سنة ليست حلوة يا قبيح!

بقلم: محمد كركوتي

"كانت الحياة أكثر سهولة عندما كنا نحترم آباءنا وأمهاتنا، وليس بطاقات الائتمان"، الكاتب الأميركي الساخر روبرت أوربن

وقف وزير المالية الأميركي السابق هنري بولسون قبل عام، أمام مجموعة من الصحافيين في واشنطن، محمر العينين – ليس من فرط البكاء بل من زخم السهر- ليعلن للعالم أجمع، عن انهيار مصرف "ليمان برزرز" الأميركي، وليعزز دخول الإدارة الأميركية آنذاك التاريخ من الباب الخلفي، كأسوأ إدارة ابتلت بها البلاد، ليس سياسيا فحسب بل اقتصاديا أيضا. فقد كان هذا الإعلان شبيها بإعلان رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل عن اندلاع الحرب العالمية الثانية، مع الفروقات في الحالتين. فالأول "بشر" بتفجر أزمة اقتصادية عالمية، تحول أمامها "الكساد العظيم" في العام 1929 إلى مجرد "نزهة غير سعيدة"!، ووقف عاجزا أمام تحديد أفق ما لها. والثاني، وضع العالم أمام مسؤولياته ومصيريه، مع تحديد آفاق عامة لهذه الحرب. ولعل هذا ما تسبب في زيادة حجم المصيبة التي نشرتها الأزمة. فأدوات الحل كانت مبعثرة، وحتى لو كانت متجمعة، لم تكن إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، مؤهلة لاستخدامها. كانت هذه الإدارة تعيش فوضى القرار السياسي – الاقتصادي، أو لنقل كانت غارقة بما يمكن تسميته بـ"تزاحم القرارات"، وهي العدوى التي أصيبت بها من رئيسها "البطل" في "تزاحم الأفكار"، فهو الرئيس الوحيد في هذا العالم، الذي "شرح" ميزانية بلاده في أحد الأعوام بأنها "ميزانية.. لأنها تحتوي على أرقام كثيرة"!
لم يكن آلان غرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق (البنك المركزي)، أفضل حال من "متزاحمي القرارات والأفكار". فهذا الرجل الذي يتحمل المسؤولية الأولى على اندلاع الأزمة الاقتصادية المريعة (لقد سيطر على صناعة القرار الاقتصادي الأميركي لمدة تزيد عن 18 عاما)، وقف عاجزا أمام آليات فهمها!. فـ "كلينت ايستوود الاقتصاد" (الرجل تحول مع الأيام إلى نجم اقتصادي، لا إلى رجل اقتصاد)، اعترف بفشله في فهم ما جرى ويجري. ولم يجد غضاضة في القول: "إن هذه الأزمة لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن"، وبالطبع لم يشر إلى دوره في جعل كل الأجيال يشهدون أزمة بهذه القباحة!، وبهذه الصورة التي لم تغير المعالم فحسب، بل أوجدت معالم اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية جديدة، وأثارت قضايا، كان العالم يدعو الله كل صباح أن تبقى في قبرها. ولكي لا أظلم كلينت ايستوود الممثل والمخرج، يجب علي الاعتراف بأن هذا الأخير كان بارعا في مجال تخصصه، بينما قدم "ايستوود الاقتصاد" أبشع صورة للفشل، وأكثرها أذى.
المولودة (الأزمة)، بلغت سنة من "خريفها" لا ربيعها!، ومن حق الأجيال التي اكتوت بنارها، أن تنشد وتقول: "سنة ليست حلوة يا قبيحة". بل من واجب الجميع العمل على وئدها. فهذه الأزمة حملت من "الذنوب" ما يكفي لعدم سؤالها عن أسباب وئدها. نشرت خرابا ومهدت الطريق أمامه. تركت القطار يمضي من دون محطات ولا مكابح، بل أنها تركت السائق في نقطة الانطلاق. دمرت التسامح الذي كان بحده الأدنى. أيقظت المشاعر العدوانية. ضيقت الساحات – الضيقة أصلا -، وسدت الأنفاق التي قد توفر ممرات للخلاص. أوقعت ضحايا بات متخصصو الإحصاء عاجزين عن حصرهم، فـ "العداد" أصبح أسرع من أن يُقرأ. إنها أزمة حولت العالم إلى ساحة حرب لا قادة فيها.. جنودها إما مهزومين أو مستسلمين!.
لقد ضخت الدول – لاسيما الكبرى منها – في عام واحد أكثر من 3000 مليار دولار أميركي في اقتصاداتها، ليس من أجل حل الأزمة – الحل لا يزال بعيدا – ولكن لحماية مؤسساتها ومصارفها، خصوصا تلك التي ترتبط بصورة غير مباشرة بـ " كرامة " و"وجاهة" حكومات الدول نفسها. وعلى الرغم من عمليات الضخ هذه، ما يزال الخراب منتشرا في كل الأرجاء، ولا تزال المخاوف مسيطرة حتى على أولئك الذين "يحبون" التفاؤل. فهؤلاء يعرفون أن غياب التشاؤم عن الساحة الاقتصادية العالمية في الأعوام التي سبقت الأزمة، ساهم بصورة أساسية في اندلاعها. ولكي تزيد الصورة قاتمة وقباحة، فقد كان "الاقتصاديون الملهمون" يسخرون من الاقتصاديين المتشائمين الذين حذروا من أن الخراب سيأتي، وطالبوا الحكومات – خصوصا التي كانت تمتلك زمام القرار الاقتصادي العالمي – أن تعيد النظر بمبدأ " دعوا السوق تعمل بدون ضوابط، ولا خوف من المشاكل التي قد تحدث فيها، لأن السوق قادرة على تصحيح نفسها"!. ماذا كانت النتيجة؟ لقد انهارت السوق والمصارف والمؤسسات التي كانت تتبجح طوال عقود بأنها لا تقهر، وبأنها أقوى من حكومات كثيرة في هذا العالم. والجواب البليغ جاء في الربع الأول من العام 2009 عندما سجلت الشركات المتعددة الجنسيات التي يبلغ عددها 368 مؤسسة متنوعة، تدهورا في أرباحها بلغت 75 في المئة!.. أين القوة إذن؟!
ولمزيد من الحقائق عن "الحصون المنيعة".. أغلقت السلطات الأميركية في غضون ستة أشهر فقط 88 مصرفا، وهذا العدد يساوي ثلاثة أضعاف المصارف التي أغلقت في العام 2008. وفي مجال المصارف أيضا.. وأيضا، أغلق "بنك أوف أميركا" 10 في المئة من فروعه البالغة 6100 فرعا. ومن أكبر "الحصون" شركة "جنرال موتورز" التي لم تستطع الصمود في عين عاصفة الأزمة، فـ"سلمت" نفسها للحكومة.. والحكومة التي أخذت تؤمم ما أمكن تأميمه من الشركات، تواجه عجزا في ميزانيتها العامة يصل إلى 1800 مليار دولار، بعد أن فقدت 1300 مليار دولار من ثروتها الوطنية، في الثلاثة أشهر الأولى من العام 2009، مع وصول نسبة البطالة إلى 10 في المئة تقريبا، وارتفاع عدد الأميركيين الذين يعتمدون على "كوبونات الإعاشة" إلى شخص واحد من كل عشرة أشخاص (بلغ عددهم 34 مليون)، في حين دخل أكثر من 2,5 مليون أميركي دائرة الفقر رسميا، وذلك طبقا لمكتب الإحصاء السكاني!
هذه الصورة المصغرة للوضع الاقتصادي الأميركي تحت رحى الأزمة، هي نفس "اللوحة" في بعض بلدان العالم المتناغمة اقتصاديا مع الولايات المتحدة، ولكنها حلت بوقع أشد على بقية الدول التي لا تمتلك مقدرات القرارات الاقتصادية الكاملة. فقد "ارتكبت" الأزمة جريمة وصول عدد الذين يعانون من الجوع – لا الفقر – حول العالم إلى 1,02 مليار جائع. وعلى الرغم من الزيادة المتواضعة لمستوى الدعم المقدم لصندوق النقد والبنك الدوليين، إلا أن مساعدات الدول المانحة تراجعت بصورة مخيفة، ودمرت الكثير من مخططات التنمية. بل أن الأزمة ضربت ما يعرف بـ "أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في العام 2000 لخفض عدد الجياع والأميين إلى النصف بحلول العام 2015. كيف يمكن تحقيق هذه الأهداف، وستضيف الأزمة بحلول العام 2009 أكثر من 59 مليون عاطلا عن العمل حول العالم، بعد أن تراجع حجم الاستثمارات الخارجية في الدول النامية بحدود 30 في المئة، وانخفضت التحويلات للدول نفسها بنسبة 20 في المئة!. ماذا ارتفع في المقابل؟ حجم "صناعة البغاء"، وعمليات تشغيل الأطفال حتى في الدول المتقدمة (الراشدة)!.. بل ارتفع معدل "الاتجار بالبويضات الأنثوية"!، وعدد العائدين إلى بلدانهم الأصلية، من البلدان التي كانوا يعملون فيها. مهلا.. مهلا، في "قطاع الارتفاع" – إن جاز الوصف - انضم المحتالون بدءا بالأميركي برنارد مادوف، ولكن من دون نهاية لهم. فقد أخذوا بالظهور في كل الأرجاء، بما في ذلك في المنطقة العربية، إنهم مثل السرطان، الكل يعرف أن يظهر، لكنهم لا يعرفون كيفية القضاء عليه.
يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما: "لقد أطفأنا الحريق، لكن الاقتصاديين – لاسيما أولئك العاملين في وول ستريت – لم يبدوا ندما على ما حدث، بل أنهم لم يتعلموا من الأزمة".
وليس لدي تعليقا على كلام أوباما، سوى: يا إلهي.. هل يخططون لارتكاب أزمة جديدة، بينما لا تزال "جثث" ضحايا الأزمة الراهنة في مسرح الجريمة؟! محمد كركوتي m@karkouti.net