العريس يحلل سينما شاهين

كتب ـ محمد الحمامصي
انتصار للفن الحقيقي

يقدم هذا الكتاب أول تحليل واف للتجربة الإبداعية للمخرج يوسف شاهين على المستويين الفني السينمائي والحياتي الإنساني، الأمر الذي يضيء فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، وتحديدا فترة ما قبل ثورة يوليو/تموز 1952 وما بعدها، وما صحب الأخيرة من تطورات على مختلف المستويات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، هذا بالطبع إضافة إلى الفن المصري وما شهده خلال هذه الفترة.
ويتناول الناقد السينمائي الكبير إبراهيم العريس بالشرح والتعليق أهمية كل فيلم في مسيرة شاهين الطويلة، وكذا التنوع الغزير لإنتاجه بين نوعيات سينمائية مختلفة من الكوميديا الموسيقية الى الميلودراما، ومن السيرة الذاتية الى القضايا القومية، متتبعاً بعمق لا يتخلى عن جاذبية الكتابة، أساليب وتقنيات سينماه الروائية والتسجيلية، ويحتوي الكتاب على ثلاث ملاحق مهمة تعرض أولا رأي شاهين في كل من أفلامه على حدة، ثم سينما شاهين في عيون نقاد وسينمائيين عرب وأجانب، وفي النهاية فيلموجرافيا كاملة للمخرج الكبير، بالإضافة للصور النادرة ومشاهد من أفلامه وأفيشاتها.
الكتاب الذي حمل عنوان "يوسف شاهين نظرة الطفل وقبضة التمرد" والصادر عن دار الشروق هذا الأسبوع يحمل الكثير من الرؤى المهمة لشاهين، ربما أهمها أن الكاتب إبراهيم العريس لم يفصل بين سيرة شاهين المخرج وسيرة شاهين الإنسان، وسيرة شاهين المواطن المصري المهموم بقضايا وطنه وأمته، حيث يرى أن هناك ثلاثة عناصر امتزجت تماما تؤلف متن السيرة الشاهينية: مصر نفسها في حاضرها وتاريخها، في اسكنداريتها ثم في قاهرتها، وفن السينما الذي سيصبح حتى آخر يوم من حياته عمله وهمه الوحيد، وحياة شاهين نفسه التي لن يتوقف طوال حياته عن روايتها في أشكال كانت هي نفسها في بعض الأحيان ومختلفة في أحيان أخرى، فإذا استثنينا بعض أفلامه القليلة وبعض لحظات من حياته، يمكننا القول إن حياة شاهين منذ عرض فيلم "بابا أمين" عام 1949 على الأقل صارت مع حياة مصر مع حياة السينما شيئا واحدا.
ويؤكد العريس أن سيرة شاهين اندمجت بسيرة سينماه، ففيلمه الأول "بابا أمين" أول تجل لنوع من سيرة شاهين الذاتية على الشاشة وتحديدا من خلال كون الفيلم كناية عن السينما "عبر مشهد الحلم" في المقام الأول، ثم من خلال أن العائلة التي فيه تكاد في مشاكلها وطباعها أن تكون صورة لعائلة شاهين نفسها. هنا في الفيلم يقينا إن للطفل ابن العائلة في الفيلم سن وتطلعات وبراءة الفتى الذي كانه شاهين في كنف العائلة، ثم إذا اعتبرنا فيلم "الأرض" تقع في أواسط الثلاثينيات نجد أن هناك نوعا تطابق بين عمر الصبي الذي يبدو هو كراوية للفيلم والعمر الذي كان لشاهين زمن الأحداث.
ويرى العريس أن اختيار شاهين لمن يقوم بـ "دوره" في كل فيلم من أفلامه لم يكن عشوائيا بل جزءا أساسيا من حياته ومسيرته، وتصبح علاقته بممثليه علاقة عضوية وحياتية، ولن يكون من قبيل الصدفة أن يختار شاهين للعب دوره في أفلام أساسية شبانا شديدي الوسامة رائعي الحيوية: من محسن محمد في "اسكندرية كمان وكمان" ثم "وداعا بونابرت" و"اليوم السادس"، إلي محمود حميده المليء برجولة ما في "إسكندرية/ نيويورك" ويمكن للائحة أن تصل إلي صفحات عديدة، بل يمكن حتى أن نضيف إليها يسرا "في إسكندرية كمان وكمان" والشاب الذي لعب دور جوزيف، ابن العالم الفرنسي جيرار بروي في "المصير"، وخالد النبوي في "المهاجر" وصولا إلى نور الشريف "شاهين / يحيي" في "حدوته مصرية"، كل هؤلاء كانوا يوسف شاهين بشكل أو بآخر.
ويقول العريس: يمكن النظر دائماً إلى سينما شاهين بغثها وسمينها، على أنها تشكل وحدة متكاملة ترتبط فيها دائماً عناصر أساسية متكاملة: عنصر النظرة المشاكسة إلى الواقع، عنصر موقع الذات في هذا الواقع، وعنصر الربط بين الأسباب والنتائج. فمثلاً حين يريد شاهين أن يتحدث عن هزيمة عربية، يعرف تماماً أن عليه ألا يكتفي بالقول إن هناك هزيمة وأن هذا الطرف أو ذاك هو المسؤول عنها، بل يصل إلى ربط الهزيمة بأسبابها العميقة، وبالخيانات وضروب التخلف والصراعات (واتساع النسيج في هذا المجال هو الذي جعله، مثلاً، يتحدث عن هزيمة حزيران/ يونيو في أربعة أفلام على الأقل متكاملة: الأرض، العصفور، الاختيار وعودة الابن الضال).
ومحاكمة الراهن، في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، احتاجت منه إلى عودة إلى التاريخ (فكانت أفلام تبدو لنا مترابطة في نهاية الأمر، مثل: وداعاً بونابرت، والمهاجر، والمصير)، ومحاكمته - الساذجة على أية حال لما تصور، وصُوِّر له أنه العولمة - احتاجت منه أفلاماً عدة وتدخل مفكرين سايروه في فكرته عن العولمة (مثل الراحل إدوارد سعيد والسياسي حمدين الصباحي، في «الآخر»، عبر ثرثرة غير مفيدة) وكذلك إلى مواقف عدة نجدها في أضعف أفلامه (الآخر و9/10) كما في أقواها "إسكندرية/ نيويورك".
ويضيف: غير أن شاهين لا ينسى، في خضم هذا كله، أن يحاكم فئة رأى - وربما لا يزال - أنها مسؤولة إلى حد كبير عما يحدث، هي فئة المثقفين. ومن هنا رأيناه يدين هذه الفئة، وفي عدد كبير من أفلامه (مثل «باب الحديد» و«الاختيار» و«الأرض» و«عودة الابن الضال»)، ما أوصله إلى ذاته ومحاكمتها، وغالباً عارية، في سلسلة أفلامه الذاتية، التي قد تحسب ذات يوم، من أفضل ما حقق شاهين وحققت السينما المصرية في تاريخها، والتي بدأت في شكل شديد الوضوح (لأن ذاته حضرت، أصلاً، في معظم سينماه، عملياً ومنذ فيلمه الأول كما أشرنا)، مع «إسكندرية ليه؟» لتصل إلى «إسكندرية/ نيويورك» مروراً بـ «حدوتة مصرية» و «إسكندرية كمان وكمان».
لكن المدهش في هذا كله وعند هذه النقطة، هو أن شاهين عاد وربما منذ «المصير» ليتصالح، من ناحية مع ذاته، ومن ناحية أخرى مع المثقف، بعد إرهاصات حول هذه العودة، في «وداعاً بونابرت» و«المهاجر». وربما يعود هذا، ببساطة، الى أن شاهين، إذ تفاقمت الهزائم العربية، وتبين أن ثمة في العالم العربي - والإسلامي أيضاً، لكن هذه حكاية أخرى -، ما هو أخطر: الإرهاب الذي يطاول المثقف وانطلاقاً من سيرورة الوعي العام، أكثر كثيراً مما يطاول السلطات القمعية وغير القمعية، غيّر اتجاهه، وراح يدافع عن المثقف والفكر بكل وضوح، ما كلفه غالياً كما نعرف.
ويشير العريس إلى أن يوسف شاهين هو واحد من قلة من مبدعين عرب، لم يمارس في حياته سوى مهنة واحدة: الإخراج السينمائي. ربما انتج أحياناً، وربما مثّل في بعض أفلامه، وربما حقق عملاً أو أكثر للمسرح، لكنه بصورة عامة، أمضى عقود حياته المهنية، حتى الآن، وهو لا يعرف لنفسه مهنة أخرى سوى الإخراج السينمائي، ولعل هذا ما يوصلنا الى لحظة الدهشة القصوى، التي تبعثها ظروف أيامنا هذه جاعلة من أخبار يوسف شاهين الصحية، أخبار صفحات أولى في معظم الصحف ونشرات الأخبار العربية.
والمدهش في هذا أن شاهين ليس رجل سياسة ولا هو نجم غناء، ولا ظاهرة اجتماعية. شاهين هو، وفقط، مخرج سينمائي. ومع هذا ها هو يعامل، إعلامياً، كنجم حقيقي، وها هم عشرات ملايين العرب، وأهل مهنة مهتمون خارج العالم العربي أيضاً، يتابعون وضعه الصحي لحظة بلحظة، بمن فيهم أناس ربما لم يقيض لهم أن يشاهدوا أي فيلم كبير من أفلام شاهين.
ترى، أوَليس في هذا كله انتصار للمبدع، ولا نعني هنا بالمبدع شاهين وحده، بل بالمبدع العربي في شكل عام؟ وترى، كم مخرجاً سينمائياً في العالم يمكنه، حين يمرض وينقل الى المستشفى، أن يحظى بمثل هذا الاهتمام العام؟ نحن قد نفهم ضجة تُثار من حول رحيل سعاد حسني أو أحمد زكي، وحزناً يسود لرحيل أم كلثوم أو فريد الأطرش أو فائزة أحمد، أو - بخاصة – عبدالحليم حافظ، أو جمال عبدالناصر... ولكن - بصراحة - يدهشنا الاهتمام نفسه إذ يُعطى لفنان، شديد الخصوصية، مثل يوسف شاهين.
ومرة أخرى نميل إلى اعتبار هذا الاهتمام انتصاراً للفن الحقيقي.
محمد الحمامصي ـ القاهرة