إيران والسعودية تسابق محموم في العراق

بقلم: جواد كاظم الخالصي

استخدام الأوراق السياسية من قبل الكثير من الدول المؤثرة وبالذات الكبيرة منها أو التي تحاول أن تهيمن على صورة المشهد السياسي في دولة جارة لا بد أن يكون وفق ضوابط مدروسة من قبل هذه الدول. وهي في النتيجة عادة ما تُخلّف الكثير من السلبيات على تلك الدولة المضطربة سواء أمنيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا وفي النهاية يعتبر تنازعا سياسيا بين اللاعبين الذين يحاولون أن يستغلّون كل مفصل من مفاصل الدولة وأركانها المهزوزة إن لم تكن هي من تدير عمليات تمزيق ذلك البلد.
والعراق اليوم يمر بهذا المنعطف الذي تحاول بعض الدول أن تكون لاعبا أساسيا فيه بداية من الاحتلال الأميركي حتى ارتكز الأمر على تنازع أجندتين مهمتين في العراق وهي الأجندة الإيرانية والأجندة السعودية ومن الطبيعي أن يضاف لها محاولات بعض الدول ذات التأثير الصغير كدول الجوار والإقليم ولكن ما يهمنا هنا التفاوت والتداخل في حلبة الصراع بين إيران والسعودية اللذين مرّا بتجربة هامة لهما وهي التجربة اللبنانية وكيفية إظهار قوة بعضهما البعض على الساحة اللبنانية وقد كانت الممارسة السعودية ناجعة وناجحة كما يظنون في أن تمكنوا من إيجاد لوبي قوي وأجندة سعودية قوية على الساحة اللبنانية وكان نتاجها فوز تحالف 14 آذار بقيادة سعد الحريري بعدد 71 مقعدا في البرلمان اللبناني والمدعوم من السعودية مقابل تحالف المعارضة بعدد 57 مقعدا والذي يمثله حزب الله المدعوم من إيران وبهذا تكون السعودية أصبحت ورقة ضغط قوية في الواقع اللبناني وسوف تؤثر بشكل أو بآخر على الأوضاع السياسية في لبنان وربما جميع المراحل السياسية التي ستمر بها الحالة التنافسية السياسية في بيروت وقرار بيروت على المستوى الداخلي والخارجي وهذا لم يكن ليأتي من فراغ بل إنها (السعودية) دعمت وبكل قوة ماديا وسياسيا ومعنويا بل وحتى استخباريا القوى التي تناصر الموقف السعودي في لبنان.
من هذا المنطلق وهذا المفصل السياسي المهم الذي تصارعت فيه إيران والسعودية على كعكة السياسية اللبنانية نجد أن هذا الهوس قد انتقل إلى الداخل العراقي من أجل الاستفادة من تلك التجربة المرّة على الشعب اللبناني ومن أجل تطبيق ذلك في العراق نجد التصارع الإيراني السعودي قائم منذ أن سقط النظام البعثي والى اليوم ولعل الأيام والأشهر القادمة سوف يزيد من تفاعله أكثر فأكثر بقدوم الانتخابات البرلمانية القادمة في العراق والتي يحاول كل واحد منهم أن يؤطّر ويؤدلج أجندته على الأرض العراقية وبنفس طريقة تهميش وتجاوز الشعب اللبناني فإنهم سيتجاوزون الشعب العراقي ويهرولون خلف الأحزاب الموالية لهم على الساحة العراقية وكل ذلك من اجل أن تكون تلك هي ورقة الضغط الرئيسية على الجانب الأميركي الذي وقعت على عاتقه مسئولية بلد بعد تغيير نظامه، فالجانب الإيراني يحاول مسك الورقة الشيعية عبر بعض الأحزاب التي قد تكون موالية لها في مساحات معينة وضمن اصطفافات سياسية ضيّقة وهو ما تحاوله في الانتخابات البرلمانية القادمة وتشير المعلومات أنها نزلت بقوة من أجل أن تكون هنالك ورقة رابحة مؤثرة في المشهد السياسي القادم للسنوات الأربعة التي ستتشكل فيها أجهزة الدولة التنفيذية وفي المقابل فإن الدور السعودي يبدو هو الآخر يهرول بسرعة ودون توقف من أجل أن يرسّخ وجوده على الساحة العراقية وهو يدفع منذ البداية باتجاه تأزيم الأوضاع العراقية سياسيا وأمنيا كما فعلت إيران مع الفارق أن إيران كانت تعترف بكل الحكومات العراقية وبالنظام السياسي الجديد في العراق ويقابله رفض شديد من الجانب السعودي لكل العملية السياسية وتغيير نظام صدام ويُقال أن السعودية صرفت ملايين إن لم يكن مليارات الدولارات من اجل إظهار رفضها النظام السياسي الجديد في العراق وهو أمر حسمته السلطات السعودية عندما أبدت رغبتها في عدم التعامل مع الحكومة العراقية وبالذات مع شخص المالكي لأسباب ربما تكون طائفية مقيتة.
السعودية تحاول اليوم من خلال الانتخابات البرلمانية القادمة أن تتوكأ على التجربة اللبنانية في تغيير المعادلة السياسية العراقية وقد أشارت الأنباء قبل أسابيع إلى أن السعودية جندت ما يقارب العشرين مليار دولار من الأموال السعودية التي ربما يحتاجها الكثير من السعوديين وهم يعيشون تحت خط الفقر في بعض المناطق السعودية المحرومة وأيضا لأسباب وأبعاد طائفية لا يمكن القبول بها بدل أن تصرف في أجندات سياسية قذرة تحاول تخريب الواقع السياسي العراقي الذي ربما يجر ذلك إلى تفاعل حدة الصراع مرة أخرى بين العراقيين أنفسهم وكل ذلك من اجل أن تبقى السعودية في المنطقة الورقة الضاغطة في الكثير من الملفات السياسية العربية أمام العالم الغربي وكي تكون المنافس القوي للنفوذ الإيراني على مستوى المنطقة العربية الممتدة الى الأراضي الفلسطينية وهذا ما يجعلهم أن يفرضوا أجندة السلام التي يريدونها مع الاسرائليين إذا استطاعوا تغيير كل هذه الموازين، لكنني لا أرى أن السعودية قادرة على أن تكسح الأجندة الإيرانية التي تعتبر اليوم ورقة قوية تقف بوجه دول العالم الغربي.
بين كل هذا التداخل المقيت الذي تحاوله إيران والسعودية في فرض أجنداتهما عبر الانتخابات العراقية القادمة، هل تتمكن هاتين الدولتين منفرض تلك الإرادة على الشعب العراقي؟ أنا لا أعتقد أن الشعب العراقي سهل المراس وأن تكون هنالك إمكانية لأن يتمكنوا من تغيير إرادة الناخب العراقي إلى ما لا نهاية فالعراقي له فطنته السياسية التي تمكنه من فهم الواقع وما يتم التخطيطله خصوصا وأنه يكتشف جميع المخططات التي تحيكها دول الجوار العراقي بشكل متعاقب خلال السنوات الماضية. جواد كاظم الخالصي