جيل روائي عراقي جديد (2): <br> حامل فانوس النهار

بقلم: حمزة الحسن
حق الحكي

كان من الطبيعي ان تتفاوت الردود وتختلف حول طرحنا السابق عن ولادة جيل روائي عراقي جديد، وهذا الاختلاف القادم من المشتغلين في مشغل الرواية مفهوم ويغني الحوار العام عن هذه المسالة وعن غيرها، ولكن ليس غريبا أيضا، كما هو مألوف في مناخنا العام، السياسي والثقافي على حد سواء، أن يدخل على الحوار من يحاول أخذ النقاش في الطرق التي يلعب بها وحده ومن اختصاصه، الطرق التي لا علاقة للراوية ولا للثقافة ولا الاشتغال النقدي علاقة بها لا من قريب ولا من بعيد سوى تكريس حالة لا ثقافية باتت معروفة، في الأقل، للكثيرين، وهؤلاء خارج هذا الحوار الذي يطمح لتوسيع حقل السؤال الروائي لأننا لا يمكن تصديق وجهة نظر تقول إن على الروائي (استدعاء القبح وتحويله الى جمال ـ بالحرف الواحد كما جاء على لسان أحدهم ) إلا إذا كانت هذه الدعوة الأسطورية تصدر من كائن يطالب بتجميله هو، أو اذا قمنا بقلب وظيفة الفن والأدب لأن وظيفة الفن عبر العصور هي الوقوف في وجه القبح، كل أنواع القبح، وهذا أمر مفروغ منه ومحسوم وأولي ومدرسي بل بدائي.
وعملية تجميل القبح ممارسة مثيرة للتقزز ومعادية لجوهر الفن والإنسان والحياة ولا تصدر إلا من نفوس ذهب بها التشوه إلى النهايات القصوى، ومن المؤكد أن من يقوم بتجميل القبح يقوم في الوقت نفسه بتقبيح الجمال.
لنرجع للسؤال الثقافي الملتبس: هل هناك إمكانية ولادة جيل روائي عراقي جديد، إن لم يكن هذا الجيل قد ولد فعلا كمنجز، أم أننا نتحدث في المتصوّر والمشتهى والمأمول؟
مجرد طرح السؤال أمر بالغ الحيوية، وأكثر من ذلك، فالحديث عن ولادة جيل روائي هو حديث عن المستقبل في لحظة عماء وظلام وقلق وسيادة شبه مطلقة لهيمنة الماضي وشراسة الحاضر وغياب تام للحديث عن أي أفق مستقبلي أو أمل أو بشارة. فلماذا مثلا، كما قلت للروائي أحمد سعداوي، لا نشتري هدايا عيد الميلاد مبكرا في سبتمبر/أيلول؟
وبما أن الردود التي وصلت عبر البريد غير معدة للنشر وكتبت على عجل، تقتضي الأمانة عدم الإشارة إلى أسماء أصحابها والاكتفاء بعرض موجز ومركّز لوجهات النظر نفسها دون الإغفال أن هذه الآراء تعني، من أمور أخرى، أن الحجرة الصغيرة التي ألقيت قد حركت شيئاً في الأقل في المناخ الثقافي والنفسي لمجموعة من الكتاب ولا نقول في المناخ الثقافي العام، فليست هناك تصورات ضخمة عن هذا الواقع، ولكننا، بصرامة ووضوح، سوف نأخذ بملاحظات روائيين يمارسون الكتابة الروائية ويعرفون هموم هذه الحرفة ولهم منجزهم الروائي المنشور والمقروء، أما ملاحظات غير المشتغلين بالرواية، لا من حيث المنجز ولا من ناحية العقل النقدي والثقافي والأدبي ولا من جهة القراءة والاهتمام، وهم كثر بالمناسبة، فسوف نتعامل معها كما يتعامل مصّلح سيارات مثلا مع نجار أو طبيب مع مهندس أو خبير ألغام مع حدائقي باحترام حدود المهنة والتخصص وهو تقليد عراقي أصيل بين أصحاب الحرف ولكنه، وهنا الغرابة، لا وجود له في عالم الثقافة اليوم، حيث يستطيع من يشتري مكنسة وجهاز كتابة من خلال الحذلقة والتقعر والدروب الملتوية والترقيع الواضح أن يقول كل شيء عن أي شيء وهي ظاهرة غير معزولة عن المأساة العامة وانهيار الأدوار.
وانهيار الأدوار، حسب علم الاجتماع، يقود إلى الاختلاط والتداخل والتشابه، كأن يقوم مثلا الطيار بعملية جراحية من خارج نطاق عمله، وأن يقوم بائع تتن متجول بدور منظّر نقدي، ويقوم جلاد بدور بائع زهور، أو أن يقوم نشال محترف بدور مرشد سياسي وموجه وواعظ كما هو حاصل اليوم حيث تداخل وتشابه والتباس واختلاط الأدوار المهنية وحتى الطبيعية ـ دور الأب، الأم، الأخ... الخ ـ علامة على الانهيار الاجتماعي المروع والعلني، وفي عالم الأدب يكون صفعة للنخبة الأدبية كاستحقاق منطقي لغياب المعايير الأدبية والنقدية وفقدان الحدود.
يقول روائي من هذا الجيل في تعليقه إن المقال يتضمن أمورا كثيرة تستحق الاهتمام، ولكن مقالنا يحتفل أكثر مما يجب بولادة جيل، وهذه الولادة تصح على المستوى الشعري والقصصي ولكنها لا تصح على المستوى الروائي، ويعترف أيضا أن الجيل الروائي التقليدي قد استهلك أغراضه ولم يعد لديه ما يقوله، وأن الرواية اليوم تنفتح على قضايا وأشكال تعبيرية جديدة ـ انتهى التلخيص.
وفي هذا الاعتراف بنفي ولادة جيل روائي ما يشبه الإقرار بولادته أيضا: فحين يستهلك الجيل الروائي القديم أغراضه، وتنفتح الرواية اليوم على أشكال تعبيرية ومضامين جديدة، فهذا يعني أننا أمام ولادة من نوع ما سواء كانت جيلا أو تيارا أو موجة أو مدرسة أو حتى بذرة، فليست التسمية مهمة في هذا الشأن بل حالة التجاوز والمغامرة والقطيعة، وحالة "استهلاك أغراض" الروائي التقليدي على مستوى الشكل والمتن لمنجزه الذي نشك، كقراء قبل كل شيء، على قدرته على الصمود أمام اختبار الزمن، المحك الأول، وعلى قدرته على التأثير على القراء وعلى الروائيين الجدد، هذه الحالة هي الأنقاض التي يتأسس، ويجب أن يتأسس عليها، البناء الروائي الجديد. لكن هل تصلح هذه" الأنقاض" كنقطة انطلاق للتأسيس؟ هل يمكن التأسيس على التراث الروائي الإنساني؟ أسئلة تبحث عن أجوبة.
المقصود بالجيل في كلامنا لم يكن عملية التحقيب اللاهثة التي قام بها الشعراء بالاستناد إلى التقويم السنوي، لأن الجيلية مفهوم يرتبط بتحولات عضوية اجتماعية واقتصادية وثقافية، وولادة جيل أدبي يتطلب هذه التحولات دون أن يكون شرطها المركزي ـ مثال ديستوفسكي ـ وفي الوضع العراقي حدثت هذه التحولات في البنية الاجتماعية، ونحن أمام بدايات تحول في الأشكال التعبيرية، وإذا كانت الآن في طور النمو، فيجب التعجيل بولادتها، وإذا كانت القنابل التي سقطت على برلين، بتعبير أريك مارياك مؤلف رواية "للحب وقت، وللموت وقت" قد سقطت على اللغة الألمانية وعلى المسرح والعائلة، فعلى رأس من سقطت أطنان القنابل في العراق، بما في ذلك القنابل النووية المحدودة والأسلحة المحرمة؟
الروائي الجديد أمام تحديات من نوع مختلف داخل الوطن وخارجه، يقر روائي آخر، لكنه لم يستجب بما فيه الكفاية لهذه التحديات على المستوى الروائي، اللغة والشكل والحداثة واستدعاء التاريخ كحامل معنى ورمز، وكل ما صدر من نصوص روائية يتضمن الكثير من البناء الجديد، أي الكثير من التطور، لكنه يفتقر للحداثة، فليس كل جديد حديثا، لأن مفهوم الحداثة يرتبط بمفهوم الأصالة والهوية واللغة والبناء، يقول، وعلينا التعامل بحذر مع المنجز الروائي الجديد على أهميته.
يقول آخر إن كلاما من هذا النوع، أي الكلام عن ولادة جيل، يثير الدهشة والفرح بصرف النظر عن أي شيء آخر، وهذا وحده يعطي الأمل، الأمل الأدبي في الأقل، بأننا نستطيع في لحظة ما أن ننتزع النفس من بؤس الحاضر وهيمنة الموت ونمضي في الأحلام بل في الأوهام إلى المستقبل، أو الجانب المشرق في حياتنا الغائب في هذا الدمار العارم، وأن نضع الروائي والرواية على خط النقاش في هذا الصخب والضجيج، ويتابع، لكننا يجب ألا نفرط في الذهاب إلى المستقبل على طريقة برامج وبيانات السياسيين، لأن غالبية الأعمال الروائية الجديدة تخشى الدخول حتى اليوم في مكون جوهري في الرواية الحديثة، وهو المكون السيروي، مع أن أسباب ذلك كثيرة لكنها لا تبرر هذه الخشية وغالبية كتاب الرواية في العالم يكتبون، مباشرة أو مناورة، عن حياتهم الشخصية، بل بعضهم لا يستطيع الكتابة أبدا إلا عن هذه الحياة بصورة مباشرة وعلى سبيل المثال: هنري ميلر، همنغواي، كنوت هامسون، محمد شكري والقائمة طويلة جدا.
ومن تجربة شخصية أقول بالفعل إن غياب المكون السيروي يفقد الرواية الحديثة الكثير من جمالياتها رغم الاحتجاجات المعروفة والمألوفة القادمة من خارج الرواية وعالمها، وهي اعتراضات مختلطة ومموهة وشخصية وماكرة وتتسم بالفهلوة والشطارة أحيانا وتحت عناوين أخلاقوية واجتماعية أكثر من كونها روائية ونقدية، بل تذهب هذه الاحتجاجات المفرطة السذاجة مطالبة الروائي أن يقلص حدود عالمه الروائي والفردي، ويلغي تجاربه الشخصية والعائلية والاجتماعية لأنه (لا يجب أن يكتب الروائي عن الأصدقاء) كما يقول نفر من هؤلاء، ومن غير الممكن أن يكتب الروائي عن عالمه الحميمي، يقول آخر، ومن غير اللائق أن يكتب الروائي بلغة الكشف والتعرية والفضح حتى لو كان هؤلاء يقتحمون عالمه الشخصي النائي ويجعلون من أنفسهم مادة لعالمه النفسي والروائي ومن تجربته الحياتية التي يجب تقليصها لأنها لا تنسجم مع عالمهم السري الذي يمارسونه بسكوت وكتمان .. وإلخ وهلم جرا. بمعنى أن يكتب كما يريدون هم لا هو، أي: لا يكتب ـ هكذا يراد عن جهل وعن بلادة تحويل العمل الروائي الشديد الفردية إلى نص كنسي أو بلاغ حربي أو نشيد جماعي، بل وصلت المسخرة والقراءة الوضيعة أن يتهم الروائي بقتل أبطاله كما كتب قبل أيام أحد فلتات الزمان العراقي الأغبر. لم لا؟ نحن نقتل الأبطال الذين نحبهم، ومن حسن شكسبير أنه ليس عراقيا. مثل هذه القراءة المتدنية هي قراءة مغرضة ولكنها ليست نادرة.
يخشى بعض كتاب الرواية من الاصطدام بالمؤسسات وهي كثيرة، وبالمحرمات الوضعية وهي هائلة، وبالمقدسات الافتراضية، والأعراف، والتقاليد، بل والعائلة... والخ، ولو استجاب لكل هؤلاء لما أصبح روائيا بل تحول إلى كاتب عمومي يكتب شكاوى الناس إلى المحاكم، أي مرة أخرى لا يكتب شيئا بل ينقل ما يريدون هم كتابته تماما كالكاتب العمومي.
هناك رواية للطاهر بن جلون بعنوان" الكاتب العمومي" تعرض هذا الإنسان من زاوية مختلفة، من خارج إطار النظرة المألوفة للكاتب العمومي ـ العرضحلجي ـ بل يعرضه الروائي هنا ككاتب للسيرة الذاتية السرية للناس وفضائحي يعيش تفاصيل الفضائح اليومية لكن مطلوبا منه الصمت، وهذه محنة هذا الإنسان وهي محنة الروائي: إما أن يكتب ما يريدون، أو يكتب هو ما يريد كتابته. في الحالة الأولى هو مأجور، وفي الحالة الثانية هو خالق: بين المأجور والخالق فاصلة كونية لكنها تنعدم في الحالة العراقية مثل كل الفواصل.
بهذه الطريقة يتم، بالحذلقة أيضا والاحتماء خلف جدار الأخلاق، تقليص عملية بنائية معقدة مرتبطة نفسيا بعالم الروائي الشديد الخصوصية ومناخه النفسي الخاص ـ حتى السياسي لينين وقف إلى جانب الشاعر مايكوفسيكي في صراعه مع هذا الصنف قائلا "إن الفنان يعيش حالة نفسية خاصة"، وما دام الفنان مصمما على قول الحقيقة الفنية والأدبية، فيأتي دور المؤسسة كالسجن والقتل والعزل، وفي غياب المؤسسة، كما في المنافي، هناك الوصم، لأن عالم البعض من (النقاء والذكاء والبراءة) بحيث لا يقترب منه إما أن يكون مجنونا، وهذه ميزة يتباهى بها روائيو وفنانو أوروبا بل ينتحلونها، أو أن يكون حاقدا على التاريخ والمجتمع والطبقة والقيم وفي هذه كلها الكثير مما يستدعي الحقد المشروع.
التعامل مع الروائي يجب أن يكون تعاملا نقديا قائما على قراءة النصوص وليس على قراءة النفوس، فليس من المعقول ومن اللامعقول أن يتم التعامل مع الروائي بمفردات ولغة وتُهم السياسي، أوالتعامل معه كمسؤول حزب أو عضو برلمان أو مدير بلدية أو رئيس حراس أو مدير مجاري، ويُطلب منه بخفة عراقية شهيرة ومميزة أن يعدل من خياله وعالمه الداخلي وأفكاره لكي تكون منسجمة مع أفكارهم: مثل هذا السلوك الكاريكاتيري لا يصلح إلا في عالم السيرك، وكما قلنا تضيع الفواصل في حياتنا الثقافية وفي غيرها اليوم، بل تمحي في كثير من الأحيان.
في عالمنا العراقي، كتب روائي آخر في رسالته، وصل الأمر بالبعض إلى مستويات لا مثيل لها في العالم ويقول: "تحوّل البعض إلى شرطي أو مختار محلّة يحمل استمارة ويتجول سائلا الجيران والمنابر عن حياة وعالم وخصوصيات هذا الروائي أو ذاك كشهادة حسن سلوك، وآخر شيء يهمه، وحتى لا يهمه على الإطلاق ولا يقترب منه كي لا يشرشح، هو عرض نصوص الروائي على الملأ وقراءتها قراءة نقدية لكي يحكم الناس على النصوص الروائية وهو سلوك غير موجود على الإطلاق في ثقافة أخرى ولكن قراءة النصوص يعرض هذا الصنف إلى فضيحة الانكشاف وزوال الطلاء والبرقع، فيلجأ للشخصنة، وهو أسلوب متاح للجميع ولا يحتاج إلى سؤال الإبداع ومشقة الفحص ولا معاناة القراءة".
لمناسبة الحديث عن شهادة حسن السلوك يذكر الروائي حنا مينة كيف طُلب منه مرة مثل هذه الشهادة كشرط عضوية في تجمع أدبي وكيف كان رده عنيفا قائلا: "لو كان الأديب على هذا المستوى من القبول الاجتماعي والإقرار بالأوضاع القائمة، فلماذا الأدب؟ لماذا يقترح نفسه بديلا وصورة لمجتمع جديد إذا كان محبوبا ومقبولا من الجميع؟ لماذا، مثلا، لا يتحول إلى بائع شاورمة؟".
حول موضوع السيرة الذاتية الروائية، وهي تختلف عن السيرة، وتختلف عن السيرة الذاتية، وتختلف عن الاعترافات، وعن المذكرات، وكل نوع من هذه الأنواع يجنّس حسب شروط محددة، لماذا يخاف البعض إلى مستوى الهياج من موضوعة السيرة الذاتية الروائية ويقرع الأجراس بلا كلل وبأشكال هيستيرية مزمنة؟
هناك خوف واضح ومفهوم من عدد كبير من الروائيين، حتى نجيب محفوظ اعترف أنه تحاشاها بصورتها المباشرة، لكنه ضمّن حياته كقناع لشخصيات كثيرة، مع أن السيرة الذاتية الروائية تمارس في الغرب كتقليد شائع من قبل روائيين وفنانيين ورساميين ومغنيين وسياسيين وأفراد عاديين مع شرح وتفكيك لكل أنواع الحميميات وبجرأة ووضوح وسلاسة وهذه طبيعة مجتمعات الحرية والوضوح لا مجتمعات التدليس الخائفة والراعشة من الصوت والكلمة والضوء والعتمة وكل شيء، ومن لا شيء.
السيرة الذاتية الروائية خليط من تقنيات العمل الروائي والسيروي ولا يشترط فيها المطابقة مع الواقع وهي بناء تخييلي لوقائع حدثت فعلا أو حدثت في المخيلة الروائية بطريقة مغايرة لاستجابة الآخرين، وبكلام أدق تبعا لفليب لوجون في كتابه المرجعي "السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي" إن السيرة الذاتية الروائية هي إعادة صياغة للذات عبر المخيلة، ليست المطابقة ولكن البناء، ليست استعادة حرفية ولكنها خلق.
إذن، من هو الخائف من مشروع الروائي من كتابة سيرة ذاتية روائية؟ ولماذا يموه هؤلاء خوفهم من السيرة الذاتية الروائية خلف قناع دعوي أخلاقوي زائف؟ في المجتمعات المفتوحة، غير الراجفة من كتاب أو أغنية أو وجهة نظر، مجتمعات الحرية والحداثة والسوية والصراحة والوضوح والعلنية، لا يخاف الروائي من كتابة سيرة ذاتية روائية عن أدق حميمياته ولا يخاف القارئ أو الجار أو الصديق أو من وجد نفسه داخل حياة الروائي أو من زج نفسه في هذه الحياة، ولكن يكون الروائي في عالمنا خائفا ليس من قول حقيقة حياته بل من حياته نفسها، ويكون الآخر، الداخل في هذه السيرة، عبر مصادفة أو جريمة أو لحظة، مرعوبا من السيرة الذاتية الروائية لأنها فن يعري المخبوء والمسكوت عنه في حين يريد هذا الآخر، تحت دعاوى أخلاقوية ملفقة وممزقة ومكشوفة، أن يعيش فضيحته الخاصة بحق الناس وبحق نفسه كجريمة صامتة، وأن يحرمهم مرتين: مرة من حق الحياة، ومرة ثانية من حق الحكي، مرة بمحاولة تشويه الحياة وأخرى تشويه الحكاية: أليس ذلك من تطبيقات شعار أن الرواية هي فن تجميل القبح لكي يُطفأ فانوس سقراط وهو يبحث عن بشر في النهار في قلب الازدحام؟
كما يؤسس الإرهابي مملكة خاصة به باسم الشرعية الدينية أو شرعية الاحتلال أو شرعية المغامرة الثورية أو شرعية الخطر الخارجي، يعلن هؤلاء حضورهم الباهت باسم شرعية "النقد الروائي"، بعد أن فشلوا في أشكال الحضور الفجة الكثيرة، وبدل شعرنة الخطاب الروائي يتم تحويله إلى شعير، ومثل هذا التعاطي غير الأدبي واللاثقافي أبعد ما يكون عن عالم الروائي الخاص ولكنه في صلب المادة الروائية كشرائح استثنائية تحاول قلب الأدوار الإنسانية المشرقة وتجميل القبح، كما لو أن نزار قباني قد مر في طريقه بأمثال هؤلاء حين قال: "كيف نقوم بتجميل القبح إذا صار سعر غالون البنزين أغلى من سعر غالون الدم؟".