جيل روائي عراقي جديد (3):<br> تقويض النموذج

بقلم: حمزة الحسن
نحن نتساءل فحسب

(من أجل المزيد من الاحتفالات)
الروائي هاروكي موراكامي
***
هدف هذه القراءة هو تحريضي لغرض طرح الأسئلة وإثارة الاهتمام بقضية منسية ومنزوية هي قضية واقع رواية الجيل الروائي العراقي الجديد، ولا يتجاوز طموح هذه القراءة أكثر من تحريك الوعي النقدي بالسؤال الروائي الملغي المتعلق براهن اليوم والغد: أين تقف الرواية الجديدة في لحظتها الراهنة؟
لم لا نحتفل بولادة جيل روائي جديد أو نقرع أجراس الولادة أو حتى نجهز له المسرح، والعالم يحتفل كل يوم بجيل جديد من أدوات الحلاقة ومن شفاطات الشحوم وبجيل جديد من الخلوي وحتى المكانس والمباول البلورية، وبجيل جديد في العراق من السياسيين والأحزاب والعاهرات واللصوص والبرامج والتحالفات والمواخير والمقابر وجيل جديد في أوضاع ممارسة الجنس وجيل جديد من أدوات التزوير في التصويت، بل وجيل جديد من القتلة ومن الصواريخ والعبوات الناسفة والأقضبة الصناعية؟
كنا مضطرين للدخول في هذا المدخل الوعر والممتع بعد انتظار طويل وممل، ولكن ظهر أن أسئلة الثقافة الغائبة جزء من أسئلة المصير الأخرى الغائبة أيضا، وحين تغيب الأسئلة وتكثر الأجوبة، فهذا يعني أن البنية التقليدية في الكتابة والحياة الاجتماعية تعيش في وضعيتين متضادتين ولكن، وهي مفارقة غريبة أو تبدو غريبة مثل كل حالة عراقية، في مصيرين متشابهين: الوضعية الأولى، بنية تقليدية في الكتابة لا تعيش الخض والضعضعة والزلزلة والهز والارتجاج رغم كل العواصف، وبنية تقليدية اجتماعية تتفسخ علنا دون أن يظهر بديل وهذه محنة: الثوابت التقليدية الاجتماعية مقوضة، لكنها عميقة الجذور وتقاوم الاقتلاع، والثوابت الثقافية والأدبية مقوضة، ولكنها عميقة الجذور وتقاوم الاقتلاع.
لا النموذج الثقافي والأدبي سواء في الرواية أو في الشعر أو المسرح يفسح الطريق لولادة نموذج آخر رغم التقويض، ولا النموذج الاجتماعي يسمح بذلك رغم التقويض: بمعنى أن الطريق مغلق تماما، ولكن ليس الطرق المغلقة هي الطرق الميتة، فربما يكون الخلل في الخطوة لا في الطريق، لأن طرق الثقافة حين تغلق تعيش داخل البنية العضوية في صراع عنيف، ظاهرا مرة ومستترا أخرى، لكنه صراع بين التقويض وبين الولادة، لا الأول يتراجع ولا الثاني يأتي. أين نقف في هذه اللحظة؟ لتحرير هذا السؤال من الأسر، يجب تحرير الأرض أولا وقبل كل شيء: الحرية والأرض أمران متلازمان عضويا.
لا النموذج الاجتماعي المقترح موجود، ولا النموذج الثقافي العام المقترح موجود، ولكن ألا يبدو الحديث عن النمذجة، وفق هذا المنظور مرتبكا، أو غير واضح المعالم؟ أعترف أن الحديث عن نموذج مقوض، في الثقافة وفي المجتمع، غير دقيق، لكن واقع التقويض بنفسه سليم تماما، وفي الحوار النقدي العام والجدي والرصين قد نصل إلى فهم أفضل لهذه القضايا الشائكة.
السؤال عن نموذج مقوض، يفترض الإجابة على سؤال سابق هو: هل كان هذا النموذج موجودا من قبل، وما هو شكله وبنياته؟ وأعترف مرة ثانية أنني لا أعرف مثل هذه الملامح ولا أعرف أيضا بدقة القوى المحركة في بنيته العضوية، أي في صميم نسيجه الحيوي، وهذا الاعتراف بالقصور يقود إلى مزيد من الأسئلة لأن أسئلة الثقافة لا تغلق، وكل سؤال معرفي يقود إلى آخر، كما أن الإقرار بقصور وضوح الحالة لا يعني أنها غير موجودة ولكنه يعني أنها قائمة ومستترة مثل كل الحقائق، الحقائق الثقافية والإنسانية، هذه الحقائق كالحقائق التطبيقية لا توجد مرمية في الشوارع ولكنها تُكتشف وتخلق، لأنها خلق أو اكتشاف، وهذا من فضيلة الشعور بالقصور ومن الإقرار به، لأن الشعور بالاكتمال في المعرفة هو الجهل، والبحث في الثقافة هو أفق، أفق لا يكتمل، هو بحث يقود إلى آخر، سؤال لا يؤدي إلى جواب، بل إلى مزيد من الأسئلة، وإلى مزيد من البلبلة: من منا لا يعاني من صداع الأشياء الأخرى كي يخاف صداع السؤال المعرفي؟
لنبدأ بتنظيم هذه الفوضى في الحقل الروائي: هل هناك نموذج في الرواية العراقية أو نماذج في أعمال أو كتاب وصلوا إلى طريق مسدود، ولم يعد الأمر يحتاج سوى إلى تقويض؟ هل التقويض يأتي من داخل بنية العمل الروائي نفسه أم من الخارج؟ أم من الأثنين؟ أم من طرف ثالث؟ ما هو هذا الطرف؟ ومن يقرر هذا المأتم الروائي؟ النص أم السؤال؟ المعرفة أم الزمن؟ النص الجديد أم القديم؟ كيف نحكم على النص: بناء على القدم أم على الأصالة؟ هل الأصالة والعراقة والنموذج والحداثة مرتبطة بالزمن أم بالنص نفسه وتعاليه على الزمن؟ كيف نجده؟ أين نعثر عليه؟ في الماضي الحداثي، أم في الحاضر التقليدي؟ في مرثية نشيد أور الحداثية، مثلا، قبل مئات السنين، أم في محاولات فؤاد التكرلي التقليدية، أم في استعارات فاضل العزاوي، استعارات المخيلة الماركيزية على وجه الخصوص؟ وكيف يمكن أن يكون نموذجا من كان في الأصل تقليدا لنموذج سابق؟ وهل الإبداع، وهو أهم الأسئلة، هو العثور على نموذج أم التخلي عنه؟ في الخلق أم في النسج على منوال؟ في الأفق أم في الأرشيف؟
سواء وصلنا إلى إجابات أم لا، لأن الأهم هو أن نقطة الانطلاق قد صارت واضحة تماما أو في الأقل أقل غموضا تحت ثقل الأسئلة: ولكن لماذا نحاول التوضيح؟ هل التوضيح نفسه طريق أم نتيجة؟ خطوة أم وصول؟ بداية أم نهاية؟ سؤال أم جواب؟ منهج أم أفق؟ حافز أم خلاص؟ هل الوضوح غاية أم ممشى؟ غابة أم نزهة؟ فكر أم شعور؟ قفص أم طائر؟
لكي تتم الإجابة على كل هذه الأسئلة يجب فحص الأسئلة نفسها مرات، لأن السؤال الخاطيء يقود إلى إجابة خاطئة، وفي (مبادئ) علم التضليل يُشغل الناس بأسئلة مضللة لكي يتم الوصول إلى أجابات مضللة، وفي هذه الفوضى يصبح البحث عن سؤال الحقيقة مغيبا، أكثر من ذلك منسيا تماما. الحاضر، عبر التكرار، هو الجواب غير الحقيقي عن السؤال غير الحقيقي: وهذه حال الأمور اليوم في الثقافة وفي غيرها.
هل هناك نموذج مقوض؟ بل هل هناك نموذج روائي أصلا كي يقوض ويؤسس على أنقاضه نموذج روائي جديد؟ ربما يلوح هذا السؤال مشتتا وسنحاول جمعه لكي يصل بنا (لا أن نصل به) إلى جواب حقيقي أو سؤال حقيقي آخر، لأن حقل الثقافة هو حقل مفتوح، هو نقصان مستمر، مسعى، عوز، جوع معرفي، وحين أجد الطريق في وجهي مغلقا، سأستعير أدوات ومفاهيم وأسئلة من مكان آخر: (هل تأسست لدينا بنية تقليدية في الكتابة الروائية ستوفت شروطها كي نستسلم كليا لإغراء الترف والتجريب واللعب؟) يتساءل الناقد عبدالرحيم علام، أو: ( لكي تصير الحداثة هي المطلب الأصلي، ينبغي استهلاك المطالب الأخرى) بتعبير مطاع صفدي، فهل حدث هذا عندنا؟
نحن نتساءل فحسب، فلا يمكن أن نُغرق في الراهن الوحشي عن الأمل في المستقبل، حتى لو كنا نجلس على الطريق بشموع قديمة عن حفل عائلي بهيج مضى، أو بشموع جديدة لحفل أكثر بهجة لم يأت، لكنه في الطريق. حمزة الحسن