خارطة طريق عاجلة للعراق

بقلم: سمير عبيد

درجتم طيلة الـ 6 سنوات الماضية على تطبيق الديمقراطية وذبحها في آن واحد، وبالتالي تحولت الديمقراطية إلى آفة تفترس شعب العراق، بل أدمنت على دماء العراقيين، وسط تفرّج عربي وإسلامي ودولي مقيت. فالديمقراطية ليست شعارا وهيمنة أحزاب معينة، وبعد أن حولت نفسها إلى شركات قابضة على قوت الناس، فرفعت شعار "التجويع والترهيب والتكميم".
الديمقراطية الحقيقية هي التي تحرر الشعب من قيود الجهل والتبعية والتقاليد البالية، وذلك بفضل العقل والتعاظم الاقتصادي والسيادة الشعبية، ومن أجل دفع المجتمع إلى الأمام من النواحي الاقتصادية والسياسية والثقافية، وتحريره من المُطلقات، ومن الدعوات الدينية المشوهة للدين الحقيقي، وكذلك من أيديولوجيات الدولة، بحيث لا يعود المواطن خاضعا إلا لسلطان الحقيقة ومقتضيات المعرفة.
أين ديمقراطيتكم من هذا كله؟
فلقد أصبحت ديمقراطيتكم وبالا على رؤوس الشعب العراقي والمنطقة، فهي التي أدخلت العراق والشعب في مختبر تجارب المجانين وقطاع الطرق، وها هو زمن الهواجس والمخاوف والرعب والقمع ما لبث أن أتانا ثانية وبطرق أشد قساوة من السابق، لقد تحولت "معظم" أحزابكم وجماعاتكم إلى مافيات لا تؤمن إلا بشعار"أنا الأول... وأنا العراب" وكل هذا بلبوس الديمقراطية التي حولت الكثيرين إلى مافيات خطرة على حياة المواطن ومستقبله!
أين وعودكم وبرامجكم التي ملأت صحف المعارضة، وملّت منها شبكة الإنترنيت وعندما كنتم خارج السلطة، فلماذا تغيّرت خطاباتكم وتصرفاتكم وأخلاق معظمكم وحال استلامكم للسلطة؟
ولماذا أصبحتم تمارسون تصرفات النظام الذي عارضتموه، بل تفننتم في تطويرها لتكن أكثر قساوة وألما، فها هي الآمال الثورية التي كنتم تُنظّرون لها تحولت إلى كوابيس توتاليتارية أو إلى بيروقراطيات دولة.
فلقد أتضح لنا جليا أن الحركات الإسلامية والديمقراطية تناصبان العداء!
وبدلا أن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى، قامت الأولى فصرعت الثانية في العراق، وأوهمت الشعب والعالم بديمقراطية زائفة البسوها قناعا يمثل وجه الديمقراطية الذبيحة. ومثلما أدعى يزيد بن معاوية بأنه أكثر عدلا ونزاهة من الإمام الحسين، ولهذا أصبحت للديمقراطية الحقيقية التي قُتلت في العراق و على طريقة مقتل الأمام الحسين عليه السلام "حوبة" مدمرة في العراق، ولأنها تحمل من صفات وجينات دم الأمام الحسين عليه السلام، ولأن الديمقراطية الحقيقية هي من صلب نظام وأخلاق الحسين ووالده الأمام علي عليهما السلام، وبهذا فالتاريخ يعيد نفسه ليُسجل جريمة جديدة في العراق، وبتخطيط وتنفيذ أحفاد الذين قتلوا الأمام الحسين وأهله وأبناء عمومته وأنصاره في واقعة الطف عام 61 هجرية.
فيا ساسة العراق، كل ما في الأمر أن نتعلّم كيف نعيش معا رغم اختلافاتنا، أن نبني بلدا وعالما خاصا بنا، ويكون دائم الانفتاح، لكنه يتوافر أيضا على أكبر قسط ممكن من التنوع، فلا ينبغي التفريط بالوحدة التي يستحيل التواصل بدونها، ولا التفريط بالتنوع الذي يؤدي غيابه إلى تغليب الموت على الحياة.
فينبغي تحديد الديمقراطية لا بوصفها تغلٌّب الجامع والشامل على الخصوصيات، بل بوصفها مجمل الضمانات المؤسساتية التي تتيح الجمع بين وحدة العقل الوسائلي وبين تنوع الذاكرات، الجمع بين التبادل والحرية، لذا فالديمقراطية هي سياسة الاعتراف بالآخر كما قال شارل تيلور.
فلقد وقعت ديمقراطيتكم وبفعل وتخطيط من "معظمكم" بخطر الظهور بمظهر الإيديولوجيا المُسخّرة لخدمة الأقوياء، وأسبغت أسمها لخدمة سلطة من السلطات التعسفية والقمعية، والحل من هاتين الآفتين هو من خلال إعادة تركيب المجال السياسي وعلى انبعاث القناعات الديمقراطية.
فالديمقراطية لديكم أصبحت إدعاء وتكسّب ومعمل منتج لحكومات تقترع داخل تنظيمها الموجه بديمقراطية شكلية.... فلن تكون هناك ديمقراطية وفي أي بلد في العالم عندما يعاني من "الفقر والأميّة"، وهنا لا نقصد بالأميّة ـ القراءة والكتابة فقط ـ بل الأميّة السياسية والدستورية والقانونية والتكنولوجية، وها هو العراق يعاني من الفقر والأميّة، بل أن هناك جهات حزبية وحكومية تسعى لزيادة مساحة هاتين الآفتين في المجتمع العراقي، وضمن شعار (مصائب قوم عند أحزاب فوائدُ).
أن من أسباب نحر الديمقراطية في العراق هي:
"أن توزيع الولاءات بين العشائر، والمذاهب والقوميات قوي ومؤثر، لا بل هو العمود الفقري لديمقراطية العراق، لذا وبهكذا مشهد يكون من السهل شراء الذمم سواء باللعب على الحس الديني بطوائفه المتعددة، أو من خلال رشوة الفقراء الذين لا يهمهم ولا يعرفون معنى ونوع وشكل الديمقراطية إلا ما يشاهدونه ويسمعون عنه".
فبما أن الرابط الاجتماعي هو المؤثر، مقابل غياب قوى اقتصادية متطورة في بيئات غارقة بالأمية والصراعات المريرة، لذا فالذي يمارس في العراق هو خدعة ديمقراطية وعلى شاكلة الخدع السينمائية.
فربما هناك أمل بترميم الديمقراطية، وجعلها بوضع قد يكون صالحا نوعا ما، وعندما ينجح الساسة العراقيون من تحييد "الممتلكات والأرض والثروات والمقدسات" عن الصراعات الشخصية والحزبية والطائفية، وأن فشلوا بذلك، فسوف تكون هناك ارتدادات مدمرة، وبالتالي يصعب استعادة النماذج الأخرى بأدوات ووجوه معادة.
لذا فالأمل المتبقي لساسة العراق "الوطنيون"و لشعب العراق ومن أجل الخروج من المحنة، وقطع دابر مطامع الدول الأخرى التي أصبحت في صلب المؤسسة السياسية، عندما تكون هناك وحدة وطنيّة، وهناك رغبة واستعداد للتضحية بالمذهب والقومية والحزب لصالح العراق.
والحقيقة، لا قيمة لمذهب وطائفة وحزب في وطن "مُصومل" أو "مبلقن".
فاللعنة على روح ديمقراطيتكم.. والرحمة على روح وحياة الوحدة الوطنية، وإياكم المتاجرة بها هي الأخرى! سمير عبيد

Sa.obeid@gmail.com