فرات اسبر حين تطلق سراح الجبال العارية

بيروت - من جورج جحا
'امرأة انا'

تستأنف الشاعرة فرات اسبر مسيرتها الشعرية بنضوج يزداد ثراء في التجربة وتجذرها وفي القدرة على التعبير عنها بعمق يحوّل كثيرا مما تقدمه الى قرائها الى عالم من المشاعر الدافئة ودفق من الاحزان الرفيعة النبيلة.

في "زهرة الجبال العارية"، مجموعة فرات اسبر الشعرية الجديدة، عراقة في تلك الاحزان وقدرة على تصويرها بايحاء يدخل منطويات النفس وبموسيقى تجمع بين نبض داخلي خفي حينا وهمس يبدو كأنه يدوي في النفس احيانا اخرى.

والمجموعة فوق كل ذلك لا تبدو افتراقا عن شعر فرات السابق ولا هي بتكرار له بل تشكل عالما يشبه عالم قصائدها السابق مثلما يشبه الانسان نفسه بعد نمو وتطور او فلنقل بعد مرور فترة من الزمن.

وقد جاءت المجموعة في 41 قصيدة متباينة الطول وفي 108 صفحات متوسطة القطع وبلوحة غلاف لفاطمة اسبر. صدرت المجموعة عن دار "بدايات للطباعة والنشر والتوزيع" في جبلة في سوريا.

وفرات اسبر شاعرة سورية "مهجرية" بمعنى انها مقيمة في نيوزلندا. وقد يكون احد افضل المداخل الى التعريف بأجواء المجموعة وسماتها الفنية المؤثرة في النفس والتي تفيض بعالم من الوحدة والغربة بكل معانيها وبفعل الزمن وبالحنين الى عالم افل نتمنى العودة اليه، هو قصيدة عنوانها "الحنين ثوب ممزق".

تقول الشاعرة "الحنين يتحدث في غيابك.. تهزه الرياح.. مجنونا تحمله اقدام لا بيت لها.. يحمل مفاتيح لا ابواب لها.. توقف ايها الزمن.. ولنرجع الى البيت.. يا حنيني.. يا ثوبي الممزق.. من يرتق لي هذا الجسد.. ويرتب الالوان.. على اشكال قوس قزح".

القصيدة الاولى في المجموعة حملت عنوان "يبتسم الصباح ولا يراني" تقول فرات اسبر.. "اطلقت سراح الجبال.. والزهرة في اقصى الشرود.. تفك اسر النجوم البعيدة.. تلبس الشمس عنقي.. وتضيئني نار.. يبتسم الصباح ولا يراني.. يمضي.. ينوء بثقل.. ويبكي على نهار باع ارثه.. غيرني الحب.. لم اعد الزهرة.. او عطارد.. لم اعد باقي الكواكب.. امرأة انا.. تجوب البراري بنعل احلام صدئ".

في قصيدة "الينابيع في الغامض المطمئن" نسيج غريب يجمع بين ما يبدو صوفية عميقة لكنها تبدو مجدولة بيأس لا يقل عنها عمقا. تقول "ارمم جدران هذا الكون.. اجمع امالي في صناديق عتيقة.. اسرارها سوداء.. ارى جسدي يمضي ذابلا.. يحصي خريفا وراء خريف.. أتشبه بالحياة لاني جماد.. وأتشبه بالجماد لاني حياة.. اطلقت روحي تبحث عن وجه الاله الذي مضى.. تاركا الينابيع في الغامض المطمئن".

ولربما جاءت قصيدة "عالم ايل للسقوط" اقرب الى حالة مكثفة تختزن كثيرا مما في نفس الشاعرة وفكرها وكثيرا من سمات مجموع قصائد عملها الاخير. انها عالم يطل منه وجه "فكري" يشبه بعض ملامح عالم ابي العلاء المعري.

تقول فرات "ارقص مثل حلم تضربه عصا اليقظة.. طير اوهم الغابة انه صديقها كما اوهم نفسي.. في المراة.. جاء الضوء بتفاح ينخره الدود.. ينخره الدود بما تراكم من حلو الايام.. حلو ثمرات النضج. كل يوم تسقط ثمرة.. كل يوم نمر في مرحلة الحلو والحامض.. كعصير تشربنا ايامنا ولا ترتوي.. عجبت عجبت.. مثل تفاحة مقضومة.. لا بأسناني وانما بالدود الذي يحفر الارض.. ليستقبل وليمة اجسادنا".

"نغادر مثل حديقة في الخريف.. مثل شمس يشدها الزمان بحبله المقطوع.. يشدها الزمان بحبله القصير.. ونحن رقاب معلقة فوق افق ايل للسقوط".