المصريون: لا طيور ولا خنازير، الانفلونزا هوس الأغنياء فقط

القاهرة - محمد الحمامصي
جامعي مصري: من فسادهم سلط الله عليهم الأوبئة

الأوساط الثرية فقط من المصريين هم من ينتابهم الذعر من فيروس أنفلونزا الخنازير، ويحتاطون له بالبعد عن الأماكن المزدحمة، ووضع الكمامات أحيانا كثيرة، والاكتفاء بالسلام دون تقبيل أو عناق، ومسح الأيدي بالمناديل المعطرة، وزيارة الأطباء الكبار مع الشعور بأي شيء، فيما لا تبالي الغالبية العظمي بالمرض وتواصل حياتها دون خوف أو فزع أو حتى مجرد الاحتياط والوقاية، وفي عيد الفطر مثلا امتلأت السينيمات والكازينوهات والنوادي والحدائق.
يذكر أن ذلك حصل أيضا مع أنفلونزا الطيور حيث لا تزال الأسرة المصرية في القرى سواء في الشمال أو الجنوب تواصل تربية الطيور بأنواعها في البيوت في حظائر منفصلة وأحيا في غرف داخلية، ولا تزال الأسواق في هذه القرى والنجوع البعيدة عن "القاهرة" تواصل تجارة التجزئة التي يقوم بها سيدات ورجال مما يربون الطيور في منازلهم على السواء.
وراء هذا التصرف (الاستسلام) من المصريين أسباب كثيرة، أهمها وأقواها التدين الذي يرى في هذه الأمراض والأوبئة علامة من علامات ساعة يوم القيام، وعقابا لانتشار السفور والتبرج والإباحية والفساد والرشوة وغير ذلك من الموبقات، حتى أنه بسؤال أحدهم ـ مع ملاحظة أن من نسألهم يحملون شهادات جامعية ـ قال إن انفلونزا الخنازير ظهرت أول ما ظهر في أوساط الأثرياء، وأنها لم تظهر في أوساط الغالبية من فقراء ومحدودي الدخل أو حتى أبناء الطبقة المتوسطة.
وقال: "من فسادهم سلط الله عليهم الأوبئة، التي سوف تزداد كلما زادوا من فسادهم".
وفي إطار السبب نفسه يرى البعض أن الأمر كله بيد الله، ولن يموت أحد "ناقص عمر" مستشهدين بالآية الكريمة "لكل أجل كتاب"، ومن يريد الله أن يحفظه سيحفظه "الله خير حافظا".
وتستمر الرؤية الدينية أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الاستسلام من جانب المصريين تجاه فيروس انفلونزا الخنازير، هذه الرؤية التي تزداد عمقا في الأحياء المتوسطة والفقيرة في المدن الكبرى وفي مجمل الريف والصعيد المصريين ولسان الحال يقول: سلمها لله.
السبب الثاني والذي يحمله الكثير من حملة الشهادات الجامعية والمتسيسين البسطاء والمتثاقفين أيضاء البسطاء من عموم الشعب المصري، السبب يتلخص في نظرية المؤامرة، والمؤامرة هذه المرة ليست سياسية وإنما رأسمالية تقودها شركات العقاقير عابرة القارات.
يرى أصحاب هذا الجانب أن العالم كله وليس المسلمين وحدهم مستهدف من قبل الرأسمالية العالمية ممثلة في شركات الأدوية، والمراكز البحثية التابعة لها، وجلها تقع تحت سيطرة الرأسمالية السياسية ـ إذا جاز التعبير ـ أي إن أصحابها من ذوي النفوذ السياسي.
ويتساءل أحد أصحاب هذا الجانب عن أن فيروس انفلونزا الخنازير ظهر بعد مدة ليست بالطويلة من وقوع العالم في أزمة اقتصادية حادة، وأن المرض لا يشكل خطرا إلا على شعوب بلدان العالم الثالث.
يؤكد آخر الغرب يجرب في مراكز أبحاث وما يلبث أن يخرج فيروس عن السيطرة ويجتاح العالم عن عمد للتجربة أو بطريقة غير مقصودة، ولنلحظ أن المرض أول ما ظهر ظهر في المكسيك وهي بلد فقير جدا، وعلاجه موجود وسوف يمنح للأقوياء من الأثرياء، حتى إذا امتلأت جيوب الشركات وانتعشت تجارتهم يطرح العقار للعامة من الناس وسرعان ما ينتهي أمر المرض لتبدأ هذه الشركات في الإلقاء بفيروس آخر لمرض جدا.
السبب الثالث هو الوضع الاقتصادي الذي تعيشه هذه الأغلبية والذي لا يمكنها من اتخاذ أي من إجراءات الوقاية، فالغالبية لا تملك سيارات خاصة ولا قدرة لديها على استخدام التاكسي كوسيلة للحيلولة دون زحام أتوبيسات النقل العام والمترو، ولا تملك مساكن واسعة جيدة التهوية، وغير ذلك الكثير مما يؤكد قول أحدهم: لا مفر.
يقول أحدهم ماذا لو أصبت بهذه الأنفلونزا ولا أدرى أنها هي؟ لن أفعل إلا ما أفعله مع إصابتي بالأنفلونزا العادية" الليمون"، "مضاد حيوي" أو أي من أدوية البرد، الحكومة لا توفر وعيا بخطورة المرض غير الملصقات والإعلانات التليفزيونية "الخايبة" التي تقول اغسل يديك، استخدم أوراق الكارمن، لكن لا تقل لك توجه للمستشفى الفلاني، لأنها لا تمتلك مستشفى فيه أدنى معطيات المستشفى، ليس لدينا مستشفيات، ولكن أماكن لتوليد الأوبئة والأمراض.
تعرف أن الكثيرين ذهبوا إلي المستشفيات لفحص حالتهم بمجرد أن أصيبوا بارتفاع درجة الحرارة وعطس وأنهم طردوا، المستشفيات لا تملك حتى دواء الأنفلونزا العادية، ليس بها أدوات كشف، وكل شيء ملوث.
ويشير آخر إلي أن كليات الطب تخرج الآلاف كل عام ممن لا يجدون عملا ومع ذلك عند تذهب لطبيب تجد أن ثمن الكشف يتجاوز خمسين جنيها، والأدوية التي يكتبها تساوي الخمسين، برأيك من يملك أن يدفع مائة جنيه، وكما تعرف "نحن نأخذ الأنفلونزا ممكن مرتين أو ثلاثة في الشهر".
ويعترف أن طبيبه هو موظف الصيدلية، وأنه ليس وحدهم من يتخذ من هذا الموظف طبيبا ويوفر ثمن كشف الطبيب.
وبين هؤلاء وأولئك يرى الكثيرون أن الحياة الصعبة تحتم عليهم الاستسلام وهو ليس استسلاما من وجهة نظرهم ولكن توكل على الله، لابد من الجري وراء لقمة العيش والحفاظ عليها سواء كانت موظفا أو بائعا متجولا أو أيا ما كان عملا، لأنك إذا توقفت لن يحرمك أحد حتى أبنائك الذين ينتظرون ما ستأتي به.