ستّوري .. عراقي الهوى واللكنة

بقلم: عبود الجابري
مازال لدي الكثير

من رمية نرد عمياء ينطلق عبدالستار ناصر كل صباح ليمتحن أيامه المرتقة بتفاصيل وطن لاحصر له، وطن أعطاه القليل، وسلب منه الكثير كعادة الأوطان.
الوطن يبدو بين يدي عبدالستار كما التعويذة التي لا نستطيع أن نتقحم الظلام دون أن تكون معلقة في أعناقنا، يسير متحسسا عنقه دائما بحثا عن الوطن – التعويذة -، فلم ترق له البلدان كلها وهو السندباد الذي ذرع الكرة الأرضية طولا وعرضا، ولم يحاول أن يتعلم لهجات الآخرين مثلما فعلنا نحن، فظل عراقي الهوى واللكنة، لم يمنح أحدا طريقا للضغينة، فهو صديق للجميع، ولم يمنح أحدا فرصة للسبق، فهو صاحب خمسين كتابا، مثلما هو صاحب مئات الكتب والكتاب الذين كتب عنهم وعنها، كتب لأنه ضعيف أمام الجمال، بينما يسطو البأس على نفسه، فمن أصدق منه حين يحدث عن طفولته؟ ومن أعذب منه حين يعترف بما لا يقال إبان ذيوع اسمه كاتبا.
لقد وصف عبدالستار ناصر كل شيء تربص بأيامه، الشارع، الطاطران، النساء، الطغاة، لحظات الكتابة العصية، الغنى والفقر، الخمرة التي تمد لسانها مستدرجة ليله الخصيب، والأصدقاء الذين يراودونه عن البئر التي يعلق فيها دلوه.
عبدالستار، أو ستار، ستوري، كما يروق لنا أن نناديه ساعة تصفو اللحظات بيننا ... مريض، والبلاد تطلق أوجاعها على يده ولسانه، ليصير مريض اليد واللسان، أما الوجه فالوجوه جميعها غريبة مذ وضعنا أول خطوة على التراب البعيد عن النخل.
ستوري الذي سألني يوما كيف سأقلي البيض؟ هل أضع الزيت أولا أم أضع البيض؟ فقلت له ضع ما تشاء وانتظر النتيجة وكرر المحاولة حتى تنجح، عندها تيقنت أنه لا يعرف سوى الكتابة مهنة وهواية ومصيرا، وأن يده ولسانه معلقان بقلبه الذي يضع سيناريوهات المحبة، لتستحيل بينهما قصة أو ذهبا لا يكف عن اللمعان.
وهكذا فإن عبدالستار سيمد قامته بعد قليل، ويشير إلينا أن اطمئنوا فمازال لدي الكثير مما لم يكتب، والكثير مما لم أقله بين أيديكم، ثم يمد يدا متثاقلة ليرمي رمية نرد عمياء يبدأ بها يوما جديدا. عبود الجابري ـ عمَّان abboudaljabiri@yahoo.com