فالفساد الذي يسبب اختلال في البيئة مثلا قد يجعل الأرض غير صالحة للحياة أو يغرق أجزاء شاسعة من الأرض بما عليها من حياة وأحياء بسبب ارتفاع حرارة الأرض الذي قد ينتج عن الاحتباس الحراري، أو ثقب الأوزون وتلوث التربة، أو الماء، أو الهواء بسبب الفساد الذي يمارسه البعض دون رادع من دين أو ضمير وما يسببه ذلك من أضرار وخيمة، والفساد الذي يؤدي إلى اللعب في الخريطة الجينية للإنسان والحيوان والنبات دون رادع أو ضوابط صارمة تمنع المنحرفين الذين يعبثون بالخريطة الجينية أو أي مجال من مجالات الهندسة الوراثية.
والفساد الذي قد يسبب استنزاف الموارد الطبيعية المحدودة على سطح الأرض بصورة عشوائية دون ضوابط محددة، كل ذلك قد يؤدي إلى انهيار المجتمعات والحضارات، ويهدد بأضرار جسيمة تصيب الحياة والأحياء على سطح الأرض".
وفيما يتعلق بالغرب يشير د. الجوهري إلى أن ثورة من الشك والإلحاد التي تصاعدت حتى شملت كل أوروبا أثناء وبعد الحروب الصليبية، أدت إلى تغيير التعليم والأخلاق والسلوك، و"تغيرت المعتقدات المسيحية إلى معتقدات لا تؤمن بالغيب ولا بما وراء الطبيعة ولا بالأخلاق المسيحية، وأصبح الكتاب المقدس عرضة للشك وعدم الثقة وهوجم هجوما عنيفا من كل الكتاب والمفكرين في كل أوروبا إلا قلة قليلة، وأصبح رجال الدين محل هزء وسخرية في كل المنتديات والمجتمعات الأوربية، وبذلك قامت العلمانية التي قامت لتناقض وتناهض المسيحية، واصطبغت كل المفاهيم والمعطيات في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة والحضارة والتربية والتعليم والنواحي الاجتماعية، وفي جميع مجالات الحياة بالمفاهيم العلمانية، وبذلك قامت العلمانية بمثابة دين جديد وثقافة جديدة وحضارة جديدة للمجتمعات الأوربية، وللمجتمع الأميركي الذي قام بعد هجرة الأوربيين، وبخاصة البروتستانت إليها في زمن الاحتلال البريطاني.
ويرى د. الجوهري أنه بعد الحربين العالميتن الأولي والثانية، وبعد ما حدث فيها من فظائع وملايين القتلى الذي لم يكن له مثيل في التاريخ، "بدأت صحوة دينية وخاصة في أميركا وبدأت حركات الإحياء الديني الأميركي تتنامي، وبعد الأزمة الثقافية في ستينيات القرن العشرين وهي في حقيقتها أزمة روحية أصبح هناك قبول بكل الأديان في سبعينيات القرن العشرين ونشطت حركات الإحياء البروتستانتية الأميركية نشاطا كبيرا، وخاصة حركة الإنجيليين رغم أنها لم تكن في الصفوف الأولي من الحركات الدينية الأخرى إلا أنهم كانوا يمتلكون شبكة من المنظمات القائمة بالفعل، والتي كانت على استعداد لاستيعاب وتوجيه المتحمسين الجدد، وبذلك قامت تلك الإحيائية الدينية والتي كان أساسها هؤلاء المتحمسين الجدد من الإنجيليين البروتستانت والتي شملت طوائف عدة، وأطلق عليهم اسم المحافظون الجدد، وكانوا سببا في نجاح بوش الابن في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2000".
و"مع تصاعد اليمين الديني الأميركي المتخصص في حركات الإحياء الديني الأميركية: هل هي بداية مرحلة دينية جديدة ونهاية العلمانية؟ أم هي دور من أدوار الدورات المتكررة من التوتر الاجتماعي والروحي؟ والمشكلة ما زالت مستمرة، فالعلمانيون ما زالوا يرفضون ويهاجمون الكتاب المقدس، ويعتبرون ما جاء به غير مقبول، والإحيائيون يتهمون العلمانيين بأنهم اتخذوا العلمانية دينا لهم، والكل لا يزال تحت مظلة الدستور الأميركي العلماني والقوانين العلمانية والمفاهيم والمعطيات الثقافية والحضارية العلمانية".